سيرة أسماء بنت أبى بكر، هى سيرة الجهاد المخلص لله ورسوله، فهى ابنة صاحب رسول الله، وهى التى واجهت اثنين من الطغاة،
واجهت "عمرو بن هشام"، فى اليوم التالى لهجرة والدها مع النبى من مكة إلى المدينة، ولطمها ـ أبوجهل الكافرـ لطمة على خدها، جعلت قرطها يسقط على الأرض، وواجهت "الحجاج بن يوسف الثقفى"، الذى أهانها بجارح القول ولم يراع فيها حرمة، وعاشت لحظة قاسية على قلبها وهى الأم العجوز، يوم قتل ولدها "عبدالله بن الزبير"، فهى التى غسلته وكفنته ودفنته، ومن قسوة المشهد، ماتت بعده بليال قليلة..
لما كنا فى المدرسة الابتدائية، نجحت المعلمة فى غرس صورة "أسماء بنت أبى بكر" فى عقولنا الصغيرة، فتصورتها فتاة سمراء تحمل ماعونا من الخوص، فيه الخبز واللبن وغير ذلك من الأطعمة، تمشى فى الليل، وتخاطر من أجل الوصول إلى النبى الأعظم ومعه صاحبه والدها "أبوبكر الصديق"، وفى مرة من مرات سيرها، اكتشفت أن الطعام يحتاج رباطا، ولم يكن معها سوى "النطاق" أو الحزام الذى تلفه حول جسدها، دلالة على أنها "آنسة" واختارت أن تربط وعاء الطعام الخاص بالنبى الأعظم، وعرضت نفسها للخطر، فالفتاة البدوية ذات النطاق، محمية به، والمرأة التى تسير وحدها بغير نطاق معرضة لفضول وفحش الساقطين من الرجال، ولكنها اختارت أن تربط طعام النبى تقربا لله وجهادا فى سبيل دعوته، وغامرت بسمعتها وحياتها وهى تؤمن بأن الله سوف يعوضها خيرا، وقال النبى صلى الله عليه وسلم لها لما رآها هكذا، ما معناه إن الله سوف يهبها نطاقين فى الجنة بدلا عن نطاقها الذى شقته، وهى ابنة الصديق "أبوبكر" الذى صدق رسول الله وتصدق فى سبيل الله، وشقيقة "عائشة" زوج رسول الله.
هى صحابية من السابقين فى الإسلام، وهى ابنة "أبو بكر الصديق" وزوجة "الزبير بن العوام"، ابن عمة رسول الله "صفية بنت عبدالمطلب"، وكانت تكبر أختها "أم المؤمنين عائشة" بعشرة أعوام، وهى أول امرأة تضع مولودا فى المدينة المنورة، بعد أن ظن المهاجرون أن اليهود سحروهم فقطعوا بالسحر نسلهم، ففرح المهاجرون بمولد ولدها "عبدالله بن الزبير"، وهو نفسه الذى بويع بالخلافة فيما بعد واتخذ من "مكة المكرمة" عاصمة لخلافته، وكانت هجرتها وهى حامل به، وولدت خمسة أولاد هم: عبدالله وعروة والمنذر وعاصم والمهاجر، وثلاث بنات هن: خديجة الكبرى وأم الحسن وعائشة.
نسبها الطاهر
هى أسماء بنت أبى بكر الصديق بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك، وأمها "قتيلة بنت عبدالعزى بن أسعد بن جابر بن مالك بن عامر بن لؤى، ولها ثلاثة إخوة وأختان، وشقيقها الوحيد هو عبدالله بن أبى بكر، وأخوها لأبيها "عبدالرحمن بن أبى بكر" هو أكبر أولاد أبى بكر الصديق وأمه "أم رومان" وتأخر إسلامه حتى "صلح الحديبية" وهاجر قبل فتح مكة، وشهد موقعتى "اليمامة" و"اليرموك"، وتوفى فى سنة "58 هجرية"، وأخوها "محمد بن أبى بكر" أمه "أسماء بنت عميس" وكان من أصحاب الإمام "على بن أبى طالب" وشهد معه معركتى "الجمل" و"صفين" وولاه الإمام على مصر وقتل سنة "38 هجرية"، وأختها "عائشة" أم المؤمنين، أمها "أم رومان"، وأختها أم كلثوم بنت أبى بكر، وأمها "حبيبة بنت خارجة" ولدت بعد وفاة النبى الأعظم.
سيرتها وجهادها
ولدت "أسماء بنت أبى بكر" قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة وكان عمر والدها يوم ولادتها يزيد قليلا على العشرين سنة، وهى أكبر من "عائشة"، أختها من أبيها، وأسلمت فى مكة، وترتيبها فى المسلمين متقدم، فأسلمت بعد سبع عشرة نفسا، فاعتبرت من السابقين فى الإسلام، وهؤلاء المجاهدون لهم عند الله مكانة رفيعة، وكان لها دور فى وقائع الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، فالمعروف أن والدها ـ أبوبكر الصديق ـ هاجر مع النبى فى ليلة "27 صفر 14هجرية"، وحمل معه كل ماله، فجاء جدها "أبوقحافة" إلى البيت وكانت فيه "أسماء"، فخاطبها بقوله "إن هذا، قد فجعكم بماله ونفسه" فقالت له "كلا يا أبت، لقد ترك لنا خيرا كثيرا"، وجاءت بأحجار ووضعتها فى "كوة البيت"ـ الطاقة ـ وجعلت يد جدها "الضرير" تلمس هذا الأحجار المغطاة، وكأنها قطع من الذهب، فاستراحت نفس الجد "أبو قحافة" وهدأ قلبه وانصرف، وجاء وفد قريش وفيه "أبوجهل" وسألها:
أين أبوك يا ابنة أبى بكر؟
وأجابته: لا أدرى..
فلطمها ـ عدو الله ـ لطمة على خدها، فسقط القرط من أذنها، وكانت إذا أمست، حملت الطعام
إلى النبى الأعظم وأبى بكر والدها، وفى تلك الفترة حملت لقب "ذات النطاقين"، وكان زواجها من "الزبير بن العوام" قبل الهجرة من مكة إلى المدينة، وعن زواجها منه حفظت كتب التاريخ الإسلامى قولها عنه:
ـ تزوجنى الزبير، وما له فى الأرض من مال ولا مملوك، فكنت أعلف فرسه، وأستقى الماء، حتى أرسل لى والدى خادما يعيننى على هذه الأعمال..
ولما أذن الله للمهاجرين بالتوجه إلى "يثرب" كانت "أسماء" تحمل الجنين مكتمل النمو تقريبا، وهو الذى ولد فى المدينة المنورة "اسم أطلقه الرسول على يثرب"، وفرح به المسلمون وأسماه جده أبوبكر"عبدالله"، وأذن له فى أذنيه، بأمر النبى صلى الله عليه وسلم، وعانت ـ أسماء ـ من "الغيرة" الشديدة التى كانت ضمن خصائص شخصية زوجها "الزبير بن العوام"، وشكت لوالدها قسوته، فصبرها بقول معناه إن الصبر يضمن لها الجنة، وصبرت، وفى موقعة "اليرموك" كانت حاضرة مع زوجها ضمن جيش المسلمين، وظلت معه حتى ولدت له "عروة بن الزبير"، وطلقها، وتنوعت أقوال المؤرخين، منهم من قال إن ولدها "عبدالله" هو من طلب من والده أن يطلقها، ومنهم من قال إن استغاثة "أسماء" بولدها، لما ضربها "الزبير"، هى التى دعته لتطليقها، ويقولون إنها استغاثت بولدها فحضر لنجدتها فقال له أبوه "أمك طالق لو دخلت"، فدخل عليها غير عابئ بقول أبيه، فأخذها وعاشت فى كنفه حتى قتل على أيدى الأمويين فى زمن الصراع على الخلافة.
أم الخليفة الثائر
عقب موت النبى الأعظم، اختلف المسلمون فى سقيفة بنى ساعدة بالمدينة المنورة، حول اسم الحاكم الذى يخلف النبى الأعظم، وكان على بن أبى طالب والعباس بن عبدالمطلب مشغولين بتجهيز الجثمان الطاهر للدفن، ورفض المهاجرون ولاية الأنصار عليهم، وتفرقت السبل بالمسلمين، حتى جاء اليوم الذى كانت فيه ثلاثة كيانات تتصارع على السلطة، فى دمشق ومكة والمدينة المنورة، وكان من بين المتصارعين على السلطة "عبدالله بن الزبير" ولد "أسماء"، وكانت معه فى مكة، وضاق الخناق حول عنقه، وعرف أن بنى أمية لن يتركوه ليهنأ بالسلطة، فشكا همومه لوالدته المجاهدة، بقوله: يا أماه قد خذلنى الناس، حتى والدى وأهلى، ولم يبق معى إلا اليسير، ومن ليس عنده صبر ساعة، والقوم يعطوننى ما أردت فما رأيك؟
فقالت: أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك ولا تمكن رقبتك لمن يتلعب بها من بنى أمية، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك، وإن قلت "كنت على حق فلما وهن أصحابى ضعفت" فهذا ليس فعل الأحرار، ولا أهل الدين..
فقال لها: يا أماه أخاف إن قتلنى أهل الشام أن يمثلوا بى ويصلبونى .. فقالت يابنى إن الشاة لا تتألم بالسلخ إذا ذبحت فامض على بصيرتك واستعن بالله..
فقبل "عبدالله بن الزبير" رأس أمه "أسماء"، وانصرف عازما على مواصلة القتال، فلم تمض أيام حتى هجم جيش بنى أمية على مكة، وقاتل "عبدالله بن الزبير" قتالا عنيفا، وقتل فى "17 جمادى الأولى 73 هجرية"، وكانت "أسماء" ضريرة، وتقدمت بها السن، فأرسل لها "الحجاج بن يوسف" ورفضت المثول بين يديه، فجاء إليها وعنفها بكلام جارح، وكان مما قاله لها "وهو قاتل ولدها عبدالله":
كيف رأيتنى صنعت بعدو الله؟
فقالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وقد بلغنى أنك كنت تقول عنه "ابن ذات النطاقين"، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله وطعام أبى بكر، والآخر نطاق لاتستغنى المرأة عنه، ورسول الله حدثنا عن كذاب ثقيف ومبيرها، والكذاب هو "مختار الثقفى" والمبير هو أنت..
وبلغ ذلك مسامع "عبدالملك بن مروان" فكتب رسالة لوم بعث بها إلى "الحجاج" وأمره بإنزال "عبدالله بن الزبير" من "الخشبة" فأخذت "أسماء" جثمان ولدها وجهزته وصلت عليه ودفنته وهى العجوز الضريرة التى بلغ عمرها المائة عام رضى الله عنها وعن أبيها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...
السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...
مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....
لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...