سيزا نبراوى.. حفيدة «مراد بك» ورفيقة كفاح هدى شعراوى فى ثورة 1919

سيدات النهضة المصرية «8»

فى سبعينات القرن الماضى، عقد "السادات" صفقة مع "الإخوان "، وقرر أن يكون شعار نظامه "العلم والإيمان"، وأصبحت

الأجواء مفتوحة لخطب "الشيخ كشك" وغيره من دعاة "الوهابية" والقتل والترهيب، بدعوى "تعبيد الناس لرب العالمين"، وكانت النتيجة، هزيمة المرأة المصرية نفسيا وفكريا، وتراجعها عن المشاركة الاجتماعية لصالح "النقاب" و"صوت المرأة عورة" و"المرأة للبيت" وغير ذلك من المقولات الرجعية، وتعرض ميراث كفاح المرأة للتسفيه والتشويه، وتعرضت "هدى شعراوى وسيزا نبراوى" وغيرهما من سيدات النهضة المصرية لحملات مغرضة، اعتبرت ما أقدمتا عليه كفرا، وخيانة للوطن، والحقيقة أن "هدى شعراوى" وتلميذتها "سيزا نبراوى" لهما الفضل فى إخراج المرأة من سجن العصور الوسطى ودمجها فى المجتمع لتصبح مواطنة تشارك بجهدها فى بناء الرجال، وحماية الأرض والمقدرات والدفاع عن الثقافة الوطنية والموروث الحضارى.

من الجميل والمدهش فى حياة المناضلة الراحلة "سيزا نبراوى" أنها ليست من عرق القبط، ولا من عرق العرب، بل هى من "المماليك"، جدها رجل مشهور فى تاريخنا الحديث، مراد بك الذى حارب الفرنسيين فى الصعيد، وشريكه "إبراهيم بك" لم يستطع القيام بالدفاع عن البلد الذى نهب خيراته وشرب دم فلاحيه، وهرب إلى "غزة"، وعاد بعد هدوء الأحوال وخروج الفرنسيين من مصر، لكن "مراد بك" كون جيشا من "عرب الصعيد"، ومعه جيش المماليك، وحارب "الفرنساوى" فى بنى سويف والمنيا وسوهاج وقنا، ولى قصة مع هذا الرجل، تبدو ـ خياليةـ لكنها واقعية جدا، فالذى حدث منذ سنوات قليلة، بالتحديد فى العام 2017، كتبت روايتى "عرق الصبا"، وموضوعها كان عن "العربان" وحكاية التوطين فى وادى النيل، وهو يعنى تحويل "العربان" الجوالين إلى "مزارعين" مستقرين فى القرى، بدلا عن حياة التجوال والترحال، وهذا المشروع تم على مراحل، منها مرحلة تزامنت مع مرحلة التفسخ السياسى الذى عرفته مصر، فى القرن السابع عشر والثامن عشر، وفيها ظهرت قوى متعددة تتنافس على حكم مصر، وكان من قادة هذه القوى المتصارعة "على بك الكبير" و"محمد بك أبو الدهب" و"همام الهوارى"، وجاءت الحملة الفرنسية لتقضى على هذا المشهد وتجعل "المماليك" عدوا لها وتحاربهم وتطاردهم، ويكون من نصيبى كتابة سطور فى روايتى عن معركة وقعت فى قرية صعيدية "اسمها المتخيل فى الرواية نزلة بركات"، ولم أكن أعرف أن التاريخ يحمل لى مفاجأة، فقد ثبت من صحيفة فرنسية تزامنت مع "الحملة الفرنسية" أن معركة وقعت بالقرب من الموقع الذى وصفته فى روايتى، فعلى الرغم من أن "نزلة بركات" لا وجود لها فى الواقع، لكن هناك مئات القرى التى تشبهها، وقرأت ما نشر من صفحات الصحيفة الفرنسية، وعرفت أن "مراد بك" كان هو من يقود المعارك ضد الفرنسيين، وهو الأمر الذى جعلنى أندهش وأؤمن بأن فى التاريخ وقائع تجعل الخيال يتضاءل، فما ظننته محاكاة، ثبت أنه "حقيقة "، وظل "مراد بك" يحارب ويقاتل ومعه "العربان"  فى الصعيد، وعادت الحملة الفرنسية إلى بلادها، وبقى نسل "مراد" وبقى تاريخه، ومن سلالته جاءت "زينب محمد مراد"، التى تغير اسمها فأصبح "سيزا " وتغير اسم عائلتها من "مراد" إلى "نبراوى"، وكان لها دور كبير فى ثورة 1919 مع الرائدة المناضلة "هدى شعراوى"، فهى كانت مشاركة فى تنظيم وقيادة "المظاهرة النسائية" التى خرجت فى "ثورة 1919" بعد انقطاع المرأة عن الحياة، انقطاعا دعمه شيوخ السلطان، وتجار الأديان الذين فسروا الإسلام حسب هواهم ومصالحهم، فلم يذكروا جهاد سيدات الإسلام مع النبى الأعظم صلى الله عليه وملائكته، وكل ما أعجبهم من "فقه"  الثلاثة الأولى هو منع المرأة من التواجد فى المكان الذى يوجد فيه الرجل، والقرون الثلاثة الأولى كانت مليئة بصور الكفاح النسوى من أجل إحياء كلمة الله، فمن الصحابيات "رفيدة الأسلمية"- من قبيلة بنى أسلم - التى كانت تداوى الجرحى فى الغزوات، و"خولة بنت الأزور" التى حاربت بالسيف دفاعا عن "النبى" صلوات الله عليه، لما دارت الدائرة على المسلمين، فى غزوة "أحد"، وقبلهما "خديجة بنت خويلد" وتضحيتها معروفة، وجهادها فى سبيل نصرة الإسلام موثق فى كتب التاريخ، ولكن "علماء السلطان"ـ العثمانى- جعلوا خروج المرأة من البيت جريمة، فماتت قوى الإبداع لديها، وصارت مجرد كائن حى يأكل ويشرب ويحمل الأجنة فى بطنه ثم يلدها أطفالا، وجاءت ثورة 1919، لتجنى الأمة المصرية ثمار دعوات الإصلاح التى طالبت بخروج المرأة ومشاركتها فى بناء المجتمع، وكان رائد هذه الدعوات الشيخ الإمام "محمد عبده" وتلميذه "قاسم أمين" والسيدة "ملك حفنى ناصف" وغيرها من السيدات المسلمات المثقفات، وكل ما تذكره "الدعاية الوهابية السلفية" هو أن "هدى شعراوى وسيزا نبراوى" هدمتا "الإسلام" وحاربتا "الحجاب" الشرعى، وهذا تدليس وكذب، لأن "هدى شعراوى" خلعت "اليشمك" التركى، الذى لا علاقة له بالشرع ولا القرآن الكريم ولا السنة النبوية المطهرة، وكان خلع اليشمك، ضرورة سياسية ونفسية ودينية للقوى الحية فى المجتمع المصرى، بعد قيام "بريطانيا" بإعلان "الحماية" على مصر، وإسقاط "الولاية السياسية التركية" التى بدأت منذ العام 1517، بعد معركتى "مرج دابق" و"الريدانية"ـ العباسية ـ وهزيمة "قنصوة الغورى" و"طومان باى" واحتلال "مصر" بقوات "السلطان سليم الأول"، وعاشت "هدى شعراوى" و"سيزا نبراوى" فى ظل الثورة، وتشكل "الاتحاد النسائى" المنبثق عن "لجنة سيدات الوفد"، وكانت "المظاهرة النسائية" نقطة تحول فى تاريخنا المعاصر، وخرجت المرأة من "الحرملك" وانخرطت فى مسيرة الكفاح الوطنى، وكانت "سيزا نبراوى" صاحبة النضال المعروف، واحدة من اللاتى عبرن عن هموم الوطن كله، وليس هموم المرأة وحدها، ففى العام 1951، تشكلت تحت قيادتها، لجنة "المقاومة" بالتزامن مع حرب الفدائيين فى منطقة "قناة السويس"، وهى حرب التحرير الوطنية التى اندلعت ابتداء من "أكتوبر 1951" عندما وقف الزعيم الوطنى "مصطفى النحاس" تحت قبة البرلمان وطالب النواب بالتصويت لصالح قرار إلغاء "معاهدة 1936" التى وقعتها بريطانيا مع الوفد والقوى الوطنية المصرية قبل الحرب العالمية الثانية، وتحولت إلى عبء ثقيل على الشعب، بعد انتهاء الحرب، وفشل المفاوضات الخاصة بجلاء الجيش البريطانى عن الأراضى المصرية، وكانت "حكومة الوفد" الأخيرة، فى العام 1950 هى التى تقود "حرب الفدائيين" فى منطقة القناة، ولم تتخلف "المرأة المصرية" عن هذه الحرب، وتشكلت "لجنة المقاومة" وحشدت "سيزا نبراوى" نساء مصر للدفاع عن الأرض والشرف الوطنى، فى الوقت الذى كانت فيه "جماعة الإخوان" تخزن السلاح فى قرى الإسماعيلية، وترفض بكل وضوح إلغاء معاهدة 1936 وتهاجم "النحاس" وتعتبره "متهورا" بقراره إلغاء المعاهدة من جانب واحد، وكتب "يوسف إدريس" قصة عن تلك المرحلة الدقيقة من النضال الوطنى، وتحولت القصة إلى فيلم سينمائى حمل عنوان "لا وقت للحب" أخرجه "صلاح أبوسيف"، وظهرت فيه "المرأة" مناضلة ومشاركة فى حرب التحرير الوطنية، وكتبت "لطيفة الزيات" روايتها "الباب المفتوح" ورصدت مشاركة المرأة فى الدفاع عن الوطن، وكانت تلك المشاركة ثمرة لنضال الرائدات، هدى شعراوى وسيزا نبراوى وغيرهما، ونحن فى هذه السطور نحاول تعريف القارئ العزيز بالدور الذى قامت به "سيزا نبراوى" ومن المهم أن يعرف أنها كانت ضحية ظروف اجتماعية قاسية، فقد طلق أبوها أمها وكان عمرها عشرة شهور، وتبنتها خالة لها، اسمها "عديلة هانم نبراوى"ـ ابنة خالة أمها ـ ومنحتها لقب "نبراوى" وجعلت اسمها "سيزا" بدلا عن "زينب"، وعاشت مع الأم البديلة ابتداء من العام 1905 فى فرنسا، والتحقت بالمدارس هناك وتعلمت اللغة الفرنسية، وعادت إلى مصر، واكتشفت الحقيقة المرة، بعد موت "عديلة هانم" كانت تعرف أنها أمها، وعرفت أنها أم بديلة، وواجهت الظرف المستجد، بقرار العزوف عن الزواج، وسخرت وقتها وطاقتها للعمل العام، وشاركت فى مؤتمرعالمى للمرأة فى روما فى العام 1923، وواصلت كفاحها الوطنى، ولكن لما بلغت سن الأربعين، تعرفت إلى فنان "نحات" اسمه "مصطفى نجيب" وكان يصغرها بستة عشر عاما، وتزوجته، ودام الزواج أربع سنوات، ووقع الطلاق بينهما، وواصلت عطاءها، وتخرجت على أيديها مناضلات كان لهن مساهمة كبرى فى حرب بورسعيد "العدوان الثلاثى 1956"، مثلما كان لها فى شبابها الدور والمساهمة فى "حرب الفدائيين" قبل ثورة 23 يوليو، وفى الرابع من فبراير 1985، انتقلت للرفيق الأعلى عن عمر ناهز الثامنة والثمانين، بعد أن أدت دورا كفاحيا ونضاليا يشهد على وطنيتها الصادقة، ومحبتها للشعب المصرى رغم أنها من "المماليك" المجلوبين من بلاد "الأباز" فى قارة آسيا.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص