فهم رسالة الإمام محمد عبده ودعا لتحـرير المرأة من قبضة المجتمع الرجعى

فى مسيرته الثقافية، غرس الإمام محمد عبده أزهارا فى حدائق الوطن، فقدم الساسة والمصلحين الاجتماعيين والكتاب والصحافيين، ومن غرسه، كان المصلح الاجتماعى المشهور "قاسم

فى مسيرته الثقافية، غرس الإمام محمد عبده أزهارا فى حدائق الوطن، فقدم الساسة والمصلحين الاجتماعيين والكتاب والصحافيين، ومن غرسه، كان المصلح الاجتماعى المشهور "قاسم أمين"، الذى اقترب من الإمام وفهم مقاصد الشريعة الإسلامية ودعا إلى تحرير المرأة من قبضة المجتمع الرجعى، الذى يهوى العيش عالة على الأفكار والاجتهادات التى أنتجها فقهاء فى الماضى، فأصبحت المرأة ضحية الكسل العقلى والجمود الفكرى الذى أصاب المجتمع، وبمرور السنوات، تفجرت ثورة 1919 وخرجت المرأة وشاركت فى صنع تاريخ وطنها، وكانت أولى شهيدات الثورة برصاص الاحتلال، امرأة اسمها "أم محمد" من أهالى الحى الشعبى  القاهرى "حى السيدة زينب"، هنا، محاولة للاقتراب من قصة تحرير المرأة المصرية بمعرفة القاضى "قاسم أمين" ومن جاءوا على دربه من بعده.

الشيخ الإمام محمد عبده، كان علامة على طريق الهداية للشعب المصرى، فى عصر ازدهار العلوم، ففى زمانه عرف الناس نظرية "داروين" الخاصة بنشأة الكائنات والكون، وعرفوا "البنوك"، والفنون الحديثة مثل التصوير الفوتوغرافى والنحت والرسم، وكان مطلوبا من شيوخ الأزهر، تقديم الفتوى التى تمكن المسلم من التعامل مع هذه المستجدات، من غير خسران للعقيدة، فقام الشيخ محمد عبده، فحطم الأصنام، وقال للمسلمين "إن القرآن يفسر بعضه بعضا"، وإن المسلم غير ملزم باتباع تفسير وضعه مفسر عاش  فى القرن الأول الهجرى، لأن القرآن الكريم جاء ليخدم المؤمنين ويحقق لهم السعادة فى كل العصور حتى قيام الساعة، وهذا يعنى أن من حق المسلمين التفكر والتدبر فى آيات الكتاب الحكيم، وفهمه بما يناسب زمانهم، وبنى على هذه الرؤية المتقدمة منهجا، فتح الباب أمام المسلمين ليعيشوا عصرهم، عصر المنجزات العلمية، من دون شعور بالحسرة أو الكراهية، فالقرآن يدعو صراحة للتفكير فى خلق الكون، ويدعو إلى العلم، ولو قدم العلم مكتشفات ونظريات فالقرآن لا يرفضها ولا يعاديها، وقرر الإمام أن البنوك ليست ضارة بالعقائد، وأن الفنون حلال والاستمتاع بها حلال، وكان ذلك فتحا لطريق التفكير الراقى، وكان رأى الإمام أن "تعدد الزوجات" الوارد فى القرآن، كانت له ظروف، انتهت من حيوات المسلمين وأن الإسلام يدعو لنظام الزوجة الواحدة، ودعا الشيخ لتثقيف المرأة وتعليمها، وهنا يقول ـ دكتور عثمان أمين ـ أستاذ الفلسفة فى جامعة القاهرة ـ رأيا علميا مهما فى كتابه "رائد الفكر المصرى الإمام محمدعبده" يربط فيه بين الأستاذ الإمام والتلميذ قاسم أمين:

"الأستاذ الإمام كان من أشد الناس حرصا على تثقيف الفتيات المسلمات تثقيفا يعينهن على أداء رسالتهن  فى نهضة البلاد الإسلامية، وكان يرى أن الإسلام فى حقيقته يؤيد مساواة المرأة بالرجل فى الحقوق، وإذا كان بعض المسلمين يسىء للمرأة ويهمل شأنها فهذا ناتج عن جهل بأهداف الشريعة السمحاء، ولو نظرنا ـ مثلا ـ إلى تعدد الزوجات الذى أباحه القرآن تبينا أنه أجيز لبعض ضرورات تاريخية، لم يعد لها مبرر فى الوقت الراهن، ولو تعمقنا دراسة الأصول الإسلامية ونفذنا إلى مقاصد الشريعة الكريمة، اتضح لنا أن الإسلام يؤيد مبدأ الزوجة الواحدة ويعده المثل الأكمل للحياة الزوجية، وجملة  ما دعا إليه الأستاذ الإمام بهذا الصدد أن نتناول تطبيق الشريعة الإسلامية ببعض التعديل الذى يلائم روح العصر، حتى تتاح للمرأة المسلمة فرصا طيبة للثقافة والتعليم، فإن من الجرم الصارخ أن ندع النساء المسلمات حبيسات ذلك السجن الضيق، سجن الجهل والجور والجمود، وهن اللاتى يأخذن على عواتقهن أشق تبعات الحياة، أعنى تربية الأبناء وإعدادهم ليكونوا مواطنين صالحين، وإذا كان ـ الشيخ محمد عبده ـ لم يستطع تحقيق الإصلاح الاجتماعى الذى كان يصبو إليه، فقد تعهده أحد أصدقائه ومريديه الأخيار "قاسم أمين" ونهض بالدعوة إليه فى حماسة لا تفتر، حتى أصبح اسمه على حركة تحرير المرأة المصرية، وقد لقى ـ قاسم أمين ـ كما لقى "محمد عبده" أشد المعارضة من المحافظين المتزمتين".

ويوضح دكتور عثمان أمين أفكار ورسالة "قاسم أمين" التى سعى لنشرها فى المجتمع المصرى بقوله:

"نظر قاسم أمين فى العيوب والآفات التى يرزح المجتمع المصرى تحتها فوجد أن مرجع ذلك إلى أن نصف الأمة قد أصابه الشلل التام فى الحياة الاجتماعية، شلل سببه الجهل والتأخر اللذين قيدت بهما المرأة عندنا، وحرص ـ قاسم أمين ـ على أن يبين أن الإسلام خلافا للوهم الشائع، لم ينظر للمرأة نظرة مهانة وزراية، بل رفع قدرها وأعلى من شأنها، وإذا كانت المرأة قد عانت شيئا من المظالم فى المجتمع الإسلامى، فليس الإسلام هو المسئول عن ذلك، وخلاصة الإصلاح الذى أراده قاسم أمين للمرأة المصرية أمران، الأول يتصل بالعادات والعرف الذى تعامل به المرأة وينظر به إلى تعليمها وتربيتها، والثانى نداء إلى رجال الدين أن يراعوا مقتضيات العصر الحديث ومتطلباته، وأن يتحرروا فى تطبيقهم لقوانين الشريعة من فهم  النصوص على ظواهرها، ويرى قاسم أمين أن تربية المرأة وتهيئتها لشغل مكانة لائقة واجب وطنى، وفرض شرعى، وهو يرى أن طمع الغرب فى مصر وفقدانها استقلالها، يحتم على المصريين  التمسك بتربية قومية جديدة، وليس من سبيل إلى تربية الأمة إلا تربية المرأة لتخلق الجيل الجديد، ولم يكن لصوت قاسم أمين صدى فى حياته ولكن هذا الصوت سرعان ما جلجل فى الحياة الاجتماعية المصرية، وأخذت الدعوة إلى نهضة المرأة تشغل مكانها البارز على صفحات المجلات والجرائد، فجاهرت ـ باحثة البادية ـ السيدة "ملك حفنى ناصف"، بالدعوة إلى ذلك وشرعت فى تأليف كتاب عن حقوق النساء، وآمن رجال الفكر بأن نهضة البلاد مرهونة بتقدم المرأة وتمكينها من المشاركة فى شئون المجتمع، وظهرت جريدة "السفور" التى ألحت على ضرورة تثقيف النساء وتحريرهن، وهكذا شاهدنا المرأة المصرية فى ثورة 1919 تقف فى طليعة الثوار وتنادى بأعلى صوتها بحق وطنها فى الحرية والاستقلال".

وقاسم أمين من مواليد 1863 بمدينة الإسكندرية،  وهو "كردى" العرق، وتوفى  فى 1908، وهو العام الذى توفى فيه الزعيم مصطفى كامل، وهذا يعنى أنه عاش فى زمن الخديو إسماعيل والخديو توفيق، وعاصر الثورة العرابية شابا، وشارك حسب ما هو مدون من تاريخ كفاحه فى الحركة الوطنية، وتتلمذ على أيدى الشيخ محمد عبده وسعى لتحويل أفكاره إلى سلوك اجتماعي، فدرس الحقوق وشغل منصب القاضى وكتب الكتب التى تحتوى دعوته، ومنها كتابه الذى حمل عنوان "المصريون" وصدر فى العام 1894، ودافع فيه عن الشعب المصرى وحضارته وتاريخه وخصائصه النفسية والقومية، وكان الكتاب ردا على كاتب غربى هو "دوق داركورت" الذى أصدر كتابا قلل فيه من شأن  الثقافة المصرية، واختص المرأة المصرية بهجوم  عنيف، وفى العام 1899 أصدرـ قاسم أمين ـ كتابه "تحرير المرأة "، ودعا فيه لتحريرالمرأة ومنحها مساحات للحركة، وقال إن"حجب" المرأة، ضار بالشعب كله، لأن المرأة هى العمود الفقري، الذى يقوم عليه المجتمع، وكان من مؤسسى "الجامعة الأهلية" التى كانت نواة  "جامعة فؤاد الأول" ـ القاهرة حاليا ـ وهذه الجامعة كانت من بين أشكال المقاومة الثقافية لبريطانيا العظمى التى كان مندوبها السامى "كرومر" هو الحاكم الفعلى لمصر، عقب سقوط مصر فى قبضة بيوت المال الأوروبية، ثم احتلالها عسكريا من جانب الجيش البريطانى، بدعم  أوروبى، وكانت سياسة الاستعمار، تقوم على حرمان مصر من امتلاك الكوادر المتعلمة والعلماء، وقصر وظيفة التعليم على تخريج موظفين يخدمون الإدارة البريطانية، ولكن النخبة الوطنية المصرية من الطبقة الغنية استطاعت كسر هذا الطوق الاستعمارى وأسست الجامعة الأهلية، وكانت الأفكار التقدمية تخرج منها، وهى التى منحت مصر المفكرين والمبدعين الذين حرروا مصر من الاحتلال البريطانى، ومن أشهرهم وأهمهم دكتور طه حسين، وامتد أثر "قاسم أمين"، فأصدر الصحفى "عبد الحميد حمدى" فى العام 1915 جريدة أسبوعية أسماها "السفور"، وانتظم صدورها سبع سنوات، وكان كتابها يطالبون بتحرير المرأة وتحرير المجتمع من بقايا الفكر العثمانى والمملوكى، والتصدى للمحتل، بقوة العلم والعقل وإنشاء الأحزاب، وممارسة الديمقراطية المطبقة فى الدول المتحضرة، وكانت الفكرة الجوهرية فى الحرب التى خاضها قاسم أمين ضد المجتمع الرجعى، هى التعليم، ومنح المرأة حق الحرية، والتخلص من ثقافة الارستقراطية التركية التى جعلت النساء "جوارى" مسجونة فى "الحريم" لا يشغلها سوى البحث عن وسائل لإشباع غرائز الرجل، وفى العام 1900 أصدر كتابه "المرأة الجديدة"، وهو كتاب يحتوى الأفكار التى حارب من أجلها منذ كتابه الأول، ومن مقولاته المأثورة عنه  "من المستحيل أن يكون لدينا رجال ناجحون، إذا لم يكن لهم أمهات قادرات على تربيتهم لتحقيق النجاح"، ومن مقولاته المهمة أيضا "مما لاشك فيه أن قرار الرجل حبس زوجته يتعارض مع  الحرية التى هى حق طبيعى للمرأة"، ومن يتأمل مضمون هاتين المقولتين، يعرف أن خروج المرأة فى ثورة 1919 وتصديها لجيش الاحتلال وظهور "ملك حفنى ناصف"، ثم "هدى شعراوى" التى أسست أول اتحاد نسائى، لم يأت من فراغ، بل هو تطوير لمقولات الأستاذ الإمام محمد عبده وصديقه قاسم أمين، التى حاربت دعاة الجهل والجمود وأبرأت  الشريعة الإسلامية من تهمة معاداة النساء التى ألصقها بها الأتراك  الذين احتلوا مصر لمدة أربعة قرون وجمدوا روح البحث العلمى فى الأزهر الشريف، وقاوموا رغبات التقدم والتحرر حتى تظل مصر كنزا ينهبون خيراته ويستعبدون أبناءه باسم  "الخلافة الإسلامية"!.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - مسابقة أجمل ضوافر

البنات الصغيرات مع عائلاتهن، فى خروجة مشمسة مبهجة مع أوائل نسمات الصيف.. لا تعرف الواحدة منهن الأخرى.. لكن النظرات تلاقت،...

العديسى.. كيف حالك جداً (ملف خاص)

ولد في «طيبة».. مدينة الشمس الحارقة والأرض السمراء، نشأ في رحاب المنطقة الأكثر ثراء في التراث والمعابد والقصور، لكنه لم...

شخصيات لها تاريخ «100» عزيز المصرى.. أبو الثوّار العرب فى القرن العشرين

درس الحقوق والهندسة والتحق بالحربية فى اسطنبول وحاز رتبة الفريق وتولى تعليم ولى العهد فاروق قواعد العسكرية بتكليف من الملك...

شهادات تذاع لأول مرة «13» شهادة من ناقد عاش التجربة وكتب عنها

إمام سيرة أخرى أمير العمرى: الشيخ إمام عبقرية.. لا تظهر إلا فى لحظة تاريخية فاصلة كان يغنى خمس ساعات متواصلة...