سهير القلماوى.. أول امرأة مصرية تحصل على الدكتوراة من جامعة فؤاد الأول

سيدات النهضة المصرية «5»

لا يمكن نسيان أثر السيدة سهير القلماوى فى الثقافة العربية، فهى التى حصلت على الدكتوراه فى موضوع مركزى فى الثقافة العربية هو "ألف ليلة وليلة"

، وهو كتاب مشهور فى العالم كله وله أثره فى تشكيل مسيرة الرواية العالمية فى نصف القرن الأخير من القرن العشرين، ومنه خرجت رؤى "الواقعية السحرية" و"السرد التفريعى" أو  "التوالد الحكائى"، التى ميزت تجارب "ماركيز" وغيره من روائيى أمريكا الجنوبية الذين بهروا الدنيا بإبداعهم، وكانت "سهير القلماوى" رائدة البحث النقدى لعالم "ألف ليلة وليلة" بدعم وإشراف أستاذها دكتور طه حسين، رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب، فى جامعة فؤاد الأول فى أربعينيات القرن الماضى.

كانت اللحظة التى تآمر فيها شيخ الجامع الأزهر ومعاونوه، لطرد "طه حسين" من الجامع ورفض منحه درجة العالمية، لحظة كبرى فى تاريخ النهضة المصرية، لأن الأمة كسبت عقلا كبيرا، وإرادة تنوير صلبة، ولو أنه كان نجح فى الجامع الأزهر وحاز "العالمية" لما انتفعت الأمة بقراراته الشجاعة التقدمية، وروحه العبقرى، الذى جعل التعليم كالماء والهواء وفتح الأبواب المغلقة أمام فقراء القرى لينهضوا من سبات الأمية، ويرسلوا أولادهم للمدارس، وكانت خطوته الأولى فى أربعينيات القرن الماضى، لما عمل مع "نجيب الهلالى" وزير المعارف على نشر التعليم "الأولى" فى كل قرية ونجع فى المملكة المصرية، بإلزام "عمد القرى" بتوفير أماكن للمدارس ضمن أملاكهم بالقرى، ونجحت الفكرة، وتحولت المكاتب الصغيرة إلى مدارس، فى العام 1950 لما تولى دكتور طه حسين منصب وزير المعارف، فى حكومة الوفد الأخيرة، واستطاع عميد الأدب العربى الوصول بالمجانية فى التعليم إلى المرحلة الثانوية، وكان من آثاره فى الجامعة المصرية، قبول الفتيات بكلية الآداب، وكانت تلك خطوة تكمل الخطوة الأولى التى خطاها "رفاعة الطهطاوى" بتعليم البنات وفتح المدارس الابتدائية لاستقبالهن، وكانت "سهير القلماوى" من "ثمار" قرارات طه حسين، فلما تقدمت بأوراقها لكلية الطب، رفضت الكلية قبولها، فغيرت مسارها نحو الأدب بتشجيع من والدها الطبيب المثقف الذى ينتمى لعائلة متنورة، تعشق العلم وتباهى العائلات الأخرى بتعليم بناتها، وكانت مكتبة والد سهير القلماوى الثرية، أداة مهمة من أدوات تشكيل وعيها منذ الطفولة، وهى المولودة بالقاهرة فى "20 يوليو 1911"، أى أنها من نفس الجيل الذى ينتمى إليه "نجيب محفوظ"، ومن يراجع مذكراته رحمه الله التى حررها رجاء النقاش سوف يقرأ سطوره التى كتبها عن صدمة الطلبة بوجود الطالبات معهم فى المدرج وفى قاعة المحاضرات، وسر الصدمة هو طول حقبة الاحتلال التركى التى جعلت الفصل بين النساء والرجال سمة من سمات الحياة، فكان هناك فى بيوت الطبقة المتوسطة والطبقة العليا "الحرملك" و"السلاملك"، أو المنطقة المحرمة التى تعيش فيها "الحريم" والمنطقة المباحة للقادمين لزيارة أهل البيت، وكانت مبادرات "ملك حفنى ناصف" و"عائشة التيمورية" و"قاسم أمين" امتدادا لمبادرة الشيخ الإمام "محمد عبده" لإصلاح أحوال المرأة وصهرها فى المجتمع لينمو مستفيدا بطاقتها وإبداعها، وفى العام 1919 دخلت المرأة المصرية دائرة العمل الوطنى، وظهرت "هدى شعراوى" وكانت "سهيرالقلماوى" طفلة فى الثامنة من عمرها، ولكن الأهل المتنورين خدموها بإلحاقها بالكلية الأمريكية، وكانت "سهير" ترغب فى دراسة الطب البشرى مثل والدها، لكن البيروقراطية الذكورية رفضت تلبية رغبتها، فلم تجد غير "كلية الآداب"، التى فيها "طه حسين"، وهو الذى كان قبل سنوات قليلة يخوض معركة ضد الرجعية الثقافية، بكتابه المشهور "فى الشعر الجاهلى" وكان يدعم صديقه الشيخ على عبد الرازق صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وهو الكتاب الذى حطم استبداد الملك فؤاد الذى كان يبحث فى القرآن الكريم والتاريخ النبوى عن أسانيد تجعله ديكتاتورا من دون رقابة شعبية ولا دستورية، وتقدمت "سهير القلماوى" للدراسة فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب، وفى العام 1936 وقع الاختيار عليها لتحاضر فى اللغة العربية وآدابها، وكانت تلك مقدمة لحصولها على "الماجستير" والدكتوراه، فى موضوع يقع فى صلب اللغة وفى قلب الثقافة الشعبية العربية، هو تحليل مضامين وتواريخ وأصول حكايات الكتاب المشهور "ألف ليلة وليلة"، ولكى تحقق بحثها وفق أعلى درجات الدقة العلمية سافرت إلى أوربا لتتبع البحوث والترجمات التى نقلت حكايات هذا الكتاب للغات الأوربية، وحصلت "سهير" على درجة الدكتوراه، وأصدرت كتابا يحتوى البحث الذى بذلت فيه جهدها العلمى الكبير فى كتاب فى العام 1943، وكتب دكتور طه حسين مقدمته وقال عن البحث:

"هذه رسالة بارعة من رسائل الدكتوراه التى ميزتها كلية الآداب وبراعتها تأتى من مؤلفتها أولا، فهى السيدة "سهير القلماوى"، وما أظن الناس فى حاجة إلى أن تعرف إليهم سهير القلماوى، فهى قد عرفت نفسها إليهم بأحاديث جدتى، وبما نشرت فى الصحف من فصول، وبما تحدثت إليهم به فى الراديو من مختلف الأحاديث، وإن كنا نحن أساتذتها قد عرفناها من قبل ذلك ومن وراء ذلك بجدها فى الدرس ودقتها فى البحث وإتقانها للاستقصاء حين تعرض لموضوع من موضوعات العلم، و"طه حسين" هو أستاذها الذى وجهها لدراسة "أدب الخوارج" حين رغبت فى التقدم بفكرة لبحث "الماجستير"، ولما حصلت على الدرجة العلمية، قررت السفر إلى أوربا للقاء المستشرقين المهتمين بالأدب الشعبى المصرى، والتقت عددا منهم واستفادت بخبراتهم فى بحث الدكتوراه، من خلال جلوسها إليهم فى قاعات جامعات فرنسا وإنجلترا، وطبع كتابها عن "ألف ليلة وليلة" عدة مرات، كانت من بينها طبعة "مكتبة الأسرة" التى صدرت بمقدمة للدكتور جابر عصفور عضو هيئة التدريس فى قسم اللغة العربية بآداب القاهرة وهو أحد تلاميذها الكثر، قال فيها عن هذا الكتاب المهم:

"كان الكتاب بداية عهد جديد من المعرفة التى أنزلت ألف ليلة إلى أرض العلم وساحة العلماء، فأصبحت موضوعا للدرس يجذب اهتمام مئات الدارسين من بلاد الدنيا، واختفت صورة شهرزاد القديمة وحلت محلها صورة "سهير القلماوى" أستاذتى التى تتلمذت عليها".

والدكتورة سهير القلماوى كانت تلقى حديثا عبر أثير الإذاعة المصرية، تتناول فيه قضايا الثقافة والمجتمع وموقع المرأة منه وسبل نهضتها وتقدمها، وفى سبعينيات القرن الماضى، كانت سهير القلماوى على موعد مع ميكروفون إذاعة البرنامج العام، من خلال برنامج "مشوار حياتى" الذى أعدته وقدمته الإذاعية "هدى العجيمى" وفى حلقات كثيرة من البرنامج حكت الرائدة الكبيرة قصة حياتها العلمية والاجتماعية وتفاصيل بحوثها العلمية، وتفاصيل ما شهدته فى المواقع الثقافية الحكومية التى تولت مسئوليتها ، ومنها "رئيس الهيئة المصرية العامة للسينما والمسرح والموسيقى"، ورئيس مجمع ثقافة الطفل، وورئيس هيئة الكتاب، وفى عهدها أقيم أول معرض دولى للكتاب، ومازال مستمرا حتى يومنا هذا، ومن المكاسب التى تحققت للثقافة المصرية فى عهدها، طبع رواية "سلمى الأسوانية" للكاتب الشاب ـ آنذاك ـ عبد الوهاب الأسوانى، بعد فوزها بالجائزة الأولى فى المسابقة التى نظمتها "هيئة الكتاب"، وكانت لجنة التحكيم تضم "سهير القلماوى ويحيى حقى وحسين فوزى"، وأتاحت ـ رحمها الله ـ فرصة النشر لعشرات الكتاب الموهوبين، وتركت بصمة طيبة فى كل موقع ثقافى تولت مسئوليته، وهى التى حازت التقدير والإعجاب من المتخصصين فى الأدب العربى داخل الجامعة وخارجها، وحازت ثقة الدولة المصرية، فحازت جائزة مجمع اللغة العربية عن كتابها "ألف ليلة وليلة" فى العام 1954، وجائزة الدولة فى العام 1955، ووسام الجمهورية فى العام 1978، واختيرت لعضوية مجلس الأمة ومجلس الشعب ضمن المعينين بقرار رئيس الجمهورية بما لها من ثقل علمى وخبرة فى الميدان العلمى والأدبى، وقد يندهش القارئ لو علم أن "سهير القلماوى" التى تولت المناصب الثقافية والعلمية أضافت للمكتبة العربية بحوثا وإبداعات، مهمة منها "أحاديث جدتى ـ 1935، ألف ليلة وليلة ـ 1943، أدب الخوارج ـ 1945، فى النقد الأدبى ـ 1955، الشياطين تلهوـ 1964، ثم غربت الشمس ـ 1965، المحاكاة فى الأدب ـ 1955، العالم بين دفتى كتاب ـ 1985، ذكرى طه حسين وهو الكتاب الذى خصصته لتاريخ ومسيرة أستاذها الذى كان الداعم لها منذ لحاقها بالجامعة، وانتقلت "سهير القلماوى" إلى الرفيق الأعلى فى "4 مايو 1997"، ومازالت آثار خطاها العلمية باقية، وهى التى تخرج على أيديها الباحثون المتخصصون فى الأدب الشعبى والنقد الأدبى، ومازال "معرض القاهرة الدولى للكتاب" ينعقد فى "يناير" من كل عام، وهو من آثارها الثقافية النابعة من إحساسها بمركزية "القاهرة" ودورها فى الحفاظ على الثقافة العربية، وسيرة حياتها المحفوظة فى مكتبة الإذاعة المصرية، تشهد لها بالنبوغ والوطنية، فكانت تقوم بدورها فى تربية وتهذيب وتعليم الطبقات الشعبية وتقوم بتعليم الجامعيين فى آن، وشهد الجميع بإخلاصها فى العمل وإخلاصها للثقافة المصرية والثقافة العربية.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سامح الجباس: أعدت خطب طه حسين للحياة بعد 70 سنة
د. نسمة يوسف إدريس تتحدث عن أمير القصة القصيرة
طه حسين
الناقد أيمن بكر يقرأ ملامح التجربـة المعرفية فى «هوامش العميد»

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد