تلك الأيام - لا للماسونية فى مصر

18 أبريل 1964 فى الصباح، وقعت الدكتورة حكمت أبوزيد، وزيرة الشئون الاجتماعية، على قرار حل الجمعيات والمحافل الماسونية فى مصر، وفى اليوم التالى نشرت "الأهرام"

18 أبريل 1964

فى الصباح، وقعت الدكتورة حكمت أبوزيد، وزيرة الشئون الاجتماعية، على قرار حل الجمعيات والمحافل الماسونية فى مصر، وفى اليوم التالى نشرت "الأهرام" الخبر.

تُعرف الماسونية نفسها بأنها "حركة أخوية عالمية أهدافها المساعدة المتبادلة والصداقة وخير الناس"، وتُعرفها الموسوعة البريطانية أنها "التعاليم والممارسات الخاصة بالطريقة الأخوية السرية للبنّائِين الأحرار والمقبولين"، فالموسوعة تُرجع نشأة الماسونية إلى النقابات التى ألفها البناءون أثناء بناء القلاع الكاتدرائيات فى العصور الوسطى. وعندما انتهى البناء، قبلت محافل البنائين أعضاء فخريين، ونشأت الماسونية الحديثة الرمزية والنظرية.

وفى الماسونية ما يسمى بـ "المحفل الأزرق"، وهو مكون من ثلاث درجات، درجة "تلميذ الصنعة المستجد" ثم "زميل الصنعة" ثم "البناء المعلم"، وهناك ما يسمى بـ "الطقس اليوركي"، و"الطقس الاسكوتلندي"، وتهتم  بالرموز، مثل الفرجار والزاوية اللذان يمثلان "الطبيعة الأخوية"، وداخلهما الشمس التى تمثل الحقيقة والمعرفة، والحرف اللاتينى G، أول حرف من كلمة God أى الله، الذى يسميه الماسونيون "مهندس الكون الأعظم"، وهناك العين التى تشير لاعتقاد "أن الله يستطيع أن يسبر ببصره أغوار قلوب وأنفس الناس".

وهى العين، التى يراها أعداء الماسونية، "عين الشيطان" التى تسعى للسيطرة على العالم.

تختلف المصادر، عن دخول الماسونية، هناك من يبالغ وهو يعيد نشأتها للحضارة الفرعونية، جورجى زيدان، الكاتب الكبير، مثلا أنها كانت موجودة فى جامع بن طولون، الجامع الذى تم بناؤه سنة 879، على يد المهندس سعيد بن كاتب الفرجاني، وهو مهندس قبطى من الشرقية، استعان ببعض البنائين الأوروبيين، اتضح أنهم من الماسونيين الهاربين من بطش سلطات دينية فى بلادهم.

لكن من المؤكد أن مصر عرفت المحافل الماسونية بشكل رسمى على يد نابليون بونابرت أثناء الحملة الفرنسية،  فهو من دشن فى أغسطس 1798 محفلاً باسم «محفل إيزيس»، وتوقف المحفل عقب رحيله ومصرع كليبر ومغادرة الحملة.

وفى سنة 1830، عادت الماسونية مرة أخرى، عندما أسس بعض الإيطاليين فى الإسكندرية محفلاً، تلاه آخر فى القاهرة سنة 1838، ثم المحفل الأهم، محفل "الأهرام" الذى تأسس فى الإسكندرية سنة 1845 وانضم كثير من الأجانب والمصريين، وكان السبب فى نشر التعاليم الماسونية تحت سمع وبصر الحكومة.

كانت الحركة الماسونية وقتها صاحبة سمعة حسنة، فهى ترفع شعار الثورة الفرنسية "حرية إخاء مساواة" وتسعى لفصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، وتضم إلى محافلها الجميع دون تفرقة، بغض النظر عن الجنس والدين، وهو  جعلها تجذب إليها الصفوة،  أبناء العائلة المالكة والطبقة السياسية والمثقفين والفنانين، فانضم إليها الخديو توفيق، عبد الحليم ابن محمد على باشا الشهير بالأمير حليم، وإدريس راغب باشا رئيس مجلس شورى النواب، وجمال الدين الأفغاني.

والمثير للدهشة، أن شخصية مثل الشيخ جمال الدين الأفغاني، ترك المحفل الماسوني، ليس اعتراضا على أفكاره ولكن لأن المحفل رفض مساعدته فى تطبيق أفكاره الإصلاحية، قالوا له "الماسونية لا دخل لها بالسياسة"، فخرج الأفغانى من المحفل ومعه عدد من أنصاره، ليؤسسوا محفلا ماسونياً شرقيا، خرجت منه قيادات الثورة العرابية، أحمد عرابى ومحمود سامى البارودى وأديب إسحق وعبد الله النديم.

ومن الأسماء الأخرى، التى ذكرت عدة مصادر أنها كانت منضمة للمحافل الماسونية:  سعد زغلول وعبد الخالق ثروت وعدلى يكن وأحمد ماهر وفؤاد سراج الدين، ومن الفنانين: يوسف وهبى وفريد شوقى ومحمود المليجي، ومن علماء الدين الشيخ محمد أبو زهرة.

وظلت الصحف الماسونية منتشرة لسنوات، مثل «المجلة الماسونية» و«الجريدة الماسونية» ومجلة «الإخاء»، وقدمت فرقة عزيز عيد عنها مسرحية «الماسون» سنة 1907 على خشبة مسرح دار التمثيل العربي.

وظلت المحافل الماسونية حسنة السمعة، حتى كشفت عن وجه آخر لها مع بداية الهجرات اليهودية المنظمة إلى فلسطين، فالمحافل التى تحظر التدخل فى أمور السياسة أو الدين، أصدرت بيانا نشادت فيه أهالى فلسطين الهدوء والسلام والعيش المشترك مع اليهود المهاجرين، وقعه إدريس باشا راغب رئيس المحفل الوطنى الأكبر فى 2 أبريل 1922.

وتكرر النداء وازداد قبحا مع حرب 1948، وبدأ يتضح استغلال الصهيونية للمحافل الماسونية لمزاولة نشاطها بسرية.

بعد ثورة يوليو 1952، التقى الرئيس جمال عبد الناصر فى الأسكندرية، برؤساء المحفل الماسوني، استمع إليهم لمدّة ساعةٍ حول نشاط الماسونيّة فى مصر، وفى مساء اليوم ذاته، أمر بإغلاق أهم وأكبر محفل فى العالم العربي، محفل الإسكندريّة، واعتقال أعضاء هيئته.

بداية الستينات، طلبت الجمعيات الماسونية تسجيل تنظيماتها حوالى 26 محفلا، معظمها يونانية -  بوزارة الشئون الاجتماعية، فطلبت الوزارة تطبيق قانون الجمعيات عليها، والذى يُخضع كل الجمعيات لإشراف الوزارة، ويعطيها حق التفتيش على أعمال الجمعيات للتأكد من عدم مخالفتها للقانون، ورفضت المحافل الماسونية، قائلة إن ذلك يتعارض مع السرية التامة التى تعيش فيها.

شمل القرار الذى أصدرته حكمت أبوزيد سنة 1964 حل: المحفل الماسونى اليونانى، محفل خوفو فى القاهرة، المحفل الأكبر الوطنى لوادى النيل بالإسكندرية وفروعه بالإسماعيلية، وجمعية الشرق الأكبر المصرى وفروعها فى بورسعيد والقاهرة والإسماعيلية، والجمعية الخيرية الماسونية بالمنصورة، ونص القرار على أن تقوم مديريات الشئون الاجتماعية بتصفية الجمعيات، وتوجيه أموالها لمعونة الشتاء.

 


 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد