الرجل الثالث قصة الحب الأخير فى حياة فاتن حمامة

بمقاييس الجمال الأنثوية التقليدية لم تكن فاتن حمامة هى الأجمل فى جيلها، وإذا وضعتها فى مقارنة مع صاحبات الجمال الخاطف كهند رستم وهدى سلطان وكاميليا مثلا فلن تكون

بمقاييس الجمال الأنثوية التقليدية لم تكن فاتن حمامة هى الأجمل فى جيلها، وإذا وضعتها فى مقارنة مع صاحبات الجمال الخاطف كهند رستم وهدى سلطان وكاميليا مثلا فلن تكون المقارنة فى صالحها، فما الذى جعل فاتن هى الحلم والنموذج والنجمة الأكثر ألقا وسحرا؟!

يمكننا أن نعثر على إجابات وجيهة للسؤال، فى مقدمتها هذا القبول الربانى، وتلك الموهبة الفذة المسنودة بدراسة علمية وبذكاء متقد وحس فطرى سليم وطموح عارم، ثم ذلك الجمال الهادئ المُقطر الذى يتسرب إليك بنعومة فإذا به يسيطر عليك ويأسرك ويخطف قلبك ويستعمر روحك.

لكن يبقى السبب الأهم والأخطر، وهو أن نجومية فاتن صُنعت على أعين الناس، منذ أن أطلت عليهم وهى طفلة مع عبد الوهاب فى فيلمه "يوم سعيد" (1940)، ثم بعدها بسنوات أربع فى "رصاصة فى القلب"، ومن حينها اعتبرها المصريون هى ابنتهم ومعجزتهم السينمائية، فراحوا يتابعون مسيرتها بشغف ويدعمون رحلة صعودها بحماس ويترقبون طلتها بفرح ويسعدون لنجاحها تماما كما يفعلون مع بناتهم.

إنها نجمة بالانتخاب الشعبى الحر، صناعة شعبية خالصة، تماما مثلما حدث مع سيد درويش فى الموسيقى، وأم كلثوم فى الغناء، ويوسف وهبى فى المسرح، ومحمود مختار فى النحت، ونجيب محفوظ فى الرواية.

 (1)

ولأن فاتن كانت واعية بتلك الحقيقة ومعتزة بها وفخورة، فإنها كانت حريصة على أن تظل "بنت الناس" المحبوبة المدللة، وهو ما حدد اختياراتها الفنية طويلا، فلزمت الأدوار الملائكية البريئة، إدراكا منها أن جمهورها العريض لن يقبل من ابنته غيرها، ولذلك عندما تستعرض أفلامها الأولى لن تجد لها أى مشهد خادش لتلك الصورة.. وهو ما عرضها لانتقادات تصاعدت وتيرتها ووصلت إلى اتهامات بأنها ممثلة الدور الواحد، أى دور البنت المظلومة الشريفة البريئة التى لا تعرف الشر ولا الغواية..

وعلى تلك الخلفية يمكن أن تفهم وتستوعب سر تلك الضجة الهائلة التى صاحبت فيلمها "صراع فى الوادي" عام 1954، لأن "بنت الناس" ونجمتهم البريئة وافقت على "قبُلة" مع الممثل الصاعد عمر الشريف!

ورغم أن "صراع فى الوادي" كان يحمل رقم 52 فى قائمة أفلام فاتن على امتداد 14 سنة منذ طلتها الأولى على شاشة السينما، فإنه كان الفيلم الأول الذى تسمح فيه فاتن بأن يقبلها ممثل، وربما يتعامل كثيرون من جمهور اليوم مع هذا الأمر باستخاف وتندر من فرط ما يشاهده من مشاهد ساخنة ربما كانت القبلات أخفها، ولكنه وقتها كان قنبلة هزت المجتمع المصرى، وتدافع الجمهور ليشاهد أول قبُلة لفاتن حمامة على الشاشة!

كسرت فاتن "العقد" بينها وبين جمهورها من أجل هذا الممثل الوسيم الذى خفق له قلبها، ورغم أنها خاضت تجربة زواج من مخرج مرموق مثل عز الدين ذو الفقار، إلا أنها اكتشفت أن علاقتها بعز لم تكن سوى إعجاب، وأن زواجها منه محكوم عليه بالفشل، وأنها تسرعت فى اختيارها بمشاعر فتاة مراهقة لم تنضج بعد، ومع ظهور عمر الشريف تولدت شرارة الحب، التى سرعان ما اشتعلت وتوهجت وجعلتها مستعدة أن تضع كل نجوميتها فى خدمته.. حتى ولو صدمت جمهورها وطبعت قبلة على شفاه بطلها الصاعد!

المؤكد أن فاتن أحبته وضحت من أجله وساهمت فى صناعة نجوميته، والمؤكد كذلك أن عمر الشريف لم يحب إلا نفسه، كان طموحه الفنى جارفا، ولم يرضِ غروره نجاحه الهائل فى السينما المصرية، واعتبره مجرد سلمة فى طريقه إلى هوليوود.. والسينما العالمية.

والمؤكد ثالثا أنه بعد أن راحت السكرة وجاءت الفكرة اكتشف عمر الشريف أنه أضاع المرأة الوحيدة التى أحبته بصدق، فحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن بعد فوات الأوان، فعاش نادما عليها حتى رحيله.

 (2)

حظيت قصة فاتن مع عمر الشريف بالنصيب الأكبر من الاهتمام، على حساب قصة الحب الأكبر والأعمق والأطول والأكثر نضجا فى حياة فاتن وقلبها، وعلى حساب الرجل الذى عشقها بصدق وكان لها السند والحضن ورحلت وهى ممتنة له وليس فى قلبها غيره .

من حق هذا الرجل أن نعيد من أجله كتابة سيرة سيدة الشاشة العربية، لنقول فى خلاصتها إنه كان الرجل الأول والأخير فى حياة فاتن حمامة.. إنه الرجل الثالث فى قائمة أزواجها بحكم الترتيب الزمنى فقط، لكنه كان الأقرب والأحب، رغم أنها لم تنجب منه، فقد كانت ابنتها "نادية" ثمرة زيجتها الأولى من عز الدين ذو الفقار، وابنها "طارق" هو الشاهد الحى على قصتها مع عمر الشريف، لكن الحب وحده هو الذى ربطها بالرجل الأخير فى حياتها.

 قصتها مع د. محمد عبد الوهاب كانت الأصدق والأعمق والأطول عمرا، فقد زادت على أربعين عاما ( 1975 2015 )، وعاشت معه سنواتها الأسعد والأجمل والأكثر استقرارا وراحة بال، ورحلت بين أحضانه، وطيلة سنوات زواجهما الطويلة لم يستثمر د. محمد عبدالوهاب شهرة زوجته ولا قدم نفسه يوما على أنه زوج أشهر فنانة فى العالم العربى، وحرص على أن يفصل دوما بين عمله وبين حياته الزوجية..

ووجدت فيه فاتن الرجل الذى طالما تمنته، إذ كان خليطا مدهشا من الشهامة والإنسانية والنجاح فى مهنته والعشق للفن والأناقة فى الشكل والعقل.. وفوق ذلك كان عاشقا حقيقيا لها.. فبادلته الحب والاحترام..وهنا أحكى موقفا شخصيا مع فاتن حمامة، فقد اتصلت بها عقب صدور كتابى (صانع الحب.. أوراق عز الدين ذو الفقار) عن المجلس الأعلى للثقافة فى العام 2003، وتضمن الكتاب فصولا مطولة عن تجربته مع فاتن زوجة وفنانة، وكانت آراؤه فيها تسعد أى امرأة، فقد كان يرى أن قائمة أجمل وأفضل ممثلة محجوزة حتى المركز الخامس لفاتن، ثم بعدها بمراحل يمكنك أن تذكر ممثلة غيرها!

وكنت أظن أنها ستسعد بالكتاب وسيكون لديها لهفة لتقرأ ما كتبه عز فى أوراقه عنها، والطبيعى أن تطلب توصيل نسخة من الكتاب على عنوانها وكنت  قد جهزتها بالفعل، لكنها برقة الدنيا شكرتنى على اهتمامى بعز وإصدارى  لكتاب عنه، فهو يستحق كل تكريم وتقدير كمخرج عبقرى، لكننى فوجئت بها تستأذننى أن أترك نسخة الكتاب عند صديقة مشتركة لتطالع صفحاته عندما تزورها، إذ لا تستطيع أن تُدخل الكتاب إلى بيتها حرصا منها على مشاعر زوجها، فلا يمكن لها أن تجرحه ولو بغير قصد عندما يجد فى يدها كتابا عن زوجها الأول!

وكان عليّ أن أحترم رغبة فاتن حمامة وأقدر أسبابها حتى ولو لم أستوعبها فى حينها، ثم أدركت ما كان خافيا عليّ من معان بعدما تكشفت تفاصيل قصة الحب المدهشة التى عاشتها مع هذا الرجل وحرصت طوال حياتها على أن تكون بعيدة عن العيون والأضواء، ولم تظهر جوانب منها للعلن إلا بعد رحيلها!      

 (3)

تزداد محبتك وتقديرك للدكتور محمد عبد الوهاب ( أستاذ الأشعة المرموق بكلية طب قصر العيني) عندما تعرف أن الرجل أوقف عمره أو بالأدق الأربعين عاما الأخيرة منها فى عشق فاتن حمامة، وكان مستعدا لأن ينفق ما تبقى له من العمر فى إحياء ذكراها.. وهو ما يتجلى فى موقفه مع مكتبة الإسكندرية!

بعد رحيل فاتن حمامة فى 17 يناير 2015 وجد زوجها الدكتور محمد عبدالوهاب (إيميلا) فى بريده الإلكترونى من الأستاذ أيمن منصور أحد أبرز المسئولين وقتها عن مشروع (ذاكرة مصر) بمكتبة الإسكندرية يطلب فيه مساعدة د. عبدالوهاب فى توثيق تاريخ سيدة الشاشة العربية، وبعد أيام وجد أيمن منصور اتصالا من الدكتور عبد الوهاب يستوضح منه ويستفسر عن ( ذاكرة مصر)، وشرح له: إنه مشروع مهم تتبناه مكتبة الإسكندرية لحفظ الذاكرة المصرية وتراثنا القومى من خلال توثيق سيرة الشخصيات المهمة فى تاريخ مصر الحديث، سواء كانت شخصيات سياسية أو اقتصادية أو ثقافية فنية، وبالطبع سيفوتها الكثير بدون توثيق حياة نجمة بقيمة وقامة فاتن حمامة أشهر ممثلة فى تاريخ السينما المصرية..وأبدى د. عبد الوهاب ترحيبا مبدئيا طالما أنه يخدم سيرة (فتونة) كما كان يدلل زوجته، وطلب أن يرسلوا له قائمة بما يحتاجونه من (أشياء) فاتن لتدخل (ذاكرة مصر).. وخلال أيام كان المشروع يعلن الطوارئ لعمل قائمة بما يودون الحصول عليه من أوراق فاتن وصورها وفساتينها ومتعلقاتها الشخصية، وتلقى أيمن منصور اتصالا من مكتب د. عبد الوهاب يحدد معه موعدا للقائه.. فالرجل كان مستعدا دوما لأن يجد وقتا بين مشاغله الطاحنة إذا تعلق الأمر بـ فاتن وفى اللقاء كان حاضرا المحامية المرموقة منى ذو الفقار ود. شريف عزمى أستاذ الوثائق بالجامعة الأمريكية (وابن الفنان القدير محمود عزمى).. وكان واضحا أن د. عبدالوهاب استعان بخبراء من المقربين ليؤكدوا له على جدية المشروع والقائمين عليه.. فمتعلقات فاتن لابد أن تكون فى الحفظ والصون.. ولما تأكد له ما أراد قرر أن يقدم (تركة) فاتن لمكتبة الإسكندرية، ويستأمن (ذاكرة مصر) على (قطع) من قلبه تحمل اسم فاتن وروحها وذكراها..

وتضمنت قائمة المتعلقات:

- أرشيف فاتن حمامة الصحفي.. ملفات متخمة بكل ما نشر عنها ومعها طيلة مسيرتها الفنية الممتدة وبالغة الثراء.

- مجموعة صور فوتوغرافية نادرة لسيدة الشاشة.

- مجموعة من متعلقاتها الشخصية تشمل نظارتها وقلمها وجواز سفرها وفساتينها الخاصة.

- بورتريها رسمه لها رسام مصرى شهير ويقدر ثمنه الآن بالملايين وكانت فاتن تعتز بها كثيرا ولذلك استعان د. عبدالوهاب برسام محترف لعمل نسخة طبق الأصل من البورتريه حتى لا يخلو بيته منه ..

لكن ربما ما توقفت عنده كثيرا فى متعلقات فاتن التى سلمها زوجها طواعية لمكتبة الإسكندرية هو برقية العزاء التى أرسلها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل إلى صديقه الدكتور عبدالوهاب يعزيه فى شريكة عمره.. البرقية كتبها هيكل على أوراقه الشخصية بتاريخ 20 يناير 2015 ويقول نصها: "أخى الدكتور محمد عبد الوهاب.. لا أعرف كيف أعزيك، ولا أعرف ماذا أقول لك، ولا كيف أقوله؟.. لكنى أعرف أنك تعرضت لمحنة أدعو الله أن يعينك على احتمالها، فأنت لم تفقد حبيبة قلبك فحسب، وإنما كتبت عليك المقادير أن تكون شاهد المأساة نبضا بعد نبض، ونفسا بعد نفس.. إنك قضيت عمرك فى تخفيف آلام الناس، والكشف عن مكان العلة فيهم، والآن فإن عليك أن تفعل ذلك مع نفسك، وذلك اختيار قاس ومؤلم، ومن سوء الحظ أن أصدقاءك من عارفى فضلك لا يملكون فى هذه اللحظات الحزينة أكثر من الدعاء والرجاء ولعل الله يتقبل.. أعانك الله وقواك، وشد من عزمك، وملأ قلبك سكينة وصبرا، وسلمت دوما.. محمد حسنين هيكل".

ما كتبه هيكل لم يكن برقية عزاء بليغة، إنما كانت شهادة صديق مقرب يوثق فيها علاقة الحب الأسطورية التى جمعت بين عاشق أبيض الشعر اسمه محمد عبد الوهاب.. وحبيبة كان اسمها فاتن حمامة !

 (4)

بعد رحيل فاتن سرت شائعة تهمس أن زوجها المحب ارتبط بإعلامية شهيرة، ورغم كثافة الشائعة وتعدد مصادرها لم أصدقها منذ الوهلة الأولى، فقد كانت منافية للمنطق، ولدموع الرجل التى هزت القلوب يوم جنازتها، ويبدو أن الرجل قرر أن يرد عمليا على الشائعة وأن يثبت إخلاصه لفاتن.. فلحق بها (صيف العام 2018)، وكأنه يقول إن دنياه انتهت بعد فاتن، وعليه أن يذهب إليها.. لتكون رفيقته فى الدنيا والآخرة!


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

السعودي شو وتجربة شراء اشتراك نتفلكس بطريقة أكثر اطمئنانًا

في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

ابتلى به الإنسان من بداية الخلق .. الاختيار مسئولية

بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية