أوراق ساحر الكتابة «8»- صبرى موسى ينقذ يحيى حقى مـن «اغتيـال» السينمـائيين

أشاعوا أن قصصه لا تصلح للسينما فتحداهم صبرى بــ «البوسطجى»/ صلاح هو رائد المسرح الشعرى وليس عزيز أباظة

 

ابتداء من هذا العدد نعود لاستئناف ما كنا بدأناه عن سيرة الكاتب المبدع "صبرى موسى"، صاحب "فساد الأمكنة"، و"السيد من حقل السبانخ" و"حادث النصف متر"، وصاحب التجارب الملهمة فى القصة القصيرة وأدب الصحراء، وأدب الخيال العلمى وعشرات من الأعمال التى صنعت منه رقما صعبا فى الإبداع العربى.

ونصل هنا إلى تجربته المتفردة فى السينما، والتى بدأها مع قصص يحيى حقى، فقدم اثنين من أروع أفلام السينما المصرية: "البوسطجى".. و"قنديل أم هاشم".

عندما سُئل صبرى موسى يوما عن الشخصية الأدبية التى كان لها الدور المؤثر والأكبر فى حياته، فإنه أجاب فورا وبلا تردد: يحيى حقى،  ولم يكن فى حاجة إلى السؤال التالى عن سبب الاختيار، فقد قدم بنفسه الحيثيات: "كان فنانا، وربطنا بالواقع، وفتح عيوننا على أشياء مهمة فى الحياة".

لا أحتاج إلى دليل أو إثبات على محبة صبرى موسى الغامرة وتقديره البالغ ليحيى حقى، أديبا ومفكرا وإنسانا، وعلى تلك العلاقة الاستثنائية التى ربطت الرجلين، على ما بينهما من فارق العمر والأجيال، فقد كان صبرى موسى فى أول طريقه عندما جمعته الظروف بالأديب الكبير الذى كان ملء السمع والبصر.

(1)

والراجح عندى أن صبرى موسى – بحكم ذلك التقدير البالغ والمحبة الغامرة – هو الذى سعى للقاء يحيى حقى والتعرف عليه، باعتباره الأستاذ والملهم، وهو ما يمكن أن نستشفه من ما كتبه صبرى بنفسه، واعترافه بأن تلك الصداقة.. "بدأت عندما زرته فى دار الكتب بباب الخلق حين كان مديرا لها، فأخذ بيدى فى حنو الأب يتجول بى فى أنحاء الدار يُطلعنى على كنوزها بفرح الطفل، ويحثنى حثا لتكرار الزيارة والاطلاع على نفائسها من كتب التراث، ويفتح لى مغاليق دار المحفوظات لأطلع على تراث الصحافة المصرية منذ نشأتها، ولم أكن بعد سوى أديب مبتدئ يعمل بالصحافة الحديثة".

ولا يخفى صبرى موسى إعجابه الكبير بيحيى حقى، فيصفه بأنه "أبو الذوق.. وعطر الأحباب"، ويتواضع أمامه معلنا بكل فخر:

"لعله من حسن الحظ أصلا أن أنشأ كأديب فى زمن معاصر ليحيى حقى، حيث كان عطره يفوح فى أرجاء حياتنا الثقافية والعامة، فيبهج النفوس ويُعطرها بقيم القناعة والصدق مع النفس والدقة والتدقيق فى العمل والإحساس بالآخرين، والذوبان حبا، أو ذوقا، أو تذوقا لكل ما هو بسيط وأصيل وفيه منفعة للناس. يحيى حقى هو نفسه عطر الأحباب، الذى جعله عنوانا لواحد من كتبه المميزة، يسرى بيننا كالنسيم، نحن الأجيال التى تتابعت بعده فى جوقة الكتابة، يمدنا وجوده بالطمأنينة إلى أن العملة الجيدة تستطيع أيضا أن تطرد العملة الرديئة من السوق".

"وأنظر إليه وهو يكتب، نحات فى يده أزميل رقيق ينحت به أدق التفاصيل فى رهافة، كنغم مُحكم كل كلمة فى مكانها دون زيادة أو نقصان..كفنان الأرابيسك أو لاصق الفسيفساء.. بهرنا بأسلوبه ونحن شباب غض نحبو فى عالم الأدب مع بداية الخمسينات.. ذوق غربى منمق ومضمخ بعطر شرقى وشعبى لاذع ".

من النادر أن تضبط صبرى موسى يتكلم بهذا الحماس الفياض، بلا حسابات ولا مواءمات، فقد كان يتميز بكلامه المنضبط وانفعاله العاقل ورأيه المحسوب بميزان الذهب، لكنه فى حالة يحيى حقى بالذات لا يأبه للحسابات، ويصدح بالمحبة، ويتكلم بأريحية، بل الأدق أن تقول إنه لا يتكلم بل يرتل قصيدة من الحب والإعجاب.

ولا بد أن نسارع فنقول إن المحبة والإعجاب كانا متبادلين بين الرجلين، فبعيون الجواهرجى الخبير اشتم يحيى حقى رائحة الموهبة الفواحة فى ذلك الأديب الشاب، بل رأى فيه صدر شبابه وبواكير مشواره، فهو مثله مضروب بحب الكتابة، وهو مثله ابن الطبقة المتوسطة، الحاضرة بأبطالها وتفاصيلها فى قصصه، وهو مثله يكتب بأسلوب سهل ممتع بلا زخارف لفظية ولا محسنات بديعية، وهو مثله يهوى تأمل الناس والتقاط تلك المشاهد الخفية العامرة بالمعانى الإنسانية، وهو مثله واقعا فى هوى "السيدة زينب"، الحى الشعبى العريق والعابق بروح مصر وسحرها، ولذلك لم يكن غريبا أن تمتد حبال الصداقة المتينة وجسور المحبة العميقة من أول لقاء.

وترجم صبرى محبته عمليا ولم يكتف بها شفاهيا، وكانت النتيجة واحدا من أجمل أفلام السينما المصرية.

       (2)

فى العام 1956 أصدر يحيى حقى قصته "دماء وطين" عن سلسلة "اقرأ"، ولفتت القصة الأنظار شكلا ومضمونا، وكانت أحداثها التى تدور فى صعيد مصر فى بدايات القرن العشرين تتناول قصة حب انتهت بفاجعة، والراجح أن يحيى حقى استوحاها من خلال معايشته ومعاشرته لمجتمع الصعيد الجوانى وتقاليده القاسية أثناء فترة عمله كمعاون للنيابة فى منفلوط عام 1927.

ما أثارته القصة من جدل وما حققته من شهرة أغرت كثيرين من السينمائيين بتحويلها إلى فيلم، لكن محاولاتهم باءت بالفشل، وحاول هؤلاء الفاشلون تحميله إلى يحيى حقى وتعليق الفأس فى رأسه ورأس  قصصه، فأشاعوا أنها لا تصلح للسينما!

وهنا قرر صبرى موسى أن يثبت لهم – عمليا – أن العيب فيهم وليس فى قصص حبيبه وأستاذه يحيى حقى!

وكفانا صبرى عناء البحث والتخمين، فكتب عن تجربته فى تحويل "دماء وطين" إلى فيلم عظيم اسمه "البوسطجى"، ولذلك فإننا أمام شهادة مهمة للرجل الذى قام بتلك المهمة:

"عندما ظهرت رواية يحيى حقى الصغيرة "دماء وطين" فى سلسلة اقرأ فى منتصف الخمسينات لم تكن لى علاقة بالسينما سوى مشاهدة الأفلام السينمائية، وبالذات ما يصنعه الغرب منها.. وكان الفيلم الأمريكى "دماء ورمال" المأخوذ عن قصة الحب الشهيرة التى تقع حوادثها فى حلبة مصارعة الثيران فى إسبانيا يملأ شاشات العرض ويثير جدلا كبيرا بين هواة الأفلام، فأعجبتنى السخرية التى خبأها يحيى حقى فى اختياره لعنوان روايته الصغيرة "دماء وطين"..لا عجب فهى قصة حب تدور حوادثها فى الصعيد بمصر فى الثلاثينات، حين كان الصعيد منفى يعاقب الموظفين غير المرضى عنهم بالنقل إليه".

وتتواصل الشهادة ويصل صبرى إلى السبب الذى جعله يخوض مغامرة تحويل القصة إلى فيلم من أجل رد الاعتبار ليحيى حقى:

"هذه القصة الدموية أثارت ضجة كبيرة فى الأوساط الأدبية والفنية حين نشرت.. ولفتت أنظار السينمائيين. كانت الواقعية الإيطالية فى السينما العالمية متألقة وقتها، وكانت الموجة الجديدة الفرنسية جنينا لم تتحدد ملامحه بعد.. وقد كتب الفنان رائعته بأسلوب أدبى متقدم يعتمد على الاستخدامات الحديثة للفلاش باك.. ويعتمد أيضا على المونولوج الداخلى الذى كان قمة التطور بالأساليب الروائية فى الغرب ذلك الحين.. كانت الرواية مكتوبة بأسلوب حديث متقدم جعلها كثيرة الاختلاف عما تعودناه فى الرواية العربية، وجعلها أيضا شديدة الاقتراب من الأساليب السينمائية الحديثة التى بدأت تظهر فى منتصف الخمسينات، مما جعلها حديث السينمائيين المصريين، وتعددت الأخبار فى المجلات والصحف عن استعداد المخرج "زيد" أو المنتج "عبيد" لتقديمها فى السينما المصرية، وكثرت المحاولات بالفعل لإعادة صياغتها سينمائيا، ولكن لم يُقدر لأى من هذه المحاولات أن توضع فى مجال التنفيذ الفعلى.. ثم بعد بضع سنوات بدأت تنتشر مقولة لعدد من السينمائيين المحترفين فى ذلك الحين مؤكدة بأن هذه القصة "دماء وطين" هى نموذج لنوع من الأدب لا يصلح للإعداد السينمائى.. بل إن هذه المقولة قد شملت كل ما ينتجه الفنان يحيى حقى من قصص بشكل عام، فقاطعتها السينما المصرية رغم تكالبها على القصص الأدبية فى تلك الأيام، ولم تنتبه تلك السينما ليحيى حقى وقصصه إلا بعد ظهور فيلم "البوسطجى" ونجاحه.

"وقد شعرت أيامها كأديب له اهتمام بالسينما أن فى هذه المقولة ظلم فادح لأدب يحيى حقى، وضيق أفق من السينما التى كانت شائعة فى ذلك الحين".

فكيف حلّ صبرى موسى شفرة القصة، وكيف وصل وحده إلى عمقها ومغزاها، وكيف أباحت له بأسرارها؟

ربما كان التقارب الروحى، وربما كانت الصداقة الإنسانية، وربما كانت تلك المحبة الغامرة التى يحملها لهذا الأديب العظيم، وربما كل تلك العوامل جميعا – وفوقها موهبة صبرى الاستثنائية ككاتب للسيناريو– أسهمت فى توصيله إلى معالجة سينمائية فريدة وجديدة للقصة، منحها صبرى من روحه، وأضاف إليها خيوطا وشخوصا ومعانى وأعماقا جديدة، منحتها هذا الوهج والسحر.

لنسمع إليه وهو يكشف السر:

"حين قررت التصدى لتحويل هذا العمل الأدبى إلى معادله السينمائى لاحظت أن الشكل المتقدم الذى كُتبت به القصة واقتربت بها من السينما الجديدة فى ذلك الحين وخلق حولها كل هذا الإغراء عند السينمائيين المصريين، سوف يكون إطارا متنافرا مع تلك الدراما الدموية التى تقع حوادثها فى مجتمع متخلف فى الثلاثينات من هذا القرن (العشرين)، إذا تم تحويلها إلى صور متحركة بنفس الأسلوب..وكانت تلك الملاحظة أو هذا الإدراك أشبه بالمأزق، فقد كانت الموضة أيامها عند تحويل الأعمال الأدبية للسينما هو البحث عن أشكال حديثة بديلة لأشكالها الروائية التقليدية، ورغم ذلك فقد اتخذت القرار أيامها بشجاعة أحسد عليها، وبدأت فى انتزاع "دماء وطين" من الإطار الحديث المتقدم الذى وضعها فيه الفنان يحيى حقى، ثم أعدت صياغتها سينمائيا بأسلوب تقليدى يناسب المكان المتخلف والزمان المتخلف الذى تدور فيه أحداث القصة، مع إضافة بعض الطعم الملحمى كتعويض عما تركناه من حداثة السرد القصصى".

(3)

بعد أن فك صبرى موسى شفرة القصة الأدبية، واجتاز العقبة الكبرى فى تحويلها إلى قصة سينمائية، كان عليه أن يجتاز عقبة جديدة لا تقل صعوبة.. وهى الحوار فالأحداث تدور فى أعماق الصعيد، فى بيئة خاصة وزمن مختلف، لذلك كان عليه أن يكتب الحوار على لسان الشخصيات بنفس مفردات زمنها وبيئتها، فكيف يصل صبرى إلى هذا الحوار الصعيدى القح وهو الذى لا يعرف الصعيد ولا عاش فيه؟

وجاء الحل العبقرى الذى كلف صبرى موسى فاتورة باهظة من المصاريف، بالإضافة إلى شهر من عمره، ولكن النتيجة فى النهاية كانت مذهلة!

ربما كان صبرى موسى هو أول من استعان بمدقق لهجة صعيدية، الفكرة التى لم تعرفها الدراما التليفزيونية إلا مؤخرا، باللجوء إلى واحد من العارفين باللهجة الصعيدية، ألفاظا ولكنة وأداء، ولكن صبرى فعلها فى منتصف الستينات.

وفى أوراقه يشير إلى تلك الواقعة ويذكرها باقتضاب فيقول:

"وحينما جاء دور الحوار السينمائى الذى اضطلعت به كاملا، كان نصب عينى مهازل الحوار اللقيط الذى ينطق به الفلاحون فى الأفلام المصرية ذلك الحين، فقررت أن يكون الحوار باللهجة واللكنة الصعيدية القح، التى كانت تستغلق عليّ أحيانا، وأنا بحراوى النشأة والمولد..فقمت باختطاف أحد أصدقائى الصعايدة واحتجزته فى كابينة على شاطئ رأس البر فى شهر ديسمبر، شهر العواصف والنوات هناك، حتى تمكنت من استخلاص مفاتيح اللهجة الصعيدية من فمه الذى لم يكف عن الشكوى والتوسل بأن أعيده إلى مصر (القاهرة)، وأنقذه من هذا البرد الشديد والسمك المشوى الذى أطعمه إياه كل يوم !".

لكنك يمكن أن تسمع تفاصيل أخرى حكاها صبرى فيما بعد لشريكة حياته زميلتنا الكاتبة الصحفية أنس الوجود وأنقلها عنها:

"كان لصبرى شقة فى رأس البر، يذهب إليها كلما أراد أن يختلى بنفسه ليكتب عملا إبداعيا، ولما كان يجهز لسيناريو "البوسطجى" وتشغله مسألة اللهجة الصعيدية، قرر أن يستعين بصديق له اسمه "محسن"، صعيدى لم يتخل عن لهجته رغم أنه يعيش فى القاهرة، أغراه صبرى بأسبوع أجازة فى رأس البر، وملأ له صبرى الثلاجة بأطايب الطعام، وكان يعزمه كل يوم على الغداء فى مطعم مختلف، وكل مهمته أن يتحدث مع صبرى بلهجته الصعيدية، ويسأله: الكلمة دى بالصعيدى تنطقوها إزاى، طيب لو اتنرفزت وتعصبت فى الموقف ده تقول إيه، وهكذا طول الوقت، وطال الأسبوع إلى شهر، وصبرى يستمع إلى محسن ويراجعه فى اللهجة الصعيدية، فكأن صبرى عاش فى الصعيد لمدة شهر، ولذلك ومن شدة إتقان صبرى للحوار فى "البوسطجى" كان هناك من يعتقد أنه مولود فى الصعيد أو على الأقل عاش فيه فترة من عمره".

ومن خلال تلك المناقشات اليومية مع صديقه الصعيدى قرر صبرى أن يغيّر نهاية الفيلم، فلما سأل محسن عن مصير فتاة فى قرية صعيدية أحبت شابا وأقامت معه علاقة وحملت منه، فكان رده القاطع: القتل.. جريمة الشرف بالنسبة للصعيدى لا يمحوها إلا الدم، الصعيدى لا يقبل العار أبدا مهما كانت الظروف والأسباب، ولذلك – وبناء على معرفة بالعادات والتقاليد – قرر صبرى أن يكون مصير "جميلة" هو القتل، يذبحها أبوها بيده فى مشهد تراجيدى صادم، وهى النهاية التى لم يقبلها يحيى حقى لأسباب رومانسية.. فماذا قال صاحب "دماء وطين" عن النهاية الصادمة التى اختارها صبرى موسى لبطلة "البوسطجى"؟!

Katen Doe

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهى يحيى حقى تتحدث عن صاحب القنديل ورائد القصة القصيرة العربية

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص