نقطة بيضاء ظهرت فى قلب "تليفزيون "الميدان، وبعدها عزفت موسيقى السلام الجمهورى، وبعدها قرأ الشيخ محمد صديق المنشاوى
بضع آيات من القرآن الكريم ثم ظهر الإذاعى الكبير صلاح زكى معلنا عن بدء إرسال "التليفزيون العربى" وبعده ظهرت الفتاة الجميلة، همت مصطفى، لتكون أولى مذيعات العصر الجديد، عصر الشاشة الصغيرة فى زمن يرى أن الصورة أهم ألف مرة من ألف كلمة، وكانت "همت" مذيعة فى الإذاعة المصرية منذ العام 1951، ومنذ الساعة السابعة من مساء يوم 21 يوليو 1960 اختلفت الحياة، وانتقل المصريون إلى عصر الإعلام المصور واسع الانتشار..
كانت المحطة الأخيرة فى حياة "همت مصطفى" المذيعة الرائدة، مرتبطة فى أذهان الطبقات الشعبية المصرية بعبارة خاطبها بها "الرئيس السادات" وهى "..ياهمت يابنتى"، فى لقائها ـ التليفزيونى ـ مع سيادته فى قرية "ميت أبو الكوم" لمناسبة "عيد ميلاده"، وكان زمن تسجيل اللقاء هو العام "1980"، وهو العام الأخير الذى قضاه ـ السادات ـ قلقا، وكانت الأيام قلقة أيضا، فهو منذ العام 1973، يخوض حربا من أجل "تحقيق الصلح" مع "إسرائيل"، خاضها ضد قادة حرب العبور المجيد، وضد وزارة الخارجية، وضد الشارع المصرى ذاته، لأنه كان يكره "الاتحاد السوفييتى"، بسبب "استهانة" قادة الحزب الشيوعى به فى "موسكو"، لما سألوا "عبد الناصر" بغلظة "من يخلفك فى حكم مصر؟" فأشار إلى "أنور السادات" نائبه، ولم يكن السؤال موفقا، فالرجل ـ عبد الناصرـ كان فى موسكو بغرض تلقى العلاج، ولم يكن فى ظرف يسمح بالكلام عن الموت، وعموما، انتقم السادات من السوفييت، لأنه كان يعرف أنهم يريدون "على صبرى"، وهو من رجال "الاتحاد الاشتراكى"، وكان فى المعسكر الذى انتصر عليه "السادات فى "15 مايو 1971"، وكانت مظاهرات "18و19 يناير 1977" ـ بروفة جنرال ـ للمواجهة بين "السادات " و"عبدالناصر"، كان السادات يريد أمريكا وصندوق النقد الدولى ويريد طرد "الاتحاد السوفييتى" من الشرق الأوسط، وكان المواطنون يريدون الاتحاد السوفييتى والسلع رخيصة الثمن والوحدة العربية والعدل الاجتماعى، فرفع السادات أسعار السلع الغذائية، وقبلها كان قد طرد السوفييت من مصر ووقع اتفاقات فض الاشتباك مع جيش إسرائيل ورفض "حل أزمة ثغرة الدفرسوار" وطرد "سعدالدين الشاذلى" من رئاسة أركان حرب القوات المسلحة، وقال قولته المشهورة فى خطابه المشهور، التى تعنى أنه يمكنه الذهاب إلى "القدس" نفسها، لتحقيق الصلح مع إسرائيل، واستقال وزيرا الخارجية "إسماعيل فهمى ومحمد إبراهيم كامل، لأن "كامب ديفيد" تحولت إلى "فخ" للرئيس والنظام كله، وعقب سيطرة الجيش المصرى على الشارع المنفلت فى "مظاهرات الخبز" اختفى "صندوق النقد" من الحياة الاقتصادية والسياسية المصرية، وعرف الأمريكان أن "السادات" لم يعد قادرا على منح شىء جديد، وبدأ التفكير فى "بديل مناسب" له، يحقق المطلوب للسياسة الأمريكية ويكون مقبولا من "الشعب"، وكانت "همت مصطفى " حاضرة فى المشهد، فالمطلوب فى تلك اللحظة الحرجة من حياة الرئيس إعادة تقديمه للناس، بصورة جديدة، ارتدى الجلباب الريفى، ووضع العباءة على كتفيه، وجلس على الأرض ـ كأنه الفلاح المصرى ـ وجاءت "همت مصطفى" وسألت الرئيس "كيف ترى السنوات العشر الماضية من خلال توليكم مسئولية البلاد؟"،فكانت إجابة الرئيس درسا فى "تاريخ مصر"الحديث والمعاصر، فتكلم عن النهضة المصرية فى نهاية عصرإسماعيل، والنهضة الصناعية التى سعى محمد على لإحداثها على أرض مصر، وربط بين هاتين الحقبتين التاريخيتين، والسنوات العشر التى حكم خلالها البلاد، وهى إشارة ذكيه تدعو المشاهد للربط بين "محمدعلى وإسماعيل والسادات" باعتبارهم "بناة مصر"، ونسى المشاهدون كلام الرئيس عن البناء والنهضة، وعقب اغتياله تذكروا قوله "ياهمت يابنتى"، واختفت "همت مصطفى" من المشهد الإعلامى، وكانت تشغل منصب "رئيس التليفزيون فى الفترة من "مايو 1980ـ ديسمبر 1980"، وكانت ـ همت ـ واحدة من المذيعات الرائدات، قدمت البرامج الخفيفة، وقرأت نشرات الأخبار، وكانت من القيادات التليفزيونية التى ترسم تفاصيل "الخطاب الإعلامى " للنظام السياسى.
التليفزيون رغبة ملكية
فى العام 1947، انتشرت رغبة واسعة لدى الملوك والرؤساء، فى الوصول إلى "الجماهير" فى أجمل صورة، وكان اختراع "التليفزيون" معروفا فى بريطانيا وفرنسا، بل إن "صناعة التليفزيون" وتجهيز استديوهات البث التليفزيونى ظهرت بقوة فى أوربا، وهو الأمر الذى جعل "فاروق" يرغب فى أن يكون فى المملكة المصرية "جهاز تليفزيون"، له مقر واستديوهات، وبالفعل جرت التجارب الأولى فى قصر عابدين، وظهر "دكتور على الراعى" كبير مذيعى الإذاعة المصرية فى هذه التجارب المصورة، ولم يكتمل المشروع لأسباب لا أعرفها، لكن المعروف أن حفل زفاف الملك فاروق والملكة "ناريمان" فى العام 1951، تم تصويره بكاميرا التليفزيون، المملوكة لشركة فرنسية متخصصة فى هذا المجال، وهذا الشريط المسجل عليه "الزفاف الملكى" يظهر فيه رجال الحكومة والأميرات بجوار الملك وعروسه الملكة التى أنجبت ولى عهده "أحمد فؤاد"، وجاءت ثورة "الضباط الأحرار" فى 23 يوليو 1952، لتقضى على الملكية وتقيم "الجمهورية"، وكانت "الإذاعة" هى الجهاز الإعلامى واسع الانتشار الذى نقل البيان الأول الذى ألقاه "أنور السادات" من أمام ميكروفون موجود فى "دار الإذاعة" فى شارع الشريفين، بوسط القاهرة، وهو المقر الذى حاصرته دبابات سلاح الفرسان ليلة الثورة، وكانت تحت قيادة "ثروت عكاشة" وزير الثقافة فيما بعد.
وكى يعرف القارئ، العلاقة الوثيقة بين "التليفزيون" والسياسة، من المهم التوقف أمام "الإذاعة" و"السينما " و"الصحف الورقية"، وهى الوسائل التى سبقت التليفزيون، وكانت تتولى تشكيل الرأى العام فى الاتجاه الذى يرغب فيه النظام السياسى، والإذاعة المصرية الحكومية ظهرت فى ثلاثينات القرن الماضى، ونقل لمسامع الشعب صوت "فاروق الأول" وهو يقول "شعبى العزيز"، عقب توليه مقاليد الحكم، ونقلت صوت "مصطفى النحاس" وهو يقول لنواب البرلمان "واليوم أطالبكم بإلغائها من أجل مصر"، وكان يقصد معاهدة "1936"، التى ألغاها من جانب واحد فى "أكتوبر 1951"، وفى العام "1953" انطلقت إذاعة "صوت العرب" لتكون حاملة رسالة "القومية العربية" للشعوب التى تخوض حروبا ضد الاستعمار الإنجليزى والفرنسى من المحيط إلى الخليج، وكانت قوات العدوان الثلاثى على مصر فى العام 1956 استطاعت إسكات صوت الإذاعة، قصفت مبنى "الشريفين" وقصفت مركز الإرسال فى "أبو زعبل"، ولكن إذاعة دمشق العربية انطلق منها الصوت العروبى الوحدوى "هنا القاهرة من دمشق"، وهى الرسالة التى تحولت لوحدة اندماجية بين القطرين فى العام 1958 ودشنها الرئيسان "جمال عبدالناصر" و"شكرى القوتلى" ودامت ثلاث سنوات وانتهت من الوجود، وهى الوحدة التى تغنى بها "محمد قنديل" فقال "وحدة ما يغلبها غلاب"، وأدرك عبد الناصر أهمية أن يكون فى مصر "تليفزيون" يصوغ الخطاب السياسى ويحمله إلى الجماهير، ويقاوم "الدعاية السوداء" المعادية للنظام ـ الوحدوى التقدمى ـ المعادى للاستعمار الأوربى والأمريكى، وقبل ذلك كان الملك فاروق مكتفيا بالصحف الورقية فى تجميل صورته فى عيون "شعبه العزيز"، وكانت "السينما" فى بدايات ثورة "23 يوليو" تقدم لجماهيرها "نشرة سياسية" قبل عرض الفيلم الروائى، ورغم كثرة دور العرض فى المدن المصرية، إلا أن الزيادة السكانية، وتسارع إيقاع "حرب الأفكار" جعل التليفزيون ضرورة تفرضها اللحظة الحادة الفارقة، وأنشئ مبنى التليفزيون بتكلفة بلغت "مائة وتسعة آلاف" من الجنيهات، وكان هذا المبلغ كبيرا فى ذلك الزمان، وأرسلت البعثات للتدريب على تشغيل "التليفزيون" بكافة عناصره، من تصوير وإضاءة وإخراج وكتابة نصوص، وفى العام "1960" تحقق الحلم، وأصبح فى مصر"تليفزيون" يغطى العاصمة، وما حولها "حوالى مائة كيلومتر"، ولم تكن أجهزة الاستقبال متاحة "كان سعر الجهاز الواحد خمسة وثلاثين جنيها"، ولحل المشكلة ابتكرت الحكومة فكرة "تليفزيون الميدان" وأصبح فى كل مدينة "جهاز تليفزيون" داخل هيكل خشبى، يتولى تشغيله "موظف" حكومى، وكان الناس يقصدون الميدان لمشاهدة مواد التليفزيون، من نشرات أخبار، وتلاوات قرآنية وبرامج سياسية، وفيما بعد ظهرت "الدراما"، وعرف الناس الحلقات التليفزيونية التى تروى قصة مثل أفلام السينما، وتولت الحكومة تصنيع أجهزة التليفزيون، وبيعها بنظام "التقسيط" حتى يستطيع الناس امتلاك الجهاز الذى يربطهم بالحياة السياسية والاقتصادية ومنه يتلقون كل جديد، وكل ما يريده النظام السياسى منهم، وكان التليفزيون، البطل الفاعل فى محطات سياسية مهمة، منها مناقشات "مبادئ الميثاق" وهو "حوار وطنى" دعا إليه "عبد الناصر" عقب فشل الوحدة "المصرية ـ السورية"، وكان العام "1962" هو عام "الميثاق" الذى عرفه التليفزيون للناس ونقل لهم مناقشات اللجان المختلفة المكلفة بوضع الصياغة النهائية، ثم جاءت "هزيمة 5 يونيو 1967"، ومرة أخرى يلتف "الشعب" حول أجهزة التليفزيون فى الميادين والبيوت لسماع "خطاب التنحى" المشهور، الذى أعلن فيه "عبد الناصر" استعداده لتحمل المسئولية "مسئولية الهزيمة العسكرية" والابتعادعن كرسى الحكم، ورفضت "الجماهير" اعتزاله وخطابه وطالبته بالبقاء فى الحكم لإزالة آثار العدوان وتحرير الأرض.
وفى النهاية نقول إن "همت مصطفى" المولودة فى ميت غمر ـ دقهلية " فى العام "1927"،المتخرجة فى كلية الآداب، قسم التاريخ "1950"، كانت تلميذة للرائد الإذاعى "حسنى الحديدى" منذ التحاقها بالإذاعة فى العام "1951"وهو الذى تعهدها بالتدريب والتعليم حتى أصبحت متخصصة فى تقديم البرامج السياسية، وانتقلت إلى التليفزيون، فقدمت برامج منها "على شط النيل " و"خلى بالك"، وكلفت بمهام إذاعية خارجية مثل "تغطية حفل أضواء المدينة فى دمشق، وتغطية وقوف الحجاج بعرفة"، ولما أنشئت "القناة الثانية"، تولت إدارتها، وتولت رئاسة التليفزيون ، وانتهت مسيرتها الإعلامية الرسمية فى العام 1980، وفى 14 ديسمبر 1995 انتقلت إلى جوار ربها، تاركة وراءها مسيرة مهنية وإعلامية طيبة، وشهرة مقرونة بالسادات، مصاغة فى عبارة "همت يابنتى" التى كان يخاطبها بها فى لقائها التليفزيونى مع سيادته على أرض ميت أبوالكوم، قبل اغتياله بشهور قليلة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة