قصة مصورة - الطول و«النـول» والحرية!

للوهلة الأولى، سيُخيَّل إليك أنها عازفة، ستبدو الخيوط المشدودة أمامها أوتارًا صلبة، والإطار الخشبى هو حواف الآلة الموسيقية، التى قد يهيأ لك أنها آلة "الهارب" الفرعونية..

 وربما يُضاعف من يقينك أن المرأة المقرفصة تبدو، بدورها، وهى تُدير أناملها بين الأوتار، واحدة من عازفات المعابد القديمة.. حفيدة لأولئك النساء اللائي لم يشخن على الجدران منذ آلاف السنين.

 اطمئن.. أنت لم تبتعد كثيرًا عن الحقيقة! فهذه المرأة الريفية البسيطة، عازفةٌ بالفعل، لكن من نوعٍ آخر.. فمادتها هى "النول"، وأداتها هى أناملها الحساسة، التي تظل تعمل دون كلل، إلى أن تتحول الخيوط البيضاء إلى لوحةٍ ملونة مكتملة العناصر، تبدو عند اكتمالها، لمن حضر العملية من أولها لآخرها، معجزة حقيقية، صنعتها امرأة مكافحة فى ريف مصر، لا تضع توقيعها على لوحتها كالفنانين المشاهير، ولا تبيعها بآلاف الجنيهات،  ولا يعرف المشترى اسمها، فهى لا ترغب سوى فى إمتاع نفسها والحصول على ما يسد رمقها.. فضلًا عن أن يدها هذه، التى تُخرج هذه التحفة، لا تجيد الكتابة!

النسيج بالنول حرفة يدوية قديمة، ومن المدهش، أن المرأة حجزت لنفسها دائمًا مكانًا فيها بين الرجال.. ربما لأنها تحتاج قدرًا كبيرًا من الرهافة.. وربما لأنها مهنة آمنة، لا تحتاج الخروج إلى الشوارع، ففى مكانٍ صغير مغلق، يمكنك أن تفعل كل شىء.

انظر للَّوحة التى تتشكل.. إنه مشهد صيد مبهج، مطرز بألوانٍ براقة، "الباليتة" فيها هى بكرات الخيوط الملونة الموزعة على أنحاء النول.. اللوحة مرسومة بروحٍ طفولية، وبمقاييس فطرية، لكن سليمة ومدروسة ومحترفة.. تبدو أسطورية كأنها نابعة من حواديت الجدات ومن حكايات ألف ليلة.. الصياد يتدثر بشبكته.. والأسماك تحت قدميه تتزاحم فى مرح.. ومن خلفه الفلاحات يعملن فى الحقل.. مشهد يجمع الماء بالخضرة، ويُكمله الوجه الحسن للفنانة التى كبرت في السن لكن لا تزال يدها صبية.. والتى تضحك عندما تسألها عن عملها قائلة: بسبب الشغلانة دى بقيت ألبس نضّارة! إنها لا تزال تتعامل مع النظارة كشىء غريب، مُقحم على فطرتها، لم تتخيل أبدا أن تلجأ له، وعندما تقول لها مداعبا: معلش اعتبريها نضارة قراية.. تتسع ضحكتها وهى تقول مقهقهة:

 لا دى نضارة رسم!

 	طارق إمام

طارق إمام

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

قصة مصورة الأسبتة أكثر من الرؤوس
للباترينة عجلتان خلفيتان فقط، أما الباقي، فعلى صاحبيها
ثقافة

قصة مصورة - بلد البنات

بيييييب
ثقافة

قصة مصورة - تعسيلة

لا مكان يصلح للنوم تحت شمس يونيو القاسية .. لا ظل شجرة يتكوم في فيئه،
تغتت
المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف ا
قصة مصورة كده وكده
صورة مصورة الضحك من غير «سبت»

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - الأسبتة أكثر من الرؤوس

على «سَبَت» المحبوب ودِّينى

أغرب حفل شهدته المقاهى الثقافية فى الثلاثينيات

كامل بك الشناوى يكرم نقيب أطباء الأسنان الراسبين

د. طارق منصور: أكتب لإصلاح المجتمع

البحث العلمى مازال يعانى ويحتاج حلولًا عاجلة وزيادة المخصصات المالية «المؤرخين العرب» هدفه الحفاظ على الهوية التاريخية للأمة العربية بعض...

شخصيات لها تاريخ «109» أدولف هتلر.. العنصرى المجرم قاتِلُ الملايين

والده كان مولودًا غير شرعى وكان يضربه بالكرباج فى طفولته فكره والده وكتب عن كراهيته له فى مذكراته ترك المدرسة...


مقالات

أمم تقرأ تاريخها .. وأمم تكتبه
  • الخميس، 23 يوليو 2026 09:48 ص
حكاية بيت المساجيري وفيلم "ابن حميدو"
  • الأربعاء، 22 يوليو 2026 10:00 ص
هل تتذوق الرئة سمومها ؟
  • الثلاثاء، 21 يوليو 2026 01:00 م
هل الذكاء الاصطناعي يتجسس علينا؟
  • الإثنين، 20 يوليو 2026 01:00 م