الكتابة فى السياسة.. تثير عندى الغثيان.. تمامًا كالسمك إذا خالطه لبن وتمر هندى".. نص كلمة مختصرة موجزة لكبير الساخرين أحمد رجب.. أوضح من خلالها مدى ابتعاده عن الكتابة
الكتابة فى السياسة.. تثير عندى الغثيان.. تمامًا كالسمك إذا خالطه لبن وتمر هندى".. نص كلمة مختصرة موجزة لكبير الساخرين أحمد رجب.. أوضح من خلالها مدى ابتعاده عن الكتابة فى السياسة وتجنبها، فهى بالنسبة له شىء صعب ويصعب وجوده فى حياته تمامًا، كأن يأكل الإنسان سمكًا ويشرب بعده كوبًا من اللبن أو التمر هندي..لا يستقيم أحمد رجب مع السياسة ولا تستقيم معه.. فهو كالعصفور المغرد فى السماء.. كاتب حر يكتب ما يريد كيفما يريد.. يضيق بالقيود ولا يتصور أن يؤطر كتاباته بمفاهيم أو معتقدات سياسية تقيدها أو تحدٍ من انطلاقها وألقها ووهجها.. تكلم أحمد رجب هنا عن الكتابة السياسية كعمل أو تخصص..لكن الرجل فى شخصياته الكاريكاتورية العظيمة التى عشنا معها وعاشت بيننا مثل فلاح كفر الهنادوة وعبده مشتاق وكمبورة والكحيت وعزيز بيك الأليت وقاسم السماوى وغيرها.. كان يتكلم فى كل شىء ويوجه نقده وسهام كلماته للجميع وفى مقدمتهم السياسيين.. فكانت تلك الشخصيات الكاريكاتورية التى صنعها أحمد رجب ورفيقه الكبير فى أشهر ثنائى صحفى مصرى مصطفى حسين تتكلم بلا حدود وبحرية تامة بدءا من السياسة وحتى الرياضة والفن.
ضرب فى ضرب
أحمد إبراهيم رجب ابن الإسكندرية المارية وابن بحرها وشطها وترابها الزعفران، المولود فى منطقة الرمل فى الثامن والعشرين من نوفمبر عام 1928، هو نتاج بيئة واعية يقظة منتبهة متفتحة، وهو خلاصة تركيبة كوزموبوليتانية كانت تسم الاسكندرية يمتزج فيها ويختلط المصرى باليونانى بالإيطالى يغيرها من الجنسيات الأخرى فتنتج هذه الشخصية المحبة للحياة، التى تتسم بالتحرر والانفتاح والجرأة والمحبة للجميع.
فى مدرسة "رياض باشا الابتدائية" عانى أحمد رجب أشد المعاناة مع مادة الجبر، وسكنت قلبه كراهية شديدة للحساب، وعن عقدة الجبر فى طفولته قال رجب متهكمًا وساخرًا كعادته: كنت أحب حصة الموسيقى وأكره علم الحساب.. وبسببه قضيت طفولة سعيدة جدا، كلها ضرب فى ضرب، وعندما كان المدرس الخصوصى يعلن أننى توصلت إلى حل مسألة الجبر كانت أمى تطلق الزغاريد وتوزع الشربات على الجيران!"
كره أحمد رجب الحساب وأحب الموسيقى خاصة بعد إلتحاقه بمدرسة العباسية الثانوية بالاسكندرية، وأحب على وجه الخصوص آلة الكمنجة، وحاول تعلمها على يد الإيطالى جيوفانى ودرسها لمدة ثلاث سنوات حتى فاجأه جيوفانى بأنه لا يصلح للعزف على الكمنجة، فهو ـ حتى من الناحية الديناميكية ـ لا يجيد الإمساك بها والعزف عليها.
وفى كلية حقوق الإسكندرية وجد صاحبنا أحمد ضالته.. الصحافة ولا شىء غيرها..الصحافة الساخرة اللاذعة الناقدة..وتفجرت الطاقات الصحفية الكبيرة لأحمد رجب فى مجلة أخبار الجامعة التى حققت نجاحًا هائلاً بالأسكندرية ووصل توزيعها إلى سبعة آلاف نسخة.. وبسببها تم تحويله إلى مجلس تأديب بعد نقده الساخر العنيف لعميد كلية الحقوق، ولكنه نجا بأعجوبة بعد أن أنقذه أستاذ القانون الدستورى بعد أن كتب فى تقريره أن الطالب أحمد إبراهيم رجب لم يرتكب جريمة فى حق عميد الحقوق وأن ما كتبه يدخل فى إطار النقد المباح.
6 شارع الصحافة
بدأت مرحلة جديدة فى حياة أحمد رجب عقب تخرجه فى كلية حقوق الأسكندرية حين تعرف على الكبيرين مصطفى وعلى أمين ونال إعجابهما، حيث عمل مديرا لمكتب دار أخبار اليوم بالأسكندرية ومراسلًا للدار من عروس المتوسط.. وأثبت رجب نجاحًا كبيرًا فى عمله الصحفي..ثم حدثت نقلة أخرى فى حياته حين إلتقى موسى صبرى أحد أعمدة أخبار اليوم، وقد كان وقتها رئيسًا لتحرير مجلة الجيل التى كانت تصدر عن الدار، بالإضافة إلى أنه كان المحرر السياسى للدار بالإسكندرية، وكان صبرى يقضى الصيف هناك وكان طبيعيا أن يلتقى بمدير مكتب الدار فى العاصمة الثانية، وانبهر موسى صبرى بأسلوب كتابة أحمد رجب وبموهبته الصحفية كثيرا، ولما عاد إلى القاهرة اقترح على مصطفى وعلى أمين الاستعانة بأحمد رجب فى مطبوعات الدار بالقاهرة، فمن الظلم له وللدار ألا يكون موجودًا فى فريق العمل الرئيسي، وان يظل بعيدا عن أعين الكشافيُن الكبيرين للمواهب الصحفية الباذخة مصطفى وعلى أمين.. لينتقل رجب من الاسكندرية إلى 6 شارع الصحافة بدار أخبار اليوم بالقاهرة.
جاء أحمد رجب من الإسكندرية إلى القاهرة ليعمل فى دار اخبار اليوم، وفى البداية عمل بمجلة الجيل، وكان يحرر بابًا أسبوعيًا له علاقة بالجريمة اسمه "هذه الجريمة لغز.. فتعالوا نحله معًا" يكتب فيه عن جريمة غامضة كل أسبوع، ويطلب من القراء مشاركته فى البحث عن المتهم وتحديد شخصيته.. ثم كتب بابًا آخر بعنوان أخبار الأسبوع، وكان يتناول فيه أحدث وأهم الأخبار.. وكتب رجب عبر هذا الباب مقالًا كان سببًا فى شهرة الشيخ عبد الباسط عبدالصمد حين كتب عن مقرئ تطارده سيدة ثرية تريد أن تتزوجه وهو يرفض تمامًا وأسماه بالشيخ براندو، وبسبب هذا الخبر ارتفع أجر عبد الباسط عبد الصمد من 30 جنيهًا إلى 100 جنيه مرة واحدة.
وكتب رجب كذلك بابًا بعنوان "س وج" وبابًا آخر بعنوان "حديث لم يحدث" كانا من أهم أبواب الصحافة جذبا للقارئ، كان رجب يكتبهما بلغته الجريئة الناقدة النافذة إلى القلوب والعقول فى آن.. ووصل رجب الى منصب نائب رئيس تحرير المجلة عام 1954، ولم يتجاوز عمره وقتها 26 عاما.. وقال عنه أستاذه مصطفى أمين: أحمد رجب هو تلميذى، ومنذ اليوم الذى عرفته فيه تنبأت له بدور كبير سوف يلعبه فى حياة المجتمع المصرى.
ولما انتقل مصطفى وعلى أمين إلى مؤسسة دار الهلال انتقل معهما أحمد رجب، وكتب رجب موضوعا فى مجلة الكواكب أحدث ضجة عنيفة فى أوساط المثقفين والفنانين المصريين، حيث نشر على صفحات المجلة مسرحية من تأليفه ونشرها على أنها من تأليف الكاتب المسرحى السويسرى العالمى دورينمات وأسماها "الهواء الأسود"، واستطلع بعدها آراء عدد من كبار النقاد فتحدثوا جميعا عن المسرحية وأبعادها ورؤيتها وقدرة وعبقرية مؤلفها العالمى ثم كانت الفضيحة حين أعلن رجب أن المسرحية لا تمت لدورينمات بصلة، وأنها من تأليفه هو شخصيًا.. وكانت فضيحة كبرى لمن تحدثوا لأحمد رجب.. ثم عاد رجب من جديد إلى أخبار اليوم لتبدأ المرحلة الأهم فى مشواره الصحفي.
نص كلمة
بدأ أحمد رجب عام 1969 فى كتابة بابه الأثير الذى كان الباب الصحفى الأشهر فى الصحافة المصرية "نص كلمة"..الذى كان يجسد خلاصة ما يشعر به المصريون من مشاكل وأزمات وقضايا وأوجاع وآمال وأحلام فى كلمات تلغرافية قصيرة مختصرة تؤدى دورا عظيما فى لفت النظر لسلبيات خطيرة، وفى إثارة قضايا مهمة وتعير أكثر بكثير من آلاف المقالات ذات آلاف الكلمات.. وقد تعلم رجب هذا الأسلوب التلغرافى الرائع من على أمين الذى كان يعطيه موضوعًا من 30 أو 40 صفحة ليختصره فى سطور قليلة، وهكذا نشأت صداقة من نوع خاص بين "نص كلمة" وكاتبها العبقرى من ناحية وعموم الشعب المصرى من ناحية أخرى.. ولعلنا هنا نتذكر شيئا مما كتبه رجب فى عموده الأشهر.. فعن نصر أكتوبر العظيم كتب رجب "رفعت جولدا مائير سماعة التليفون تطلب القاهرة للتوسل فى وقف إطلاق النار. قائلة : آلو .. ثمانية وأربعين .. ستة وخمسين .. سبعة وستين؟
ردت القاهرة :غلط .. هنا ستة .. عشرة ..ثلاثة وسبعين"، أما بعد ثورة يناير، ومع تزايد الفوضى والاعتصامات والمظاهرات الكثيرة فقد كتب رجب خمس كلمات فى نص كلمة عبرت بكل صدق عن واقع الحال آنذاك "ربنا يحمى مصر من المصريين".
فى أوائل السبعينات، وبعد تولى السادات مسئولية الحكم أفرج عن مصطفى أمين الذى كان مسجونا لمدة تسع سنوات فى عصر عبد الناصر، وأعاد شقيقه على أمين الذى كان قد غادر إلى لندن ليتوليا من جديد مسئولية أخبار اليوم، وكان من أوائل قراراتهما هو الاهتمام بالكاريكاتير على وجه الخصوص وهداهما ذكاؤهما الصحفى الكبير ليجمعا بين أحمد رجب معلقًا وكاتبًا ومصطفى حسين راسمًا للشخصيات.. لتصبح ثنائية أحمد رجب ومصطفى حسين الأشهر والأفضل والأبقى فى الصحافة المصرية، وليصنع الاثنان على مدار عشرات السنوات شخصيات حية من لحم ودم تعبر بكل صراحة عن مصر وأهلها وناسها ومشاكلها وأزماتها، بل تعبر عن الإنسان بوجه عام فى عالمنا العربى ..اخترع أحمد رجب ومصطفى حسين شخصيات من عينة عبد الروتين الموظف المعقد ببدلته ونظارته الذى يتمسك بالروتين فى أبشع صوره وخلقا منه حالة كاريكاتورية تثير ضحك القراء وغيظهم أيضا، واخترعا شخصية كمبورة الفاسد الأنانى الذى يحقق أطماعه بالوصول إلى البرلمان ويستغل الجميع، واخترعا شخصية عبده مشتاق الموظف الذى يتطلع الى منصب الوزارة، ويجلس دائما بجوار التليفون يحلم بمكالمة تزف إليه خبرا سعيدا وشخصية مطرب الأخبار بمنظره السريالى وملابسه الرثة وصوته الأجش تعبيرا عن أولئك الذين يصدعوننا بأصواتهم الرديئة، واخترعا شخصية "الكحيت" تعبيرا عن أولئك الذين يعيشون فى أدوار الأثرياء الوجهاء وهم فقراء وغلابة ثم اخترعا شخصية فلاح كفر الهنادوة بوجهه المصرى وصلعته اللامعة، وهو يجلس إلى كبار المسئولين يجلدهم بكلماته اللاذعة وبمكره وبسوط ملاحظاته على أدائهم السلبي..ومن الأسف أن هذا الثنائى العبقرى توقف منذ عام 2005ولمدة ست سنوات ثم عادا مرة أخرى عقب ثورة يناير.
ولأحمد رجب مجموعة كبيرة من المؤلفات تحول عدد منها إلى أفلام كوميدية جميلة منها "صور مقلوبة – الأغانى للأرجبانى - توتة ـ نهارك سعيد - الحب وسنينه – أى كلام ـ كلام فارغ ".
رحل أحمد رجب فى 14 سبتمبر عام 2014 عن ستة وثمانين عامًا بعد صراع مع المرض، بعد أقل من شهر واحد من رحيل صديقه وصاحبه فى الإبداع مصطفى حسين لترحل ضحكة كبيرة تألقت كثيراًو طويلًا على وجه مصر.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لا يبحث الجميع عن رقم أمريكي. بعض الخدمات الكندية ترفض الأرقام الأمريكية تحديداً وتطلب رقماً بكود منطقة كندي: 416 تورنتو،...
طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات
المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...
نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...