رحلة بحث عن «السيدة رُقيّة» ساكنة مصر ومحبوبة المصريين

خمس من سيدات آل البيت يحملن هذا الاسم الغالى: "رُقيّة"، أولهن هى "رُقيّة" بنت النبى (ص) وخديجة رضى الله عنها، وزوجة عثمان ذوالنورين، وكانت قد تزوجت قبله من عتبة بن

 

خمس من سيدات آل البيت يحملن هذا الاسم الغالى: "رُقيّة"، أولهن هى "رُقيّة" بنت النبى (ص) وخديجة رضى الله عنها، وزوجة عثمان ذوالنورين، وكانت قد تزوجت قبله من عتبة بن أبى لهب، ولما طلقها بأمر أبيه تزوجت من عثمان وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم إلى المدينة المنورة، وولدت له ابنه "عبدالله" الذى مات صغيرا دون السادسة، وماتت وهى فى العشرين من عمرها يوم غزوة بدر، وكان النبى قد أذن لعثمان بالتخلف عن المعركة ليعتنى برقية فى مرضها، ولكن الموت خطفها (وكانت تصغر أختها الكبرى زينب بثلاث سنوات) ودفنت بالبقيع وبكاها النبى.

أما الثانية فهى "رُقيّة" بنت الإمام على، وأخت الحسن والحسين وزينب من أبيهم، أما أمها فهى الصهباء بنت ربيعة، وكانت من السبايا اللاتى أرسلهن خالد بن الوليد بعد فتوحات العراق، واشتراها الإمام على وتزوجها وأنجب منها "رُقيّة" و"عمر"، وتزوجت رُقيّة من ابن عمها مسلم بن عقيل، واستشهد أولادها فى كربلاء، وماتت ودُفنت كما يؤكد مؤرخون ثقات مثل ابن الحورانى وابن المبرد- داخل باب الفراديس بدمشق.

 والثالثة هى رُقيّة بنت الإمام الحسين، وتقول المرويات إنها كانت طفلة فى الرابعة حين استشهد والدها فى كربلاء، وحُملت مع نساء وأطفال آل البيت إلى قصر يزيد فى الشام، ولما كانت شديدة التعلق بأبيها فأنه جاءها فى المنام، وعندما استيقظت فى الليل بكت وأصرت بعقل طفلة أن يأتوا لها بأبيها، وتحول بكاؤها إلى صراخ أيقظ يزيد من نومه، فلما سئل عن هذه الجلبة قيل له إن بنت حسين الصغيرة رأت أباها فى نومها وهى تطلبه وتبكى وتصرخ، فطلب من جنوده أن يحملوا لها رأس أبيها لتنظر له وتتسلى، فلما رأته الطفلة فزعت وراحت تنوح وترثيه فى تفجع يفتت الأكباد، ثم وضعت فمها على فمه الشريف لتقبله، وحينها أغشى عليها، فلما حملوها وجدوها قد فارقت الحياة، فدُفنت فى مكان وفاتها بدمشق، ولها مقام معروف يزوره محبو آل البيت ويتبركون به.

والرابعة هى رُقيّة بنت زيد الأبلج، عمة السيدة نفيسة صاحبة المقام الشهير بمصر، ودُفنت بالبقيع فى المدينة المنورة على مقربة من قبر جدتها رُقيّة الكبرى بنت النبى (ص).

وأما رُقيّة الخامسة، موضوع حديثنا، فهى دفينة مصر وصاحبة المقام الشهير الذى يقع بين مشهدى السيدة نفيسة والسيدة عائشة، فى المكان الذى يسميه العارفون "بقيع مصر الصغير"، لكثرة ما دُفن فيه من الأشراف والأطهار والأخيار، وبينهم مثلا السيدة عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيل زوجة محمد بن أبى بكر الصديق، وكان واليا على مصر، وتزوجها بعد الصحابى الجليل وأحد العشرة المبشرين بالجنة الزبير بن العوام.. كذلك مشهد السيد على الجعفرى، حفيد جعفر بن أبى طالب المشهور باسم الطيار وأخو الإمام على عليه السلام.

(1)

والسيدة رُقيّة التى تشرفت بها أرض مصر هى رُقيّة بنت الإمام على الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الإمام الحسين، أى أنها حُسينية من نسل سيد الشهداء، ولم يكن مشهدها بين مقامى السيدة عائشة والسيدة نفيسة من قبيل المصادفة، فهى فى حما الأولى عمتها عائشة بنت جعفر الصادق، والثانية زوجة عمها (إسحق المؤتمن بن جعفر الصادق)السيدة نفيسة.

وكما التبس الأمر على المصريين فى شأن السيدة عائشة، فظنوا أن دفينة أرضهم هى أم المؤمنين عائشة بنت الصديق وليست عائشة بنت الإمام جعفر الصادق، فإن الأمر صار أكثر التباسا فى شأن السيدة رُقيّة، إذ لم يقتصر هنا على العوام بل امتد إلى المؤرخين والمتخصصين أنفسهم، فانقسموا بشأن "رُقيّة" المصرية، إذا جاز الوصف، فواحد بقيمة ومكانة الإمام الشعرانى، مؤرخا ومتصوفا، يؤكد فى الباب العاشر من كتابه الشهير "لطائف المنن" بأن المدفونة بمصر هى رُقيّة بنت الإمام على، وبنص كلامه: "وأخبرنى سيدى على الخواص (سيخه) أن رُقيّة بنت الإمام على كرم الله وجهه فى المشهد القريب من جامع دار الخليفة ومعها جماعة من أهل البيت، وهو معروف بجامع شجرة الدر، وهذا الجامع على يسار الطالب للسيدة نفيسة والمكان الذى فيه السيدة رُقيّة عن يمينه".. وهو رأى يجانبه الصواب، إذ الثابت والراجح أن ابنة الإمام على مدفونة فى دمشق.

ومؤرخة وباحثة بمكانة د. سعاد ماهر تذهب فى كتابها القيم "مساجد مصر وأولياء الله الصالحون" إلى أن صاحبة هذا الضريح هى رُقيّة بنت النبى (ص)، وتقول بنص كلامها فى الجزء الثانى من كتابها وهى تستعرض تاريخ الضريح ووصف طرازه المعمارى: "وهكذا نرى أن أحدا من المراجع على اختلافها لم يذكر شيئا عن صاحبة المشهد، وإن كان من المؤكد أنه لا بد وأن يكون من آل البيت وإلا لما أقام الخليفة الحافظ القبة الفاطمية التى ترجع إلى سنة 526 هجرية عليها، ولذلك فإننى أرجح أن تكون صاحبة المشهد هى السيدة الفاضلة رُقيّة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم وشقيقة السيدة فاطمة الزهراء التى تُنسب إليها الدولة الفاطمية ".. وهو رأى بعيد عن العقل والمنطق وعن ما هو ثابت وراجح عن دفن بنت النبى فى حياة أبيها ومدينته فى السنة الثانية من الهجرة.

ويمكننا أن نمد حبل الالتباس على استقامته عندما نذكر أن هناك من يشكك فى أن يكون المشهد الموجود فى القاهرة للسيدة رُقيّة يخص بنت الإمام الرضا، مؤكدين أنه للسيدة رُقيّة بنت عبدالله بن أحمد من حفيدات الإمام الحسين!

لكن رغم كل هذه الآراء المتضاربة فإن هناك من الأدلة المعتبرة والبراهين المُقدرة التى تثبت أن السيدة رُقيّة دفينة مصر هى رُقيّة بنت الإمام الرضا، وأن وجودها حق ومشهدها حقيقة، بالجسد لا بالرؤية:

1-بيت الشعر المكتوب والمحفور على باب ضريحها والذى يشير بوضوح إليها وبما لا يدع مجالا للشك أو الالتباس: بقعة شرفت بآل النبى / وببنت الرضا على رُقيّة.

2-المحراب الخشبى الأصلى للضريح والموجود الآن فى متحف الفن الإسلامى، والذى يرجع إلى زمن الدولة الفاطمية، حيث تشير الكلمات المنقوشة عليه بالخط الكوفى إلى أن التى أمرت بصناعة هذا المحراب وهذا التابوت الخشبى لضريح السيدة رُقيّة هى السيدة "علم الآمرية" زوجة الخليفة "الآمر بأحكام الله"، وكانت سيدة لها شأن ودور وتلقب ب "ست القصور"، وقد كلفت وكيلها "أبو تميم تراب الحافظ" ببناء المشهد والمحراب فى سنة 527 هجرية.

3-اهتمام الفاطميون بالضريح، والثابت أنهم كانوا من الحرص بحيث لا يهتمون بضريح ولا يبنون مشهدا على قبر إلا بعد تأكدهم من أن صاحبه او صاحبته ينتسبون إلى آل البيت وإلى نسل فاطمة الزهراء، مما يقطع بالوجود الجسدى لصاحبة المقام.


4-هذا الضريح الموجود فى القرافة الصغرى على مقربة منها والذى يشير إلى أنه يخص السيدة فاطمة بنت الإمام على الرضا، مما يؤكد أن الشقيقتين جاءتا إلى مصر ودُفنتا بأرضها، وذهب المؤرخون إلى أن ضريح "السيدة أسماء" المجاور لهما هو لخادمة السيدة رُقيّة، وهو ما يزيل الالتباس الطويل الذى جعل البعض يظن أنه للسيدة أسماء بنت عميس زوجة الإمام على وأم ابنته رُقيّة، وبالتالى ظنوا أن الأخيرة هى دفينة مصر، وهو أمر بعيد عن الصحة ووقائع التاريخ.

5-أن ضريح السيدة رُقيّة مدفون به كذلك الشيخ محمد رضا وزوجته السيدة زبيدة، وهما أصحاب البيت الذى استضافا السيدة رُقيّة عند قدومها إلى مصر، وفيه عاشت ودفنت.

(2)

لا تستطيع أن تقف على سيرة ممسوكة واضحة التفاصيل للسيدة رُقيّة بنت الإمام الرضا دفينة مصر، فأغلب الوارد عنها فى كتب المؤرخين لا يشفى غليلا، فلا تجد لها تاريخ ميلاد محددا سوى تخمين أنها من مواليد النصف الأول من القرن الثانى الهجرى، وأنها جاءت إلى مصر فرارا من تنكيل الدولة الأموية بآل البيت واضطهادهم والتضييق عليهم فى المدينة المنورة، وأنها ماتت صغيرة السن، وأنها كانت تقية ورعة ومن أصحاب الكرامات، ويرون مثلا أنها فى رحلتها من المدينة المنورة إلى القاهرة اعترض طريقها شخص من خصوم آل البيت وأراد قتلها، ولم تجد رُقيّة إلا أن ترفع بصرها إلى السماء مستغيثة ومستنجدة، وفى اللحظة التى رفع فيها القاتل سلاحه لينفذ جريمته شُلّت يده وتوقفت فى الهواء وسقط سلاحه ثم سقط ميتا.

ومن الصعب أن تعثر على تفاصيل السنوات التى عاشتها السيدة رُقيّة فى مصر، ولا التى عاشتها قبلها فى المدينة، ولكن هذا لم يمنع احتفاء المصريين بها، وبات ضريحها من مزاراتهم المفضلة طلبا للبركة، ولم يكن المسجد والمقام الذى بنته ست القصور زوجة الخليفة الفاطمى على ضريح رُقيّة هو الأخير أو الوحيد، فقد جدده الأمير المملوكى عبد الرحمن كتخدا، ثم أعيد تجديده فى زمن خديوى مصر عباس الأول.

وكان على باشا مبارك هو صاحب الوصف الأدق لمقام السيدة رُقيّة، وفى كتابه الشهير "الخطط الجديدة" يمكنك أن تقرأ ما كتبه عنه وعنها:  " يقع مشهد السيدة رُقيّة بجوار البوابة الموصلة إلى السيدة نفيسة بالقرب من جامع شجرة الدر، على يمين الذاهب من السيدة سكينة طالبا المشهد النفيسى".

" والتكية المعروفة بتكية السيدة رُقيّة هى غاية فى الخفة والنورانية، وبداخلها ضريح السيدة رُقيّة يعلوه قُبة لطيفة، وبقربه عدة أضرحة، ويوجد قِبلة مصنوعة من خشب بنقوش غريبة غاية فى الإتقان وحنفيات للوضوء وجنينة صغيرة، ويُعمل للسيدة رُقيّة مقرأة وحضرة كل أسبوع ومولد كل عام ".

"والتكية بها مساكن للصوفية ومحل لإقامة الصلاة..وقد أقيم فوق الضريح مقصورة من الخشب المُطعم بالعاج والصدف..وشعائرها مقامة من ريع أوقافها، فإن إيرادها سنويا ثلاثة عشرة ألف قرش وسبعمائة وثمانية عشر قرشا واثنان وثلاثون نصفا فضة ومرتبات أخرى".

وهناك من أساتذة الآثار والعمارة من توقف طويلا عند الجماليات المعمارية فى مشهد السيدة رُقيّة، فالدكتورة سعاد ماهر أبرز علماء الآثار الإسلامية مثلا تعتبر " المحراب الرئيسى فى مشهد السيدة رُقيّة تحفة فنية رائعة لا مثيل لها فى مصر، إذ يبلغ سعته ثلاثة أمتار وعمقه 20،1مترا وارتفاعه 6 أمتار تعلوه طاقية على شكل محارة مفصصة يتوسطها  "جامة" تحتوى على اسم "على" يحيط به اسم "محمد" سبع مرات".

وهناك من لفت نظره هذا التشابه المدهش بين عمارة مسجد ومشهد السيدة رُقيّة وبين مسجد جامع "الأقمر" الذى يعتبره كثيرون "أحلى وأرق الآثار الفاطمية"، ويعتبرون واجهته الغربية تحديدا "من أجمل واجهات المساجد فى مصر، للنقوش والكتابات المزهرة عليها وكلها منحوتة فى الحجر".

وهو ما يدل على أن المسجدين الأقمر والسيدة رُقيّة بُنيا فى نفس الفترة تقريبا، فالأول يعود تاريخه إلى العام 519 هجريه، أى أنه أسبق بنحو أربع سنوات فقط، وبنيا بنفس الطراز المعمارى الذى يميز العهد الفاطمى فى مصر..لكن الذى يجعل مسجد السيدة رُقيّة هو الأبرز والأشهر، وهو المقصد.. أنه يخص واحدة من جواهر آل البيت اللاتى تشرفت بهن مصر، إذ يكفيها أنها من السلالة الطاهرة ومن حفيدات سيد الشهداء.. وعندهم وببركتهم تُستجاب الدعوات

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد