فى العام 1951 انتخب طلبة جامعة "فؤاد الأول" الطالبة "وداد مترى أنطوان" لتكون "رئيس اتحاد الطلبة"، ورغم دراستها النظرية بقسم الفلسفة بكلية الآداب،
لم تتقاعس عن المشاركة فى اللجنة النسائية التى شكلتها المناضلة "سيزا نبراوى" لدعم الفدائيين فى منطقة قناة السويس، وظلت وداد مترى مهمومة بالقضية الوطنية حتى انتقلت إلى الأمجاد السماوية فى العام 1998، عن عمر ناهز الرابعة والسبعين، قضتها كلها فى خدمة وطنها وأهلها.
لو أنك مهتم بالتاريخ الاجتماعى، يمكنك يا ـ عزيزى القارئ ـ استرجاع ما كانت عليه طبائع الحياة فى مصر، فى القرن العشرين، عقب نهضة الشعب وثورته فى 1919، سوف ترى وتعرف الفارق بين تلك الحقبة الذهبية، وحقبة "البترودولار" الرجعية التى ازدهر فيها التيار السلفى والإخوانى المعادى للمرأة والوطن والتقدم والحياة عموما، فالوطن فى تلك الحقبة كان يمثل قضية كبرى فى قلوب الناس، وكان الشباب يرى أن الواجب يفرض عليه الكفاح والموت فى سبيل تحرير الوطن من قبضة الاحتلال البريطانى، وكان المصريون قد وقعوا تحت تأثير الخوف والإحباط فى السنوات التالية لهزيمة الثورة العرابية، ولكن سرعان ما تقدم شباب "الخديوية الثانوية" بزعامة الطالب "مصطفى كامل" ليقودوا المسيرة النضالية، وتوالت المواجهات والمعارك بين الشعب والمحتل، حتى جاء العام 1911 ليشهد مؤامرة بريطانية استهدفت إشعال الحرب الأهلية الدينية بين المسيحيين والمسلمين، مستغلة حادث مقتل "بطرس غالى" رئيس الحكومة على أيدى الشاب الوطنى المسلم "إبراهيم الوردانى" واستطاع العقلاء والوطنيون من المصريين الخروج من "المأزق" وانعقد "المؤتمر المصرى" بحضور القبط والمسلمين وانقشعت السحابة السوداء، وفشلت خطة الاحتـــلال، وتقـــارب المصريون من جديد، وأعلنت الحماية البريطانية على مصر، ووجد المصريون أنفسهم فى قلب "الحرب العالمية الأولى"، وعزل الخديو "عباس حلمى" الثانى عن حكم مصر، لأنه أراد أن يحكم البلاد بعيدا عن الهيمنة البريطانية، التى جاء بها والده الخائن "الخديو محمد توفيق"، وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، عاشت مصر ثلاثة أحداث، كانت المرأة فيها البطل الذى تتمحور حوله المعارك والدراما الاجتماعية، أولها حادث زواج الشيخ على يوسف "الصعيدى الفلاح الصحفى" من "الشريفة الحسيبة النسيبة" ابنة "الشيخ السادات" فى العام 1904 وسعى "السادات" لتطليق ابنته "الشريفة" من "الفلاح الصحفى" الذى ليس من الأشراف، ويعمل فى مهنة "نقل أخبار الناس"، وهى مهنة وضيعة فى تقدير الشيخ السادات، وانقسم المصريون بين مؤيد ومعارض، والحادث الثانى إصابة "أم محمد" الفلاحة بقرية "دنشواى" بطلقة من بندقية ضابط إنجليزى كان يصطاد الحمام فى الوقت الذى كانت فيه السيدة الفلاحة، تجلس بالقرب من أجران القمح، واشتعلت النار فى القمح، وخرج الفلاحون وطاردوا الضابط الإنجليزى والقوة المصاحبة له، وانتهى الموقف بنصب "المشنقة" فى "دنشواى" وإعدام أربعة فلاحين وجلد اثنى عشر آخرين، وكانت على الجانب الآخر من البحر المتوسط امرأة فرنسية تسمى "مدام جولييت آدم" تناصر القضية المصرية وتدعم الشاب الوطنى مصطفى كامل، وانتهى دور هذه المرأة من حياة المصريين بموت مصطفى كامل فى العام 1908، لكن هناك محاولات نسوية وطنية ظهرت على استحياء بظهور كتابى "قاسم أمين" وهما "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة" وظهور"ملك حفنى ناصف" وقبلها "عائشة التيمورية"، وانحصرت هذه الجهود النسوية فى إطار الإصلاح والمطالبة بمنح المرأة حق التعليم وحق الخروج للعمل وحق اختيار شريك الحياة وحق الحصول على الميراث الشرعى المقرر فى الشريعة الإسلامية، ولما تفجرت ثورة 1919، وقع الحادث الثالث، قتلت السيدة "أم محمد" ـ وهى غير أم محمد التى ظهرت فى حادث دنشواى ـ التى خرجت للتظاهر ضد بريطانيا العظمى مع أهالى حى السيدة زينب، وأصبحت "الشهيدة الأولى" فى الثورة، وتشكلت "لجنة سيدات الوفد" التى كانت النواة الأولى للاتحاد النسائى، وضمت اللجنة سيدات قبطيات ومسلمات، وتوزعت أنشطة اللجنة وتفرقت فى المدن والمديريات فى الدلتا والصعيد والقاهرة والإسكندرية، وظهرت روح "المرأة" بقوة، المرأة المتعلمة المثقفة المهذبة المدركة معنى "القضية الوطنية"، لأن الطبقة المتوسطة والطبقة الأرستقراطية كانت تقود الثورة الشعبية، وكانت الطبقات الفقيرة هى "الجيش" العامل على الأرض، وعرف المجتمع قيمة نضال المرأة ورأى للمرة الأولى فى التاريخ، سيدات يتظاهرن ويواجهن الموت، ويجبرن المحتل البريطانى على الرضوخ للمطالب الشعبية، ويعلن البريطانيون "تصريح 28 فبراير 1922" الذى منح مصر الاستقلال الصورى، والدستور، ولقب "الملك" للجالس على عرش البلاد وكان يسمى "السلطان فؤاد"، وتتشكل خريطة مصر السياسية الجديدة، وقد ظهرت فيها أسماء "هدى شعراوى" و"نبوية موسى" و"صفية زغلول" و"زينب الوكيل" و"الملكة فريدة" و"سيزا نبراوى"، ولم يعد العمل العام حكرا على الرجال، وتواصل عطاء المرأة المصرية، وظهر الجيل الثانى من المصريات المبدعات، جيل "أمينة السعيد" و"بنت الشاطئ" و"سهير القلماوى" و"وداد مترى"، وقبل دخول عالم "وداد مترى" لابد من الحديث عن "شبرا مصر" الحى الوطنى الذى تجسدت فيه معانى الوطنية الحقيقية، ومنه خرج "مكرم عبيد" ليشكل الجناح القبطى مع "مصطفى النحاس" فى حزب "الوفد"، وحى شبرا كان الحصن الشعبى للوحدة بين القبط والمسلمين، ومنه خرجت القيادات الثائرة، مشبعة بروح التكامل الحتمى بين القبط والمسلمين، وكانت "وداد مترى" من الجيل الذى شهد لحظة التحول فى تاريخنا المعاصر، وهى لحظة دخول الشعب المصرى مرحلة "حرب التحرير الوطنية" بعد أن كفر بالتفاوض مع المحتل، وكان ذلك فى "أكتوبر 1951" وقبل هذا اليوم الفاصل، كان حزب الوفد قد فاز فى الانتخابات باكتساح وتولى تشكيل الحكومة، وقرر أن يخوض الحرب ضد الاحتلال، وكانت الخطوة الأولى، إلغاء "معاهدة 1936" من جانب واحد، وعلى الفور تصاعدت الأحداث فى منطقة "قناة السويس" وقرر البريطانيون إخلاء قناة السويس والمدن الثلاث الموجودة حولها "الاسماعيلية، بورسعيد، السويس" من التواجد الأمنى والعسكرى المصرى، ووضعت بريطانيا خطة لإعادة احتلال الدلتا والقاهرة، وهدمت منطقة "كفر أحمد عبده" بالسويس، وحاولت احتلال مبنى "مديرية أمن الإسماعيلية" وقدم خمسون جنديا من "البلوكامين" أرواحهم دفاعا عن المبنى، ورفض "مصطفى رفعت" التسليم وظل يقاتل هو ورجاله حتى نفدت الذخيرة، وكانت تلك تعليمات "فؤاد باشا سراج الدين" وزير الداخلية فى حكومة الوفد، وكانت "جامعة فؤاد الأول" مركزا من "مراكز إعداد الكوادر"، كل القادة الكبار فى الحياة الحزبية، بدأت تجاربهم السياسية فى الجامعة، وانتفاضة 1935 كانت انتفاضة جامعية وسقط الشهداء الطلبة "أشهرهم عبدالحكم الجراحى"، وفى العام الفاصل 1951، تقدمت "وداد مترى" الطالبة القبطية لانتخابات "اتحاد الطلبة"، وفازت برئاسة الاتحاد، وكانت "لطيفة الزيات" سبقتها فى الترشح للجنة الوطنية للطلبة والعمال، وكان الوعى الجمعى للمصريين مشبعا بتضحيات السيدات ونضالهن منذ ثورة 1919، ورغم وجود "جماعة الإخوان" فى الحياة السياسية، لم يعترض أحد على "وداد مترى"، رغم الدعاية السلبية التى أشاعها طلبة الإخوان ضدها، والتيار الوطنى التقدمى نجح فى الدفع بها لهذا الموقع المهم، وانضمت "وداد" للجنة المرأة التى أسستها "سيزا نبراوى" لدعم "الفدائيين" فى حرب التحرير الوطنية، ولم تكتف بشهادة "ليسانس الآداب ـ قسم الفلسفة" بل حصلت على "دبلوم الصحافة والترجمة"، وعملت فى المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم، ودرست الصحافة للتلاميذ، وفى الفترة التى أعقبت 23 يوليو 1952، كانت الحركة النسوية نشيطة، وكان الجدل حول كتابة دستور جديد، مفجرا لطاقات المناضلات الراغبات فى حصول المرأة على حق الترشح وحق التصويت فى الانتخابات العامة، ونشطت "وداد مترى" وطافت القرى والنجوع، داعية السيدات المصريات للتحرك والمطالبة بحق التصويت والترشح، وحصلت المرأة على هذا الحق فى دستور1956، ولما هاجمت قوات العدوان الثلاثى مدينة بورسعيد، كانت "وداد مترى" مع سيدات مصر فى المقدمة، وشاركت معهن فى لجان المقاومة الشعبية، ولجان الخدمات والتبرع بالدم والتمريض وحملت السلاح ضمن "الحرس الوطنى"، وانتقلت للعمل النقابى داخل "نقابة المعلمين"، وأصدرت مجلة أسبوعية كان اسمها "مجلة الموظفين"، وحصلت على عضوية مجلس نقابة المعلمين فى العام 1976، وأسست جمعية نسائية فى قرية "البراجيل" فى الفيوم، وشاركت فى دعم نضال الشعب الفلسطينى، وزارت مخيمات اللاجئين فى لبنان بمنطقة "عين الحلوة" وتزوجت من ـ دكتور سعد لوقا ـ وأنجبت "ريم" و"سهيل"، وكرمتها "جامعة القاهرة" لمناسبة مرور تسعين عاما على إنشائها، وكرمتها كلية الإعلام باعتبارها من رائدات الصحافة، وأسست الجمعية الفلسفية، وظلت حتى الرمق الأخير، وفية للقضايا القومية والوطنية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة