الكاتبة والشاعرة وحاملة لواء الدفاع عن المرأة المصرية، الراحلة "ملك حفنى ناصف"، كانت رائدة فى عدة مجالات؛ فهى أول فتاة تحصل على الشهادة الابتدائية فى العام "1900"، وأول من طالبت بمساواة المرأة بالرجل فى الحقوق والواجبات، وأول من افتتحت مدرسة "التمريض" للفتيات، فى بيتها بمدينة القاهرة، وسعت لفتح ملجأ للأيتام ومشغل للفتيات على نفقتها الخاصة، ورصدت حياة المرأة فى المجتمع البدوى، وحملت لقب "باحثة البادية"، وهى البنت الكبرى للقاضى ورجل التعليم وأول رئيس للجامعة المصرية "جامعة القاهرة حاليا" حفنى ناصف، وهى أول مصرية تكتب فى "المؤيد" و"الجريدة"، مطالبة بإصلاح أحوال المرأة، وكانت "خطيبة" موهوبة، وماتت فى سن مبكرة، بعد أن زرعت بذور العمل النسوى المصرى ومهدت الطريق لجيل "هدى شعراوى" والأجيال التالية..
لا شىء يضيع فى الهواء، ولا شىء يولد من الفراغ، بل هو التراكم، والخبرات التى يضيفها كل جيل، وكان جيل "ملك حفنى ناصف"، هو الجيل الذى استفاد بما حققه "رفاعة الطهطاوى"، الشيخ الأزهرى الذى سافر إلى فرنسا، وهناك رأى مظاهر النهضة، ونقلها فى كتب، وسمح له القرب من محمد على بتحويل الأفكار إلى مشروعات، وكان من بين ما نجح فيه، إنشاء مدرسة للبنات، تحمل اسم "المدرسة السنية" ومازالت قائمة فى حى السيدة زينب بالقاهرة إلى يومنا هذا، وفيها تخرجت "ملك حفنى ناصف"، وحصلت على الشهادة الابتدائية، ثم حصلت على شهادة "دبلوم المعلمات"، وعملت بالتدريس، وتفرغت للعمل الإصلاحى، وواصلت تطبيق ما دعت إليه "عائشة التيمورية"، ولكن "ملك" كانت محظوظة، لأنها نشأت فى بيت رجل مثقف متعلم، هو "حفنى ناصف"، المولود فى "بركة الحج"، وهى قرية تجاور"المرج"، وكانت تقع ضمن أعمال محافظة "القليوبية"، وقبل التطرق للدور الذى قامت به الابنة "ملك حفنى"، نتعرف إلى والدها، وهو من الرواد فى مجال دراسة القانون والعمل بالتدريس، وتولى منصبا فى القضاء، وهو "محمد حفنى محمد إسماعيل خليل ناصف"، من مواليد 1855، حفظ القرآن الكريم والتحق بالأزهر الشريف، واقترب من الشيخ الإمام "محمد عبده" فأشركه فى تحرير جريدة "الوقائع المصرية" وعمل بالتدريس، ودرس مادة "الإنشاء القضائى" لطلبة "مدرسة الحقوق"، ودرس لهم مادة المنطق والبلاغة، وانتقل للعمل فى وظيفة "القاضى"، ولما تأسست "الجامعة المصرية الأهلية" فى العام 1908، كان أول رئيس لها، وانتقل لوزارة المعارف وعمل كبيرا لمفتشى "اللغة العربية" وبقى بها حتى أحيل للتقاعد فى العام 1915، وأنجب سبع بنات، كانت الكبرى بينهن "ملك"، واختار لها هذا الاسم تيمنا بالأميرة "ملك" زوجة "الأمير "حسين كامل" الذى تولى منصب "سلطان مصر"، وهو ابن "الخديو إسماعيل"، والتحقت "ملك" بالمدرسة الابتدائية، وتفوقت، وواصلت خطاها الثقافية والاجتماعية، وتزوجها "عبد الستار الباسل" ـ شقيق حمد الباسل شيخ عرب "الرماح" بالفيوم، و"الرماح" قبيلة من قبيلة أكبر هى "بنى سليم" شريكة "بنى هلال" فى التغريبة من "نجد والحجاز" إلى "تونس"، فى زمن المستنصر، الخليفة الفاطمى، وعادت قبائل متفرعة من هاتين القبيلتين الكبريين "بنى هلال وبنى سليم" إلى مصر واستقرت فى الفيوم والبحيرة والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا، والشرقية والقليوبية والمنوفية والوادى الجديد، ولكن "قبيلة الرماح" كانت عودتها بقرار من "محمد على"؛ فهو استدعاها لتكون حارسة لبوابة مصر الغربية، ومنحها الأرض الزراعية، فى وادى النيل، واستعان بفرسانها فى معاركه فى بلاد الشام وضد الوهابيين فى "الدرعية" ببلاد نجد والحجاز، وتولى "حمد محمود الباسل" مشيخة القبيلة "الرماح" وانتقل من "كفر الشيخ" إلى "الفيوم" وأقام فى "إطسا"، وبنى "قصر الباسل" وصارت مقرا له، ومعه أخوه "عبد الستار" وانضم "حمد" للوفد المصرى الذى تشكل بزعامة "سعد زغلول" فى العام 1919، وتزوج أخوه "عبدالستار" من "ملك حفنى ناصف"، وانتقلت للعيش معه فى "قصر الباسل" بالفيوم، وعاشت سبع سنوات، ولم تنجب، وهذا ما جعلها محل تحقير وسخرية زوجها، وعائلته، فالمرأة فى البيئة البدوية مطلوب منها إنجاب الذكور، لأن هذا المجتمع يقوم على المعركة والغارة وفرض النفوذ بقوة الرجال، والمرأة العاقر، محتقرة ومرفوضة من جانب هذه البيئة، وما زاد من حسرة وألم "ملك حفنى ناصف" أن زوجها "شيخ العرب" سبق له أن أنجب بنتا من زوجة سابقة، ولما مضت السنوات من دون أن تنجب "ملك"، أعاد الزوجة الأولى إلى ذمته، ومعها ابنته الوحيدة التى أنجبها منها، وانتهت حياة "ملك وعبد الستار" الزوجية، وعادت إلى "القاهرة"، وتفرغت للعمل العام، بعد أن حملت لقب "باحثة البادية" لفضل السنوات التى قضتها فى بادية الفيوم، وعرفت خلالها طبيعة العلاقة بين المرأة والرجل فى البادية، وأضافت إلى قائمة أعمالها، مطلب الدفاع عن المرأة البدوية المضطهدة المقموعة بتقاليد المجتمع الذكورى البدوى، وفى القاهرة، خضعت "ملك" لفحص طبى أثبت قدرتها على الإنجاب، وأكد لها أن عدم الإنجاب كان لمرض فى جسد زوجها، وكان أجرى عملية جراحية بعد انفصاله عن زوجته الأولى أم ابنته، نتج عنها إصابته بالعقم، وطوت "ملك" صفحة قاسية من حياتها، وتفرغت للكتابة فى الصحف، والمشاركة فى الندوات التى تناقش موضوعات الإصلاح الاجتماعى، وأسست "اتحاد النساء التهذيبى"، وانضمت إليه سيدات مصريات وأجنبيات، وكان العام "1911" عاما فارقا فى حيوات المصريين، ففيه وقعت الفتنة الطائفية بين القبط والمسلمين، عقب قيام الشاب "إبراهيم الوردانى" وهو من شباب الحزب الوطنى، باغتيال "بطرس غالى"، واستطاع "كرومر" النفخ فى نار الفتنة، ونجح فى تهييج الشعور الدينى، وتبادل المسلمون والقبط الاتهامات على صفحات الصحف، وانعقد المؤتمر القبطى فى مدينة أسيوط، وكان من مطالبه معاملة القبط باعتبارهم أقلية، وتخصيص حصة لهم فى مقاعد البرلمان، والوظائف العامة، ولكن عقلاء الأمة من القبط والمسلمين، ردوا على هذا المؤتمر الطائفى بالمؤتمر المصرى، وشارك فيه "ويصا واصف" و"أحمد لطفى السيد" و"ملك حفنى ناصف" التى تقدمت بورقة تضمنت مطالب إصلاحية، تهتم بوضعية المرأة فى سياق الوضع الاجتماعى العام؛ فطالبت بضرورة السماح للفتيات بمواصلة التعليم حتى المرحلة الثانوية، وطالبت بإصلاح المنظومة القانونية الخاصة بالأحوال الشخصية، وفى العام نفسه، قامت إيطاليا باحتلال أراضى ليبيا، وتعرض الشعب الليبى الشقيق للقتل والتشريد والتجويع، فقامت نخبة مصرية، وجماعات من العربان والقبائل التى لها امتدادات فى برقة وطرابلس وفزان بتقديم الدعم للشعب الليبى، وكان للسيدة "ملك حفنى ناصف" إسهام كبير فى هذا الميدان، ولم تتوقف عن العمل الخدمى التطوعى الهادف للنهضة بالمرأة المصرية، فكتبت المقالات الداعية لإصلاح أحوال المرأة، ونشرت الجزء الأول من كتاب لها حمل عنوان "النسائيات"، احتوى مقالات لها وخطبا، ولم تتمكن من نشر الجزء الثانى منه، وكتبت كتابا آخر حمل عنوان "حقوق النساء" وتركته مخطوطا ولم ينشر إلى يومنا هذا.. وعلى المستوى الميدانى، أسست جمعية للتمريض، كانت النواة الأولى لجمعية "الهلال الأحمر"، وأقامت فى منزلها مدرسة لتعليم الفتيات قواعد التمريض، ووضعت خطة لمشروع خدمى كبير، تمثل فى بناء مشغل وملجأ للفتيات الفقيرات، وخصصت خمسة وثلاثين فدانا، من أملاكها للإنفاق عليه، لكن موتها المفاجئ حال دون إنجاز هذا المشروع، ورغم كل هذه المواقف الفكرية والعملية للرائدة "ملك حفنى ناصف"، لم تنضم للمطالبات بخلع "الحجاب" أو "اليشمك التركى" الذى كان يغطى وجوه النساء فى تلك الحقبة، وهى حقبة فاصلة بين عصرين فى تاريخ مصر المعاصر، فيها وقعت معركة الحجاب بين الأنصار والمعارضين، وفيها اغتيل "بطرس غالى" رجل الإنجليز، ومرت الوحدة الوطنية المصرية باختبار صعب، وفيها عاشت مصر مرارة الحرب العالمية الأولى، ومن رحم تلك الحقبة السوداء، تشكلت "النهضة" أو"الثورة" فى مارس 1919، وهى الثورة التى وحدت القبط والمسلمين فى مواجهة الاحتلال البريطانى، وفجرت المواهب الفنية وخلقت طبقة مثقفة تدافع عن الوطن، ولم يمهل القدر السيدة المجاهدة الوطنية النبيلة "ملك حفنى ناصف" لترى هدى شعراوى وسيدات "لجنة الوفد" وهن يواصلن نضالهن لتطبيق المبادئ التى دعت إليها فى مقالاتها وخطبها، وأصابتها الحمى الإسبانية، وانتقلت إلى جوار ربها فى "أكتوبر 1918"، ولحق بها والدها القاضى والمربى والشيخ الفاضل "حفنى ناصف" فى "25 فبراير1919" قبل تفجر ثورة الشعب المصرى بأيام قليلة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية
بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية
تربّى فى الزاوية ودرس العلوم الشرعية وكان يحب مجالس العلماء ويقربهم إليه وامتلك واحدة من أكبر وأهم المكتبات فى العالم...