د. زكى سالم: طه حسين قال لمحفوظ كلامك غير مفهوم!

فى سن الصبا والشباب الباكر كان الهاجس الوحيد الذى يلح على زكى سالم الطالب بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة هو أن يلتقى بأديب مصر والعرب الكبير نجيب محفوظ، وأن

فى سن الصبا والشباب الباكر كان الهاجس الوحيد الذى يلح على زكى سالم الطالب بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة هو أن يلتقى بأديب مصر والعرب الكبير نجيب محفوظ، وأن يقترب منه وأن يعرفه عن قرب.. وأدرك زكى سالم -وهو الشاب الجامعى النابه وقتها- أن التعرف على نجيب محفوظ والقرب منه لن يحتاج منه جهدا ولا وقتا ينفقه للقائه، فالرجل بسيط ومتواضع وزاهد ويبدو دائما من آحاد الناس مع أنه ذلك العملاق الكبير الذى قدمته مصر وحضارتها العظيمة للعالم أجمع.. الدكتور زكى سالم أستاذ الفلسفة يتحدث للإذاعة والتليفزيون فى حوار ممتد عن نجيب محفوظ الإنسان العظيم والمبدع الكبير.

أخى زكى سالم

يقول زكى سالم: أدركت جيدا فى ذلك العمر المبكر من حياتى أن نجيب محفوظ ذلك المبدع الكبير الاستثنائى هو فى غاية البساطة والتواضع وأن التعرف إليه بسيط كبساطته وطيبته وتواضعه، وببساطة شديدة استيقظت مبكرا جدا وذهبت إلى حيث عنوان منزله بالعجوزة، بعد أن عرفت خط سيره وانتظرته فى الناحية المقابلة لمنزله على كورنيش النيل، وكنت أعلم أنه يستيقظ مبكرا ويخرج من منزله فى السادسة صباحا ليمارس هوايته الأثيرة فى المشى لمسافات طويلة.. وحين عبر الشارع اتجهت إليه واقتربت منه ومددت له يدى مصافحا فمد يده لى بترحاب، وأنا أقول له أهلا بحضرتك أستاذنا الكبير أنا زكى سالم طالب بقسم الفلسفة بآداب القاهرة، فقال لى بكل تواضع: أهلا يا أستاذ زكى ومشيت بجواره فإذا به يتكلم معى فى أمور وموضوعات شتى عن الجامعة والدراسة وقسم الفلسفة وكأننى صديق قديم له، وفى نهاية جولة المشى الطويلة دعانى أن أنضم إلى ندوته بكازينو قصر النيل كل يوم جمعة لأصبح بعدها واحدا من أسرة محبى نجيب محفوظ ومريديه.. وأقول لزكى سالم: ربما كان قسم الفلسفة الذى سبقك إليه الأستاذ بما يقرب من نصف قرن هو الذى قربك إليه أكثر وجعل بينك وبينه مشتركا إضافيا فيجيب: كل شخص اقترب من نجيب محفوظ كان يشعر أنه الأقرب إليه، فهذا الرجل كانت لديه قدرة عجيبة على أن يشمل الجميع بعطفه وأبوته وتشجيعه، وقد شملنى بهذا العطف وهذه الأبوة، ومظاهر عطفه وتشجيعه كانت كثيرة منها أنه مثلا رحب بكل تواضع ومحبة أن يكتب مقدمة مجموعتى القصصية الأولى «عين العقل» وطبعا ساعتها خجلت أن أطلب منه أن يكتب تلك المقدمة، لكن الذى اقترح هذا المطلب الغالى كان الأستاذ يوسف القعيد ووافق الأستاذ بكل بساطة وأملى المقدمة على القعيد، وفى بدايتها يقول: أرى أن ما قرأت لأخى زكى سالم«يدل على أصالة».. ثم واصل كلامه وتخيل حجم التشجيع وعظمة التواضع والمحبة وهو يقول أخى زكى سالم.

 محفوظ ودائرة المعارف البريطانية

هنا أعود لأقول بمناسبة السؤال عن قسم الفلسفة إن محفوظ التحق بهذا القسم عام 30 وتخرج فيه عام 34، وكان القسم كله يضم أربعة طلاب فقط هم نجيب محفوظ وتوفيق الطويل ومحمد على عيسى وعبد الهادى أبو ريدة، وتخيل معى أنه فى ذلك الوقت كان يدرس لهم باللغة الفرنسية أساتذة من السوربون ويدرس لهم أساتذة إنجليز باللغة الانجليزية وأساتذة مصريون كبار مثل مصطفى عبدالرازق ومنصور فهمى باللغة العربية.. وبعد تخرجهم أراد أربعتهم أن يواصلوا الماجستير والدكتوراه، وفعلا أصبح زملاء محفوظ الثلاثة أساتذة فلسفة كبارا وهو نفسه سجل للماجستير لمدة عامين فى الفلسفة الإسلامية تحت إشراف الشيخ مصطفى عبدالرازق، لكنه وجد نفسه بعد ذلك محتارا بين أن يخلض للعمل الأكاديمى أو يخلص للأدب الذى بدأ يعلن عن نفسه فيه بكل قوة وينبئ عن مشروع روائى عظيم وعالمى كما حدث فعلا، بالإضافة إلى أنه كان قد حصل وقتها بعد تخرجه مباشرة على وظيفة حكومية مضمونة الراتب ليجد محفوظ نفسه بين اختيار أن يواصل طريقه الأكاديمى والماجستير ثم الدكتوراه، وبين أن يخلص للأدب وللوظيفة الحكومية.. ومن حسن حظنا جميعا بل حظ كل محبى الأدب فى العالم أن محفوظ اختار الأدب والوظيفة وفضلهما على الطريق الأكاديمى، وفى حقيقة الأمر - يواصل زكى سالم - أننى كنت ومازلت مندهشا تماما وأرى أنها غريبة من تلك الغرائب التى يمكن أن نكتشفها فى شخصية محفوظ الاستثنائية أن يستطيع الرجل أن يصبر على الوظيفة الحكومية، بل أن يخلص لها من عام 34 إلى عام 71 فلنا أن نتصور قدرته العظيمة على الإبداع وعلى القراءة الموسوعية فى كل المجالات ومع ذلك يستنزف وقتا كبيرا يضيع منه فى عمله كموظف يتلقى أوامر من رؤسائه، وأنا أندهش كيف احتمل محفوظ أعباء الوظيفة الحكومية بهذا الشكل "وازاى قدر يبقى موظف كل هذه السنوات" فى نفس الوقت الذى استطاع فيه أن يواصل إبداعه العظيم.. وبالمناسبة -يضيف زكى سالم-: محفوظ كان مثقفا وقارئا موسوعيا بكل المقاييس، ومرة قرأت مقالا عنه يقول إنه قرأ دائرة المعارف البريطانية كلها وهو أمر يصعب تحقيقه ومن ثم تصديقه بالمعايير الطبيعية وسألته وقتها عن هذا الأمر وقلت له: يا أستاذ أعتقد أن كاتب المقال قد بالغ بعض الشىء فيما كتب، فقراءة دائرة المعارف أمر صعب جدا، فكيف يمكن قراءة هذا الكم الهائل من المعلومات فى كل التخصصات مثل التاريخ والجغرافيا والأدب والعلوم وغيرها، وأجابنى محفوظ: لا لم يبالغ فقد كنت أقرؤها بانتظام ووضعت لها جدولا ولكن كان هناك بعض الجوانب البسيطة التى لم أستطع استيعابها فكنت أعبرها وأتركها.

وأنا أعتقد أن من ألفوا وكتبوا هذه الموسوعة لم يتخيلوا أبدا أن شخصا واحدا فى العالم كله سيقرأها كلها.

 مع طه حسين والحكيم

ولا يغادر زكى سالم الحديث عن الدراسة والقراءة قبل أن يشرح حكاية التحاق محفوظ بقسم الفلسفة ليقول: كان محفوظ محبا للفلسفة ويرى أن هناك رباطا وثيقا بينها وبين الحياة بشكل عام والأدب بصفة خاصة، ووقتها كان عميد كلية الآداب الدكتور طه حسين يقابل كل الطلبة الجدد الملتحقين بالكلية وبأقسامها المختلفة مقابلات يتبين له منها مستويات الطلبة الجدد، وحين التقى بالطالب نجيب محفوظ عبد العزيز وسأله عن سر رغبته فى الالتحاق بالفلسفة أجابه محفوظ بكلام كثير عن الفلسفة وعن سبب رغبته فى الالتحاق بها وعن دورها فى اكتشاف أسرار الوجود، فقال له طه حسين بعد أن سمع إجابته على سبيل المزاح الجميل إنت لازم تدخل فعلا قسم الفلسفة علشان كلامك مش مفهوم.

 يواصل د. زكى سالم: فيما بعد أصبح نجيب محفوظ وطه حسين صديقين وكتب طه حسين عن ثلاثية محفوظ مقالات فى غاية الأهمية والتقيا عدة مرات، وكان محفوظ يصطحب عند لقاءاته بطه حسين صديقه ثروت أباظة ليجلسا فى حضرة عميد الأدب العربى، وقد ذكر نجيب محفوظ أكثر من مرة أنه تأثر عند كتابته للثلاثية برواية طه حسين "شجرة البؤس" وهى رواية أجيال أيضا كالثلاثية، ولكن المعروف طبعا أن أقرب الأدباء والمفكرين إلى قلب أديب نوبل هو توفيق الحكيم الذى كان محفوظ يعتبره أستاذه وكان يكن له محبة كبيرة ومودة وقربا إنسانيا كبيرا، وقد تشرفت بحضور أكثر من لقاء جمع بين محفوظ والحكيم، وأجزم أن طريقة التعامل بينهما وصداقتهما تكاد تكون أفضل علاقة صداقة فى الوسط الأدبى والثقافى المصرى عبر تاريخه لأنها علاقة طويلة جدا استمرت قرابة نصف قرن وهى صداقة حقيقية بلا مصالح وتنسف فى رأيى المثل الدارج الشهير الذى يقول "ما عدوك إلا ابن كارك".. تبين لنا هذه الصداقة كم كان هذان الكبيران متجاوزين لمثل هذا الكلام الصغير، وحين كتب توفيق الحكيم البيان الشهير الذى ينتقد تأخر السادات فى اتخاذ قرار الحرب ضد إسرائيل عام 1971 كان ثانى الموقعين مباشرة بعد الحكيم هو نجيب محفوظ، وقد عوقب الحكيم ومحفوظ وقتها بمنعهما من الكتابة ومن الظهور الإعلامى فقط دون رفتهما أو نقلهما من العمل كما حدث مع باقى الموقعين، للمكانة الأدبية الكبيرة للعملاقين التى كان السادات يدركها جيدا.. كان الحكيم ومحفوظ يتكلم كلاهما عن الآخر كلاما عظيما وكان بينهما تقدير عميق متبادل وكان الحكيم رجلا حكاء يحب أن يحكى بالساعات وربما يكرر نفس الحكايات التى يحكيها أكثر من مرة، بعكس محفوظ الذى كان يحب أن يستمع ولا يتكلم إلا إذا سألناه.. ومرة سألت محفوظ: هو حضرتك كيف احتملت وتحتمل سماع نفس الحكايات من الأستاذ توفيق الحكيم على مدى عقود فأجابنى قائلا: هو راجل دمه خفيف ويحكى بطريقة لطيفة وأنا أحبه، وقبل فوزه بنوبل كان محفوظ يقول لنا دائما إنه لا يصح أن يرشح الأدب العربى لجائزة نوبل غير الأستاذ توفيق الحكيم.

 ندوات محفوظ

 وأسأل الدكتور زكى سالم عن  ندوات محفوظ ليقول: استمرت ندوات الأستاذ على مدى عقود طويلة من الثلاثينيات أيام الحرافيش وما قبلها، وندواته هى بالأساس ندوات عامة من حق أى مصرى أن يحضرها وهو كان عامل الندوات علشان يسمع الناس مش جاى يعمل محاضرة وكانت تتناول موضوعات أدبية وسياسية عامة، كان الأستاذ فى كل ندواته يحب أن يسمع الآخرين، وهو فى سيره فى الشوارع وجلوسه على المقاهى كان يحب أن يسمع الناس أيضا، وتفسيرى لذلك هو أن الرجل كان يركز فقط فى إبداعه، فيبدو وكأنه يحتفظ بكل كلامه لهذا الإبداع ومع ذلك فلم يرفض الرجل سؤالا لأحد من أصدقائه ومريديه، وحين كنا نحب أن نستمع إليه كنا نسأله ليجيب فنسمع بمنتهى التركيز والمحبة.. ومحفوظ فى ندواته كان عكس العقاد تماما فى صالونه وقد أخبرنى أصدقاء كثيرون ممن حضروا صالون العقاد أن العقاد فقط هو الذى كان يتكلم خلال جلسة الصالون وليس مسموحا لأحد من الحاضرين إلا أن يسأل فقط ليجيب العقاد.

 أحلام فترة النقاهة

وأسأل زكى سالم عن الأعمال التى كانت أقرب إلى قلب محفوظ من إبداعاته العظيمة فيجيب: سُئل الأستاذ كثيرا فى سنواته الاخيرة عن أحب أعماله إلى قلبه فقال إنها "الثلاثية" و"ليالى ألف ليلة" و"الحرافيش".

وكأن زكى سالم وجدها فرصة ليتحدث كثيرا عن أهم أعمال نجيب محفوظ إليه هو شخصيا كواحد ممن عشقوا أدب محفوظ وتخصصوا فى تحليله وقراءته ليستفيض قائلا: أرى أن "أحلام فترة النقاهة" هى العمل الأهم والأكثر خلودا فى تاريخ الأدب العربى كله،وقد امتدت المساحة الزمنية لكتابة هذا العمل لأكثر من عشر سنوات كتبها محفوظ بعد أن تجاوز الثمانين من عمره، ووضع فيها كل خبرته ومعرفته الواسعة وثقافته الموسوعية، وليست عظمة هذا العمل الاستثنائى الفريد فى تيمة أو تكنيك استخدام الحلم فى الكتابة فقد سبق محفوظ واستخدم الحلم فى عمل سابق هو "رأيت فيما يرى النائم"، لكن تجربة "أحلام فترة النقاهة" كانت مختلفة تماما فقد كتب محفوظ أكثر من خمسمائة حلم كانت خلاصة تجربته وفلسفته الإنسانية فى الحياة وهنا أقول: إن جانبا من جوانب عظمة "أحلام فترة النقاهة" هو أنها تسمح للمتلقى أن يقوم بعملية إبداعية موازية ومساوية لإبداع المبدع نفسه تسمح له بأن يقوم بتفسير الحلم من وجهة نظره وهو ما يستلزم درجة كبيرة من الوعى لكى يفهم المتلقى مقصد الحلم الذى كتبه محفوظ، ولهذا السبب نجد مثلا أنه أيا كانت ثقافة ودرجة وعى من يقرأ أعمالا أخرى لمحفوظ أو غيره فقد يصل إلى درجة استيعاب ما حتى لو كانت بسيطة لكن فى الأحلام فإن كثيرين من محدودى الوعى والقراءة لم يستوعبوا بأى درجة حين قرأوا بعض الأحلام وقد تكلمت مع الأستاذ فى هذه القضية وفى الأحلام بشكل عام وفى فكرة أن هناك شبابا قرأ الأحلام ولم يفهمها فأجابنى قائلا: إن هذا الأمر راجع إلى طبيعة الحلم نفسه.

وقال محفوظ: إنه طوال حياته يلتقى بكل الناس فى المقاهى والشوارع وكان يستمد مادته الحية فى إبداعه من الحياة نفسها وكان يشكل منها خياله وعمله الإبداعى والأدبى لكن بعد حادث الطعنة الغادرة أصبح محفوظ خاضعا لحراسة من رجال الأمن وأصبح مقيد الحركة والحرية.

بالإضافة إلى أن قدرته على الرؤية والسمع أصبحت محدودة بحكم التقدم فى العمر، ولذلك وبدلا من أن يستخدم مادة الحياة استخدم مادة الحلم، وهنا يصبح الحلم بذرة للخيال فهو يضيف الخيال إلى الحلم.. وأذكر هنا ما قاله لى نصا: "أعتبر الحلم بذرة أستخدمها لكى أبدع منها العمل الفنى"، فالحلم يمثل شيئا فى داخله وهو يحلم بأشياء من داخله يصحو من نومه فيتذكرها ليعيد تشكيلها فى عمل فنى بحيث يكون للأحلام دلالات ومعانٍ، والمعروف أن الإنسان منا يمر بمراحل أثناء نومه فهناك نوم عميق، وحين يحلم الإنسان أثناءه لا يتذكر من حلمه شيئا، أما مرحلة ما قبل الاستيقاظ فهى التى يتذكر الإنسان أحلامه خلالها، ولذلك فإنه كلما زاد تذكر الإنسان لأحلامه وزادت درجة هذا التذكر يصبح الأمر ملكة يمكن تقويتها وهو ما حدث بالضبط بالنسبة لمحفوظ فقدرته على تذكر الأحلام أصبحت قوية جدا فقد كان ينام فيحلم ثم يصحو فيتذكر أحلامه ليستخدمها كبذور لعمل الأحلام فى صورتها الإبداعية، وهو كان يحلم من ذكرياته القديمة الكثير، فقد حلم كثيرا بسعد زغلول والنحاس ووالدته وأسرته.. كل هؤلاء ظهروا فى أحلامه التى حلمها والتى كتبها بلغة شعرية مكثفة، وقد قال لى بالحرف: "شفت سعد زغلول فى أحلامى أكثر من مرة"، وقد رأى أيضا فى أحلامه زكى نجيب محمود وحسين فوزى ووالدته التى ظهرت عدة مرات فى أحلامه التى رآها فى نومه فعلا ثم شكل منها بعدها "أحلام فترة النقاهة" كما قرأناها.. ويضيف زكى سالم: قيمة هذه الأحلام الفنية والجمالية عالية جدا،ومن الغريب العجيب أن كتاب الأحلام ظهر باللغة الإنجليزية صدر قبل أن يظهر بالعربية، فقد صدر خمسون حلما فى كتاب بالإنجليزية، فالغرب تنبه جيدا لأهمية الأحلام وتميزها وفرادتها بينما لم تأخذ حتى الآن الاهتمام اللائق بها فى وسطنا الأدبى والثقافى المصرى والعربى، وأنا شخصيا أعتبر الأحلام هى أهم الأعمال فى تاريخ الأدب العربى كله فهو عمل مختلف ومميز ولم يلق ما يستحقه من اهتمام نقدى، والغريب أن محفوظ أخبرنى حين عرف اهتمامى الخاص بهذا العمل أنه كثيرا ما كان يحلم أحلاما فيصحو من نومه ويفكر فيما حلم به كثيرا ويحاول إعادة تشكيله كغيره من أحلام لكنه كان يفشل فى ترجمة الحلم وتشكيل عمل فنى منه فيتركه ولا يعود إليه مرة أخرى.

وما الفرق بين الأحلام وأصداء السيرة الذاتية؟ يجيب الدكتور زكى: فى كل نص من نصوص الأصداء هناك تجربة حياتية، وفى كل نص من الأحلام هناك حلم، فالأصداء كتبها محفوظ من تجاربه وحياته الشخصية والشيخ عبد ربه التائه بطل الأصداء هو نجيب محفوظ نفسه الذى أوتى الحكمة يقولها للناس بعد أن عاش عمرا مديدا وهو يطلق على نفسه بكل تواضع لقب "التائه"، بينما فى حقيقة الأمر هو الحكيم.. إنه تواضع الكبير الحكيم الذى عرفناه وعهدناه وخبرناه دائما لدى الأستاذ لكن ثمة تشابها بين أصداء السيرة الذاتية وأحلام فترة النقاهة يتجلى فى تلك اللغة الشعرية وذلك التكثيف فى الكتابة وهو أمر امتاز به محفوظ فى سنواته الأخيرة.

وبمناسبة تواضع الأستاذ أذكر هنا أننى كنت أجلس معه على رصيف  أحد المقاهى بالعجوزة ودخل علينا شاب وسلم على الأستاذ ورجاه أن يسمع منه قصة قصيرة كتبها ورحب محفوظ، فإذا بالشاب يقول كلاما ركيكا ولا يجيد حتى قراءة ما كتبه من ركاكة، بينما الأستاذ يطلب منه أن يرفع صوته وهو يسمع باهتمام بالغ ويومئ وكأنه يستزيده ثم يقول له حاول أن تكتب كثيرا والشاب سعيد جدا باستماع الأستاذ لقصته الركيكة، وفى ذلك الوقت كنت أكتب القصة القصيرة "منذ سنوات بعيدة" لكننى كنت أخجل أن أسمع محفوظ قصصى خوفا من ألا تعجبه، فلما وجدته يشجع هذا الشاب الذى لا يعرف كيف يكتب قلت للأستاذ حضرتك تشجع حتى هذا العابر الذى يجهل كيفية الكتابة من الأساس: حيث كده يا أستاذ أرجو أن أقرأ عليك قصة قصيرة لى فاندهش وقال لماذا لم تسمعنى قصصك من زمان وبدأ ينصت لى وأنا أقرأ عليه، ومن يومها قرأت على الأستاذ أغلب ما كتبت.

وبالمناسبة نجيب محفوظ فى سنواته الأخيرة بعد أن بدأ يفقد قدرته على القراءة كان الكثيرون يطلبون منه أن يقرأ أعمالهم وأن ينصحهم، وأذكر أنه كانت ترد إليه أعمال إبداعية كثيرة وكان يطلب منى أو من غيرى من المقربين لديه أن نقرأ له فقط بضع صفحات ربما لا تتجاوز الثلاث أو الأربع على أقصى تقدير ومع ذلك كان الرجل يدرك طبيعة ومغزى الكتابة ويقدم للجميع نصائحه وكأنه- لفرط خبرته وتجربته العظيمة فى الإبداع- قد أصبح ذواقة لكل ما يعرض عليه من كتابة، وكان يعرف من خلال صفحتين أو ثلاث مستوى الكاتب وما ينقصه وما لا ينقصه فى تكنيك الكتابة تماما مثل الشخص الذى تتم الاستعانة به لمعرفة مدى جودة الطعام نتيجة أنه يملك ملكة التذوق.

 الحرافيش وأولاد حارتنا

وأسال زكى سالم عن ما سمعه من محفوظ عن عمله الذى أثار جدلا كبيرا وهو "أولاد حارتنا" فيجيب: فى لقاء لمحفوظ مع فاروق شوشة رحمه الله فى برنامج "أمسية ثقافية" قال محفوظ عن "أولاد حارتنا" إنها رواية وليست كتاب تاريخ، وضرب مثلا بكتاب "كليلة ودمنة" الذى ترجمه ابن المقفع فى القرن الثانى الهجرى وفيه حكايات عن الحيوانات كالأسد والثعلب وغيرهما، فهل نأخذ مثل هذا الإبداع على أنه يتكلم فعلا عن الحيوانات أم أنه عمل رمزى.. وهنا أقول إن "أولاد حارتنا" لها مستويان أحدهما مرتبط بالجزء المادى عن الفتوات الذين يتحكمون فى الحارة ويرمز بهم للحكام الظالمين.

أما الجزء الثانى فهو ما ذكر فى حيثيات نوبل عن فوزه بالجائزة من أن العمل يرصد التطور الروحى للإنسان، هذان المستويان يؤكدان سذاجة الطرح القائل بأن الرواية تعرض لتاريخ الأديان، والحقيقة أن هذا الطرح الساذج يظلم محفوظ، وهو طرح قدمه المتطرفون وادعوا على الأستاذ العظيم أنه فاز بنوبل بسبب ما ادعوه زيفا وبهتانا أن فى الرواية إلحادا، فيما ادعى جانب آخر من الحاقدين أنه فاز بنوبل بسبب موقفه من السلام مع إسرائيل، وما لا يعرفه هؤلاء السذج أو يعرفونه ويتغافلونه هو أن رواية "أولاد حارتنا" لم تكن هى الوحيدة التى فاز محفوظ عنها بنوبل، فهناك أربعة أعمال أخرى جاءت فى حيثيات فوزه بالجائزة وهى "الثلاثية" و"زقاق المدق" و"ثرثرة فوق النيل" والمجموعة القصصية "دنيا الله".. والمؤكد تماما أن محفوظ كان يستحق الجائزة منذ سنوات طويلة لكن ما أخرها عنه هو تأخر ترجمة أعماله، ويكفى لتبين عظمة إبداع هذا الرجل أنه فاز بنوبل عن أعماله التى كتبها فى الأربيعينيات والخمسينيات والستينيات بعد أن ترجمت متأخرا جدا، بينما مثلا ملحمة "الحرافيش" التى هى واحدة من أعظم أعماله قد أصدرها عام 77 ولم تقرأها لجنة نوبل لأنها لم تصل إليهم، وبالمناسبة محفوظ كان يسمى "الحرافيش" بـ "رواية النصر" فقد بدأ كتابتها بعد حرب أكتوبر المجيدة مباشرة ولمدة أربعة أعوام، ولفظة "الحرافيش" فى الرواية تشير للناس الفقراء الطيبين، ولا علاقة لها بشلة الحرافيش، وبالمناسبة فإن الأستاذ كتب مجموعة "تحت المظلة" عام 71 وفيها إشارات عن نكسة يونيو التى كان محفوظ بعبقريته المتجاوزة قد تنبأ بها فى رواية "ثرثرة فوق النيل" عام 66 أى قبل حدوثها.. ومحفوظ فى كثير من كتاباته كان يبدو مستاء من  عبد الناصر وسياسته، فيما تراوح موقفه من السادات بانتقاده فى بداية عصره ثم برضاه الكبير عنه بعد نصر أكتوبر ثم العودة لنقده كثيرا مع تطبيقه لسياسة الانفتاح الاقتصادى. والحقيقة التى يعرفها الجميع هو أن نجيب محفوظ هو ابن ثورة 19.

كان طفلا لم يتجاوز الثامنة من عمره بعد حين كان يشاهد الاشتباكات بين الثوار وجنود المحتل الإنجليزى من شرفة بيتهم بميدان بيت القاضى بالجمالية الواقع بجوار قسم الشرطة. وعايش نهضة فكرية كان طه حسين وسلامة موسى ومصطفى عبد الرازق ولطفى السيد يشكلونها ويمثلونها واقتصادية مثلها طلعت حرب فى النصف الأول من القرن العشرين وعايش حياة ديمقراطية رغم أنها لم تكن كاملة لكنها أنتجت على سبيل المثال دستور سنة 1923. وحياة حزبية فيها الكثير من الحيوية، ثم فوجئ بعد ثورة 52 بأن هناك من يتعمد تشويه ثورة 19 ولذلك كان محفوظ كثيرا ما يقول: أنا ابن ثورة 19.

وبالمناسبة كتب محفوظ وأبدع رواية "أمام العرش" وعقد فيها محاكمة لكل حكام مصر عبر التاريخ، وفيها مدح كثيرا سعد زغلول والنحاس بينما قدح عبد الناصر والسادات وقال فيهما كلاما كثيرا ومع ذلك لم يغفل ذكر أية إيجابيات لهما خاصة نصر أكتوبر بالنسبة للسادات.

 نوبل وحادث الطعنة

 أسأل زكى سالم عن الحدثين الأهم فى حياة محفوظ نوبل وحادث الطعنة ليقول: حين حصل على نوبل زادت ضغوط الإعلام والكتاب والمبدعين والصحفيين عليه ولم يكن يجد وقتا لعمل أى شىء، وكان لابد أن يكتب كلمته التى ستقال عند مراسم تسليم الجائزة وأشفقت عليه كثيرا وقلت له كيف ستكتب الكلمة يا أستاذ، فقال لى: "أنا عارف هاكتبها إزاى" وبذكاء شديد ذهب إلى الاسكندرية لمدة يومين فقط ليكتبها على أعظم ما يكون أدبيا وسياسيا وإنسانيا وهى تستحق أن تدرس بالمدارس والجامعات ولو اجتمع كتاب مصر والعرب ما كتبوها بهذه الروعة والشمول والعمق".

 أما عن حادث الطعنة فيقول: الأستاذ لم يتأثر بحادث الطعنة على المستوى النفسى لكنه تأثر جسديا ولم يعد يستطيع الكتابة وضعف بصره وسمعه لكن الله منحنا 12 عاما فى عمر محفوظ ليبدع لنا "أحلام فترة النقاهة".

وأخيرا يقول زكى سالم: اختصنى الأستاذ بأن تناولت العشاء معه فى بيته كثيرا، وكان عشاؤه بسيطا جدا، فقد كان زاهدا بالمعنى الحقيقى للكلمة، ومن حسن حظى أننى قد استضفته فى بيتى وهو كان دائما ما يلبى دعوات أصدقائه حين يعزمونه فى بيوتهم. ولا ينتهى الكلام عن نجيب مصر الخالد فانتظرونا فى الحلقة القادمة.

 


 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - ساعة مغرب

شباك قديم أخضر، يبدو مثل نبتة وسط الطوب، يطل بالورب على زينة رمضان المائلة . واربته الطفلة قليلا، فرجة على...

كمال القاضى: لا يمكن أن ننفصل عن تجاربنا الحياتية أثناء الكتابة

أكد الناقد الأدبي والسينمائى كمال القاضى، الذى أصدر مجموعته القصصية الجديدة بدون أوراق رسمية"، إنه تعمد أن يصدم القارئ في...

تفاصيل ومشاهد وذكريات 4195 يومًا فى دبى

مناطق تراثية حافظت على أصالتها رغم التحديث الشامل

أحمد عبد اللطيف: الكتابة حياتى

الفائز فى أى جائزة هو الكتاب وليس الكاتب باسمه شخصياتى وحيدة لأن الوحدة مرض العصر


مقالات

دليل الأمان الصحي مع كحك العيد
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 09:32 م
العيدية.. طبق مملوء بالدنانير الذهبية
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 06:00 م
قيم الأخبار والذكاء الاصطناعي
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 12:10 م
قصر محمد علي بشبرا الخيمة
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 09:00 ص