محمد خير، روائى وشاعر وكاتب قصة وصحفى، مواليد القاهرة 1978، حصل على عدد من الجوائز الأدبية وترجمت العديد من نصوصه إلى لغات أجنبية، من إنتاجه الروائى: رواية «سماء أقرب» 2013، رواية «إفلات الأًصابع» 2018، «رمش العين» مجموعة قصصية 2014، «عفاريت الراديو» - مجموعة قصصية 2008، «هدايا الوحدة» ديوان 2010، «العادات السيئة للماضى» ديوان 2015، «ليل خـــــــارجى» أشعار بالعامية المصرية 2002، «بارانــــويا» أشعار بالعامية المصرية 2008،
كما كتب عشرات الأغنيات لفنانين عرب ومصريين، منهم.. دنيا مسعود وزياد سحاب وفيروز كرواية، وياسمينا فايد، ولارا عليان، وحصلت أعمـــــــاله على العديد من الجوائز.. عن مسيرته وأعماله المتنوعة كان لنا معه هذا الحوار..
قصصك ليست لها نهاية محددة وهذا مقصود بالطبع.. وغالبا ما تتبع المخاوف الإنسانية أو المشاعر البسيطة العادية.. لماذا؟
لا أعتقد أن القصة القصيرة معنية بوضع نهاية محددة للحكاية، فكل نهاية هى - على كل حال - بداية قصة أخرى، وإنما تعتنى القصة باللحظة التى تشاء أن تلقى الضوء عليها، وأن تجلو عنها تراب العادية لتدخلها فى طور الفن. أنا إنسان عادى لم أخض ملاحم كبرى، مخاوفى أو هواجسى هى مخاوف هذا الإنسان العادى الذى تشغله التفاصيل اليومية التى بتراكمها تصنع حياته، لست مشغولا بالبحث فى الفن عن مشاعر "غير عادية" أو "غير بسيطة" ولا أعتقد أن شيئا كهذا موجود على أية حال، نحن نعايش جميعا المشاعر نفسها، وما يميزها هو تفاعلها مع اللحظة التى تستحق أن نروى عنها القصة.
أنت شاعر أيضا.. هل الكتابة القصصية سبقت الشعر أم العكس؟
الشعر سبق لدى الكتابة القصصية، بل إننى فى طور الطفولة أردت أن أصبح رساما أيضا، لكن يبدو أن ذلك كان يحتاج إلى جهد لم أكن مستعدا لبذله. كتبت القصة فيما بعد بشكل هاوٍ، وتأخرت أكثر فى كتابتها بشكل "احترافى"، إذا جاز التعبير، أصدرت مجموعتى القصصية الأولى «عفاريت الراديو» بعد أن كنت أصدرت بالفعل ديوانين شعريين، وربما لولا تشجيع أصدقاء وإخوة أعزاء لما تشجعت على خوض مجال القصة.
من أهم الشعراء الذين كان لهم تأثير على تكوينك؟
لا حصر للشعراء الذين أثروا فيّ فكريا، منذ كنت صغيرا حين كانت أمى تحضر لى دواوين أحمد شوقى للأطفال، ثم حفظت كثيرا من أشعار بيرم التونسى. ثم اتسع المدى بتجارب مئات الشعراء، عبر مراحل متعددة، فمرحلة نجيب سرور وأمل دنقل فى سنى المراهقة، ثم العودة إلى الشعر العربى العباسى فى سن الشباب، والهوس بالمتنبى، وبين هذا وذاك التعرف على القصيدة الحديثة بأطوارها المختلفة، من التفعيلة إلى الشعر الحر إلى قصيدة النثر العامية (مثل أشعار مجدى الجابرى وصادق شرشر) والفصيحة (عماد أبو صالح وإيمان مرسال وأحمد يمانى وياسر عبد اللطيف).
كيف يطور الشاعر لغته وأفكاره؟
تتطور لغة الشاعر وأفكاره بتطور تجربته الإنسانية، واتساع رؤيته للعالم، وتلك لا طريق إليها سوى الثقافة والمعرفة عبر القراءة فى مختلف الفنون والعلوم أيضا. القصيدة هى تقطير لذات الشاعر، وتكون غنية بقدر ما يكون هو نفسه روحا ثرية.
ما تأثير نجيب محفوظ عليك؟
نجيب محفوظ بالطبع السارد الأكبر فى الأدب العربى، وقد أثر على بطريقتين، الأولى التأثير المباشر بقراءة رواياته ومجموعاته القصصية، والطريقة الأخرى هى التأثير غير المباشر؛ تأثير الأشخاص الذين تأثروا به، أى الكتاب من أجيال لاحقة، وحتى أعمال السينما والتليفزيون التى اقتبست أعماله، وفى ذلك يستوى الكاتب الأديب وغير الأديب، فحتى المواطن الذى لم يقرأ حرفا قد يتأثر بشخصيات سى السيد وأمينة على سبيل المثال، رغم أنها ليست سوى شخصيات أدبية خلقها خيال مؤلف، قد يتمثلها الإنسان العادى ويتأثر بها ويعيد خلق تأثيرها بل ويتبع بعض تصرفاتها التى لم تحدث إلا على صفحات الرواية.
من أهم الأدباء الذين ساهموا فى تشكيل وعيك؟
بالطبع الأدباء الذين "أثروا" فى تشكيل وعيى هم أيضا كثر، لكنهم بطبيعة الحال أقل عددا من الذين استمتعت بأعمالهم بغض النظر عن مسألة التأثير فى الوعى، بهذا فإن جابرييل ماركيز مثلا كان أشد متعة لكن فارجاس يوسا أثر فى وعيى أكثر، وكذا كافكا وكونديرا، وصنع الله إبراهيم وعزيز نيسين، كل هؤلاء أثروا فى وعيى بنسب متفاوتة، بعضهم، أو لنقل بعض أعمالهم استطاعت حتى أن تغير وجهة نظرى بالكلية تجاه قضايا معينة.
بصمة الكاتب هى لغته الخاصة.. هل كل عمل يكتب لغته؟
مسألة أن "كل عمل يكتب لغته" فهذا يعتمد على المقصود باللغة، إذا كان مقصود القالب السردى أو أسلوب الحكى فيمكن القول إن هذا صحيح، يختار العمل إيقاعه وطرائق حكيه ويتأثر كل ذلك بالطبع بتطور تجربة الكاتب عبر الزمن، أما لو ذهبنا إلى المعنى الأدق للغة الأدبية بوصفها بصمة الكاتب وأسلوبه الأدبى فلا ينبغى أن يتغير ذلك الأسلوب إلى هذه الدرجة بين عمل وآخر.
لكن تلك على كل حال ليست قرارات واعية، أو لا يفترض بها أن تكون كذلك وإلا وقع المؤلف فى فخ التكلف. تتطور لغة الكاتب مع تطوره الإنسانى والفنى، واللغة أهم ما يجعل الأديب أديبا، وإلا ينبغى له أن يبحث عن مهنة أو هواية أخرى، ومن ثم فإنه حتى تعبير "علاقته باللغة" يوحى بأنهما كيانان منفصلان وهذا لا يجوز، كأننا نفصل بين المغنى وصوته.. إن لغة الأديب هى الأديب نفسه، وكذلك فإن أم كلثوم هى صوتها، ويأتى بعد ذلك كل شىء آخر.
هل لك طقوس خاصة خلال كتابة أعمالك لكى تظهر بهذه الروح؟
كلمة "طقوس" لها وقع أكثر صخبا من الحالة التى أمارس عبرها الكتابة. عادة لا أحتاج سوى إلى بعض الهدوء وهو ما أجده غالبا فى الليل لطبيعة المدينة الصاخبة. فى الماضى كنت أحتفظ بعلبتى سجائر إلى جوارى لكنى أقلعت عند التدخين لحسن الحظ منذ سنوات. هو الهدوء إذن وبعض المشروبات من حين لآخر. ولا أحب أن يشتت ذلك الهدوء أى شىء كالموسيقى الكلاسيكية أو أى شىء من هذا القبيل. أحب أن أسمع صوت الكلمات فى رأسى وأنا أكتبها.
هل الصحافة تأكل من لغة الكاتب فعلا أم تمنحه قدرة على النفاذ للقارئ؟
للصحافة مخاطرها على الكاتب، وفوائدها أيضا، وهى رغم ما يشاع من مخاطرها على الأدب فإننى أجد أنها أقرب المهن – بداهة – لعمل الأديب، ذلك أننا ننسى أحيانا أن الصحافة بالأساس هى مهنة كتابة. يمكن للغة الصحفية -العملية البسيطة - أن تؤثر سلبا على لغة الكاتب، إذا لم يواصل باستمرار توسيع معارفه القرائية، والمواظبة على كتابة الأدب كتدريب يومى أو شبه يومى، نعم يمكن أن "ينزلق" الأديب إلى لغة الصحافة التى لا تناسب الأدب، لأن الأدب ليس وظيفتها، ومن ثم فإن عليه ألا ينسى فى أى وقت أنه أديب يعمل بالصحافة وليس العكس..
لكن للصحافة مميزاتها أيضا، ومنها التدريب على الكتابة اليومية، الأمر الذى يمنع من الوقوع فى الرهبة التى تصيب الكاتب إذا ابتعد لأيام أو أسابيع أو حتى أكثر من ذلك عن الورقة البيضاء. كذلك فإنها تضع الكاتب تحت ضغط الكتابة فى مساحة معينة أو لتلبية أخبار معينة وكل هذا من تدريبات الكتابة الضرورية، والأهم أنها تضع الكاتب فى تجارب إنسانية لم يكن ليخوضها أو ليعرف بها لولا مهنة الصحافة التى تفتح له الكواليس وتعرفه على خلفيات الأحداث، وعلى ما يختبئ خلف ركام الحياة اليومية، وهذا من أبرز مهام الأدب.
تجربة كتابتك للأغانى.. كيف تقيمها؟ وهل الأغنية تمنح الشاعر مزيدا من الحضور؟
مسألة الحضور لا ينبغى أن تشغل الأديب أو الكاتب أكثر من اللازم، لأنه لن يعرف فى جميع الأحوال إلى متى سوف يظل حاضرا، وهل سيصمد فى اختبار الزمن، وهو الحضور والاختبار الحقيقى.
أحب تجربتى فى القصيدة الغنائية وهى من أولى تجاربى، وبعض أغنياتى - مثل "قلبى لما حكى" التى غناها الفنان اللبنانى زياد سحاب - كتبتها وأنا تلميذ فى المدرسة الثانوية.. أحب تجربتى مع زياد سحاب الذى أعدّه توأمى الفنى، وبالطبع فإنى كتبت لفنانين عديدين أحبهم، مثل: دنيا مسعود، وفيروز كرواية، وياسمينا فايد، ورلى عازر، وشيرين عبده، ونغم مصرى. وغيرهم وغيرهن، فضلا عن أغنيات المسرح.
تسمح لى كتابة الأغنية أن أقترب من منطقة فطرية داخل نفسى، أن أعود إلى عالم البساطة والتلقائية، ومشاعر الدهشة الأولى التى فقدناها فى مسارات الحياة المعقدة.
هل روح الكاتب تتسرب لتخلق تلك السخرية فى الكتابة أم أنها موقف من الواقع؟
لست أفضل من يتكلم عن السخرية، التى أحبها وأحب أن أمارسها وأقرأها وأستمع إليها، لكنى لست أحد محترفيها، وهى قد تمر فى نصوصى أحيانا حين يتطلب الأمر ذلك، ولكنى أفعل ذلك بحذر لأنها أرض خادعة مليئة بالألغام.
كتب حسن عبد الموجود مقالا عنك بعنوان "المطارد" عبر أنك تسير فى الشارع بنصف عين لكى تعايش الشخصية.. كيف تلتقط مشاعر أبطالك؟
أعتقد أن حسن كان يقصد ما عبرت عنه مسبقا فى حوار سابق معه بخصوص إحدى شخصيات روايتى الأولى «سماء أقرب»، فقد كانت الشخصية لمصوّر يفقد إحدى عينيه فى ظروف عبثية غير متوقعة، ذكرت فى الحوار أننى أثناء كتابة النص كنت أمشى فى الشارع، وقد أغمضت إحدى عينيّ كى أدرك ما تعيشه شخصية المصور، كيف ترى العالم، بالمعنيين الحرفى والمجازى، لقد ساعدنى هذا كثيرا فى كتابة الشخصية، وعرفنى على تفاصيل لم أكن لأتخيلها أو أتوقعها من غير المعايشة، ومنها مثلا مسألة فقدان التوازن أحيانا أثناء المشى، ومنها أيضا آلام الرقبة بسبب كثرة تحريكها لمحاولة تغطية مجال البصر بالعين الأخرى السليمة لشخصية الرواية.
القصة فن صعب فكيف ترى صعوبته مقارنة بالرواية؟ ومن أهم الذين أثروا فى تجربتك القصصية؟
بالفعل يقال إن فن القصة القصيرة أصعب من الرواية، وقد كتبت النوعين ويمكننى أن أؤكد أن الرواية أصعب كثيرا، وتتطلب جهدا ذهنيا وحتى بدنيا مطولا، ولكن أعتقد أن صعوبة القصة القصيرة تتأتى من كونها أقرب إلى كتابة الشعر، إنها "فضاحة"، بمعنى أنك إما تملكها أو لا تملكها، خصوصا إذا كنا نتكلم عن القصة التى قد لا تزيد عن صفحتين أو ثلاثة، إذا لم تمتلك موهبة كتابة القصة فإنك قد تفقد القارئ مهما كان النص قصيرا، ربما تفقده بالملل بعد فقرتين أو ثلاث. يأتى وصف الصعوبة إذن من هذه الزاوية، فكما يمكن أن تقرأ ديوانا ضخما يعج بالقصائد لكنه يخلو من الشعر، فكذلك يمكن أن تقرأ مجموعة قصصية خالية من فن القصة!
كتاب القصة الكبار معروفون، ولكن من العجائب مثلا أن نجيب محفوظ "كاتب القصة القصيرة" لم يحصل على التقدير الذى يستحقه، والذى ذهب برمته إلى نجيب محفوظ الروائى، رغم أن حيثيات جائزة نوبل نوهت برواياته ومجموعاته القصصية على حد سواء. وبخلاف محفوظ فقد تأثرت - كالجميع- بيوسف إدريس، وكذلك إبراهيم عبد المجيد، وبقصص ماركيز القصيرة، وهى ليست قصيرة جدا، وبقصص ميلان كونديرا وكافكا، وهذه الأسماء بالطبع جزء من قائمة طويلة حاولت اختصارها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد