العرب وفلسفة كانط.. من ضيق الاستضافة إلى براح الإضافة
فى إطار نقاش أكاديمى، غنى بالتصورات الفلسفية، محتشد بالرؤى الإبداعية، محتدم بالآراء الخلاقة، والتوجهات البكر، فضلا عن الاختلاف الحضارى البناء، نظم قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة أولى ندوات نشاطه الثقافى والأكاديمى للعام الدراسى الجديد 2023، برعاية الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس الجامعة، وابن قسم الفلسفة البار، لمنــاقشــة كتـــاب الأستـــــاذ الـــدكتــور أحمــد عبد الحليم تحت عنوان "نحن وكانط.. من التلقى إلى اللقاء"، الذى صدر حديثا من إحدى دار المتوسطية فى تونس، حيث يرصد المؤلف ويحلل مواقف المفكرين وشراح الفلسفة العرب من الفيلسوف الألمانى إيمانويل كانط، الذى يراه، جازما، أحد أكبر وأهم الفلاسفة فى القرن الثامن عشر، له قيمة وقامة لا تقل عن قيمة وقامة هيجل فى فلسفة القرن التاسع عشر، معتبرا أن نظرياته فى نقد المعرفة والواجب لم تكن سوى قضايا نظرية فلسفية غاية فى الأهمية، ليس فقط فى تاريخ الفلسفة الألمانية بل فى تاريخ الفلسفة الحديثة بإطلاق، مركزا على طبيعة القراءات العربية وتعاطى المثقفين والشراح العرب مع الفلسفة الكانتية، وصولا إلى ما أطلق عليه عبد الحليم مفهوم "التأسيسية التجاوزية"، الذى يميز فيلسوف التعالى النقدى أو الترانسندنتالى.
فى بداية الندوة، التى أدارتها الدكتورة هالة فؤاد، منسقة النشاط الثقافى، بحضور الدكتورة غادة الإمام رئيسة القسم ولفيف من كبار الأساتذة والمثقفين، أعرب عبد الحليم عن سعادته بإقامة الندوة فى ذكرى مرور 50 عاما على وفاة عميد الأدب العربى طه حسين، مشيدا بفضله الكبير على جامعة القاهرة وكلية الآداب وقسم الفلسفة، منطلقا من محاولة الإجابة عن التساؤل الذى ظل يتماوج فى أذهان المئات من الحضور "لماذا اختار كانط دون غيره؟!"، مؤكدًا، هنا، أهمية مبادئ الحوار والنقد والمناقشة والاختلاف التى يعلمنا إياها كانط وفلسفته العقلانية التنويرية، التى أثرت على الفكر طوال القرن الثامن عشر، بثلاثية النقد الشهيرة: نقد العقل النظرى، نقد العقل العملى، ونقد ملكة الحكم، وصولا إلى طرح التساؤل الأهم حول إشكالية علاقتنا الفكرية، فى إطار هويتنا المصرية العربية الأفريقية، وربما العالم ثالثية، مع الغرب وطبيعة مستويات هذه العلاقة، وهل هى علاقة صراع أم نقد أم توفيق؟! وما هو دور أساتذة الجامعة خارج إطار مهمة التدريس؟ وكيف يرى المفكرون المصريون والعرب الواقع وقضاياه؟ وكيف يجتهد هؤلاء لهضم واستيعاب مختلف الأطروحات الفكرية والفلسفية، وتقديم وجهات نظر مغايرة ومتجاوزة؟ تماما كما فعل جيل الرواد الأوائل من أمثال أحمد لطفى السيد، ومصطفى عبد الرازق، وعبد الرحمن بدوى، وزكى نجيب محمود، وعثمان أمين.
وهنا شدد عبد الحليم، فى قراءته السلسة والموحية، على أهمية تجاوز التلقى عن الغرب إلى اللقاء معه، والعبور من ضيق الاستضافة إلى براح الإضافة، مطالبا الأجيال الجديدة من طلاب الفكر وأساتذة الفلسفة، فى قراءاتهم لفلسفة كانط والغرب بصفة عامة، بالعمل الجاد للانتقال، من صراع السيد والعبد، أو الشرق والغرب، إلى الاعتراف بالعبد سيدًا، فقد حان، فى اعتقاده، أوان الاعتراف بالأنا المصرى العربى الأفريقى، واكتشاف ملامح وخبايا الذات فى مرايا لا تعرف ولا تتهجى سوى سمت الأنا الديكارتى الفرنسى الأوروبى المسيطر.
وأوضح المؤلف أن الاهتمام بكانط فى الوطن العربى مر بعدة مراحل، بدأت أولا من خلال استعراض مقولاته المعرفية ونظريته الأخلاقية وأفكاره حول التنوير والثورة، ثم الدين فى حدود العقل وحده، وأخيرًا أفكاره السياسية، لافتا إلى حقيقة وجود درجة من درجات "التناص" بين مفهوم التنوير الكانطى وفلسفة الأنوار لدى الإمام أبى حامد الغزالى، على الرغم مما بينهما من اختلاف،. متسائلا، فى نهاية مداخلته، عن مدى إمكانية استلهام أفكار كانط حول السلام الدائم لفهم واقعنا المعاصر، الأمر الذى تظهر أهمية الحاجة إليه فى ظل اشتعال المعارك فى عدد من دول العالم، وصولا إلى تجدد أتون الصراع العربى الإسرائيلى، كما يتبدى فى الحرب على شعبنا فى غزة.
من جانبه، أكد الدكتور مايكل مدحت مدرس الفلسفة بآداب حلوان، والمعقب الرئيسى، أن كتاب "نحن وكانط" يأخذ القارئ من ركن الاستمتاع بما أسماه حالة "الطمأنينة الزائفة" إلى تخوم الرغبة فى "إثارة التساؤلات"، معتبرا أن مستويات تلقى كانط تختلف باختلاف السياق التاريخى، الذى نحياه فى واقعنا العربى، داعيا إلى أهمية قراءته عبر إعادة استكشاف معنى الفيلسوف بوصفه مفكرا مبدعا، لديه القدرة على طرح التساؤلات ومحاولة الإجابة عنها، ما يغرى بجعل المهتم بالفلسفة فى حالة نشاط ذهنى وعقلى مستمر، وليس مجرد متلقٍ لأفكار بعينها، على حد وصفه.
وأشار مدحت، فى إطار قراءته المتأنية الواعية للكتاب، إلى أنه ينقسم إلى مقدمة وستة فصول وخاتمة، يضم كل منها عدة فقرات، إذ تبين المقدمة إشكالية البحث وموضوعه ومنهجه، وبدايات التعرف على فلسفة كانط، وما ترجم من أعماله وما لم يترجم منها، لافتا إلى أن الفصل الأول يطرح إشكالية هذا العمل تحت عنوان "من التلقى إلى اللقاء" لمناقشة كيفية فهم أحمد عبد الحليم لتعاطينا الثقافى مع الفلسفة الكانطية، كما خصص الفصل الثانى للنص الكانطى فى العربية والثالث من النقد إلى التنوير، الذى يحلل فيه القراءات العقلانية النقدية، التى تمثل موقف كانت من الميتافيـزيقا، ويلـى ذلـــك القـــراءات العـــربيـة للأخــلاق الكانطية، مناقشا من تمثلوا هذه الأخلاق ومن انتقدوها، ومن ربطوا بينها وبين العربية والإسلام، أما فى الفصل الرابع فيتناول أحمد عبد الحليم مختلف القراءات والتأويلات لمفهوم التنوير، أحد أهم المفاهيم الأساسية عند كانط، بوضعه فى المقابل مع التنوير عند الغزالى أو الربط بينه وبين التأويل عند ابن رشد، أو المقارنة بينه، وبين الإصلاح عند الإمام محمد عبده.
ويرصد مدحت أن المؤلف ينتقل فى الفصل الخامس إلى الإشكاليتين الأكثر أهمية اللتين مثلتا فى نظره المرحلة الأكثر تطورا فى التعاطى العربى مع النص الكانطى، حيث يتحدث عن الدين والسياسة أو القراءات العربية للدين عند كانط وموقفه من الإسلام، مناقشا ذلك من زوايا صراع التأويلات بين القراءات الغربية والعربية لهذه المسألة، وهو نفس ما قام به فى الفصل السادس والأخير، الذى تناول فيه الدراسات العربية للسلام العالمى عند كانط، والقراءات، التى وجدت فى فلسفته السياسية والأخلاقية، نصيرا للديمقراطية ونافذة تطل منها دعوات العولمة ووسيلة لتصحيح مسار الصراع العربى الإسرائيلى وكشف انحيازات الغرب ضد الشرق.
وعلى الرغم من نجاحه فى إلقاء الضوء على منهجية المؤلف التأسيسية التجاوزية، التى ميزت أطروحة كتابه "نحن وكانط"، إلا أن قراءة الدكتور مايكل مدحت لم تخل، بدورها، من قدرة على استثارة عقول ومن ثم تعليقات عدد من الحاضرين، خصوصا عندما عزا غياب الديمقراطية، مفهوما وممارسة، عن واقعنا العربى إلى كونها بذرة غربية، لم تستطع التربة المشرقية العربية هضمها واحتضان جذورها، الأمر الذى انتقدته الدكتورة غادة الإمام، رئيسة قسم الفلسفة، معتبرة أن الديمقراطية لم تكن يوما مفهوما قاصرا على البيئات الأوروبية والغربية بقدر ما كانت مفهوما فلسفيا ذا طابع إنسانى عولمى وكوزموبوليتانى، فيما أرجعت الدكتورة هالة فؤاد غياب الديمقراطية عن الثقافة العربية إلى عدة أسباب متزاملة، لا ترتبط بطبيعة المجتمعات العربية بقدر ما ترتبط بطبيعة صيرورات صراع المركز والهامش، حيث لا تكاد دول المركز الرأسمالى ترانا سوى مجرد مستهلكين تابعين وخاضعين لسلع الغرب وقيمه، يعيشون فى دول المحيط أو بالأحرى الهامش الرأسمالى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة