سر الرجل الشهير جدًا فى الفصل المحـذوف من كتاب مأساة سعاد حسني

"جاءت جهينة بالخبر اليقين".. مثل عربي يقال لمن حسم الأمر فى قضية مختلف عليها، وقد جاء زميلنا محمود مطر بالخبر اليقين فى إثبات زواج سعاد حسني من عبد الحليم حافظ، على

"جاءت جهينة بالخبر اليقين".. مثل عربي يقال لمن حسم الأمر فى قضية مختلف عليها، وقد جاء زميلنا محمود مطر بالخبر اليقين فى إثبات زواج سعاد حسني من عبد الحليم حافظ، على لسان سعاد حسني نفسها، التى اعترفت له كما اعترفت من قبل لمفيد فوزي الذى لم يصدقه أحد لأسباب كثيرة، أهمها الظروف الصحية التى تحول بين العندليب وزواجه من السندريلا أو أي غادة أخري، ولم تكن سعاد حسني الوحيدة التى قالت، فقد اعترفت زبيدة ثروت على غلاف هذه المجلة بأن عبد الحليم طلب يدها ولكن والدها رفض! أساطير نقرؤها ونسمعها، والوحيد الذى لم يتكلم فى هذا الموضوع الذى يخصه هو عبد الحليم نفسه.

أعترف أنني كنت أنتظر كتاب محمود مطر عن السندريلا، منذ أن كشف لنا عن علاقته الرومانسية بها منذ تسعينات القرن الماضي، وأعتقد أن سعاد حسني أحبت مطر كما أحبها، على المستوى الإنسانى، أحبت إصراره وصبره الأيوبي سنة وسنتين بل وأكثر حتى ترد على تليفوناته، لعلها وجدت فيه مشروع صديق مخلص كان يمكن أن يكون من المقربين لو امتد بها العمر، فهو محب لله فى لله، بلا غرض ولا مصلحة، ومن هنا وثقت به إلى درجة أنها سمحت له -ولعله الوحيد الذى تمتع بهذا الشرف- أن يكرم أصدقاءه المحبين أن يتحدثوا إليها عن طريقه، وكأنه قد أصبح الباب الملكي لسماع صوت السندريلا، وهذا يؤكد حقيقة واحدة ووحيدة، وهى تواضع سعاد حسني وطيبتها إلى الحد الذى وصفها فيه أحد الكتاب بالسذاجة، ربما لتلقائيتها وعدم تصنعها، هي نعيمة فى "حسن ونعيمة "، وفاطمة فى "الزوجة الثانية"، وزوزو فى "خلي بالك من زوزو"، إلخ.. هي إذن بنت البلد، بنت الحتة، بنت الحارة، ولذلك أبدت رغبتها فى أن تترك حي الزمالك بعد عودتها من رحلة العلاج، قالت بالتليفون من لندن لسناء خادمتها: "لما ارجع مش هنقعد فى شقق الزمالك خالص، هنستأجر شقة مفروشة فى أي مكان ونقعد فيها، أنا حصلت لي عقدة من شقق الزمالك"، شعرت أنه ليس البيئة المناسبة لها بين علية القوم وأكابر الناس، هي بنت الناس العاديين الطيبين.

عاشت السندريلا على طبيعتها وفطرتها، ومن ثم يبدو لك أن سعاد حسني على الشاشة هي نفسها فى الحياة، فتشعر أنها الحبيبة والأخت والصديقة، وكل الأدوار التى قامت بها تتعاطف معها وتضع نفسك مكانها، موهبة لا يؤتاها إلا من أسعدته أيامه، ولكن سعادة الأيام لا تدوم، سعاد أسعدت الملايين، ولكنها كانت تعيسة، مثلها كالعندليب كانا يتألمان، ولعل مأساتهما كانت أحد أسباب تمتعهما بهذا الحب الذى ما زال ساريا رغم رحيلهما، حتى كانا الفنانان الوحيدان اللذان يحتفل الإعلام بذكراهما، ولم يكن عجيبا أن ينجذب كل منهما إلى أليفه، ويتزوجان، وهو الموضوع الذى اختلفت فيه الأغلبية مع مفيد فوزي، لأنه كان مستحيلا أن يتزوج عبد الحليم لأسباب لا دخل له فيها، هذا رأي الأطباء، فكيف تزوج من لا زواج له.

أخيرا فسر لنا مفيد بكلام مفيد أن علاقة السندريلا بالعندليب لم تكن علاقة زوجية، يعني إيه يا مفيد؟ زواج بلا زواج، صوري يعني.. كده وكده! لزومه إيه؟ قال حتى يرعاها فنيا وحياتيا، يعني ماينفعش يرعاها من غير ورقة الزواج؟ ما احنا عارفين عالم الفنانين.. هنا تأتيني الإجابة من محمود مطر حينما زارها الفنان أحمد زكي أصرت على وجود حارس العمارة "عم مهدى" معهما، أو كما يحكي على لسانه: "قررت سعاد- فى لحظتها أنه ليس من اللائق أن تجلس وحيدة مع رجل آخر فى غير وجود زوجها، أو أحد من أقاربها، حتى لو كان هذا الرجل هو أخلص وأقرب أصدقائها، حتى لو كان هذا الرجل هو أحمد زكى الذى قالت عنه وعن علاقتها الفنية به: "إنه ضرتي فى الفن"، يعني أصرت سعاد على وجود "محرم"، ما هي بنت بلد وتراعي العادات والتقاليد، وتحافظ على إخلاصها لزوجها، لذلك كان من الطبيعي قياسا على هذه الحكاية أن يكون تواجد عبد الحليم شرعيا فى حياة سعاد.

صدقت محمود مطر لأول وهلة حينما حكى على لسان سعاد حين سألها عن عبد الحليم: "فقالت لي إنها تزوجته فعلا، وأنها تمتلك أوراق هذا الزواج، وأنها تستغرب كثيرا أن مجدى العمروسي ينكر تماما حكاية زواجها من حليم، وقالت وقتها لعله يعتقد أنني بإذاعة هذا الخبر أو بالإعلان عن هذا الزواج يمكن أن أطالب بميراث فى نصيب حليم فى "صوت الفن"، وضحكت، صدقت مطر لأنه ليس له مصلحة مع أو ضد، ولذلك جاء كتابه "سعاد حسني.. القاهرة لندن: تفاصيل السنوات الأخيرة"، الصادر حديثا عن دار بتانة، ملحمة حب عذري للسندريلا كتبها بحماس متدفق وعاطفة جياشة، وظلت ذكرى هذا الحديث محفورة فى ذاكرة مطر، حتى أخرج لنا كتابه الذى صال وجال فيه بحب وعشق للشخصية التى هام بها ووقع فى أسرها، وبقدر ما قدم لنا الكثير من الإجابات، كزواج السندريلا من العندليب، بقدر ما ترك لنا الكثير من الأسئلة الحائرة كغيرة فاتن حمامة من سعاد حسني، وعدم مرافقة زوج سعاد لها فى بلاد الضباب، وهي أحوج ما تكون له فى محنتها، وهل انتحرت سعاد أم نحرت، وما الدور الغامض لصفوت الشريف فى النهاية المأساوية للسندريلا، وهو الفصل المحذوف من كتاب محمود مطر، لماذا حذفه؟ أسئلة كثيرة ومثيرة طرحها كتاب زميلنا الذى حرك مياها راكدة فى سيرة السندريلا.

ما الذى يجعل سيدة الشاشة تغار من السندريلا، فلكل منهما لونها وجمهورها ولقبها الذى تحقق من خلال المعجبين والمحبين، تجاهلت فاتن حمامة ابنة مهنتها سعاد حسني فى تصريحاتها مرتين، الأولى أغضبت سعاد، والثانية تسامحت فيها، ربما لأنها أدركت أن فاتن ليست مؤرخة فنية لتقيم هذه وتتجاهل تلك، ولذلك كانت الفنانة مريم فخرالدين أكثر صراحة، عندما قالت: "إذا كانت فاتن حمامة سيدة الشاشة، فماذا نكون، ولماذا هي وحدها سيدة الشاشة؟"، بهذا المعني فالغيرة واردة، وإن كانت المنافسة الشريفة هي الأولى بالرعاية بين الناجحين، والقمة الفنية تتسع للجميع، ولكن هل كانت فاتن حاقدة فعلا على سعاد، أم أن هذا فقط فى أذهان حزب سعاد، أيا كان الأمر، فليست هناك فاكهة تغني عن فاكهة أخرى، وليس هناك نجم أو كوكب يلغي الآخر، فالسماء تتسع للكثير من النجوم والكواكب.

نعود لحديث الألغاز، ما الذى جعل ماهر عواد لا يرافق زوجته سعاد فى رحلتها الأخيرة، أو حسب ما سأله محمود مطر: "لماذا لم تسافر لسعاد، ولماذا لم تقنعها بالعودة إلى مصر؟"، فأجابه: "كانت سعاد تنفق على علاجها مبالغ طائلة، ولم يكن الأمر يحتمل إنفاقا إضافيا حال سفري، نعم كان الوضع المادى لنا جيدا، لكن مصاريف العلاج كانت كبيرة"، أتصور أن رفقة الزوج لزوجته فى محنتها كانت ستفرق كثيرا فى الدعم المعنوي، على الأقل ولو بزيارتها من وقت لآخر، العجيب أن الطبيب المعالج لسعاد كان يتردد عليها 3 مرات أسبوعيا، ولاحظ أنه لم ير زوجها ولو لمرة واحدة!

لغز آخر هو مصرعها الصادم الذى لايزال بلا حل حتى اليوم، هل اكتأبت فانتحرت لأنها لم تعد تر فى نفسها السندريلا الرشيقة المحبوبة، كيف تعيش وتواجه الناس، هل تحتمل شفقتهم ومصمصة شفاههم، نحن نرى جميلات فى عز شبابهن ينفقن على عيادات التجميل أكثر مما ينفقن على الفن، حتى يحتفظن بشبابهن الدائم، فما بالك بحلم الشباب ومحبوبتهن السندريلا، لقد أرادت الحفاظ على صورتها النضرة المشرقة حتي لا تخدشها صورتها الجديدة التعيسة، هذه كانت مشكلة سعاد حسني الكبيرة، كما يقول محمود مطر مفسرا: "كانت تنظر فى المرآة كثيرا، تقارن بعض هذه التغيرات التى طرأت على ملامح وجهها بسبب المسكنات ومشتقات الكورتيزون، وآثار التهاب العصب السابع بما كان عليه وجهها الساحر الجميل الأخاذ، وقد كان على القريبين منها أن يكسروا كل المرايا التى كانت تنظر فيها"، يضرب زوجها ماهر عواد على نفس الوتر قائلا: "قضية سعاد الأساسية فى سنواتها الأخيرة كانت أن تعود إلى الفن بكامل نجوميتها، هذا الأمر كان هاجسها الأول، لكن هذا الطموح المشروع كان يصطدم بالمرض وبالزمن.. الزمن هو عدو الفنان، وهذه الأزمة لم يفلت منها إلا فنانون لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، تواءموا مع أدوار أخرى بعد أن تغيرت ملامحهم الوسيمة بفعل الزمن، سعاد كانت تدرك أن جمهورها لن يستوعب فكرة أن تظهر نجمته المحبوبة بدور أم أو حماة مثلا، وتلك كانت مشكلتها الكبرى".

ومادامت هذه المشكلة الكبري ليس لها حل، لم تشأ سعاد أن تعود إلا فى صندوق لا يراها فيه أحد، كان هذا آخر أدوارها على مسرح الحياة، أن يبكيها المعجبون وتزرف دموع المشيعين أفضل لها من أن تعيش لكي تكون موضع عطف وأسي: والله زمان يا سندريلا.. فين أيامك يا سعاد! قلبها لم يحتمل، فاختصرت الطريق إلى النهاية، لم تستطع أن تكون مثل ليلي مراد التى اعتزلت الفن والحياة العامة حتى تحتفظ لنفسها بالصورة الجميلة التى اعتادها جمهورها، وإن كان هناك فرق أن المرض كان ينهش جسدها، والآلام تطاردها، فقررت أن تضع حدا لآلامها.. هذا احتمال ولكنه ليس يقينا.

أما الاحتمال الآخر الذى رضي به محبو سعاد وأقنعوا أنفسهم به، هو أن هناك مؤامرة على سعاد، مؤامرة إيه يا ناس، قال إيه صفوت الشريف أقوى وزير إعلام فى عهد مبارك ورجل المخابرات السابق خشى من كتابة سعاد لمذكراتها، لأنه تعامل معها، كما كان يحدث أيام مخابرات عبد الناصر حتى لا تكاد فنانة تفلت من استعمال المخابرات لها، بالأمر وليس اختيارا، هربت فاتن حمامة إلى باريس 5 سنوات حتى لا تتورط، ولم تعد إلا فى عهد الرئيس السادات، كما هربت مريم فخر الدين إلى بيروت، أما هند رستم فكانت مرشحة لولا أن اعتماد خورشيد احتالت لها عند صلاح نصر رئيس المخابرات بأنها تخفى مرضها بالسل، فتم تجنبها، وهكذا، أما سعاد حسني فلم تستطع الهرب أو التحايل، ولكن بين أيدينا شهادة لصلاح نصر نفسه بخط يده فى كتاب "رسائل المشاهير" يقول فيه بصراحة أن سعاد حسني كانت عميلة خايبة، يعني لم تستطع المخابرات الاستفادة منها بشيء، فماذا ستكتب، وهل كانت فى حالة مزاجية مناسبة لكتابة مذكراتها وهى تعاني الأمرين من مرضها وتعاستها، قولوا يا أتباع نظرية المؤامرة كلاما معقولا يدخل الدماغ، وإلا لماذا لم تقتل اعتماد خورشيد وقد نشرت مذكراتها الفضائحية التى نالت من كل كبير وصغير.

العجيب أن شمس بدران المقيم فى لندن ذكر فى مذكراته التى أملاها أن عبد الناصر كان لا يحلو له إلا مشاهدة أفلام البورنو لسعاد حسني، يا ناس ياهو.. لم يستطع عتاة مخابرات العالم المعادية أن تمسك غلطة تمس نزاهة وشرف عبد الناصر وإلا كانوا قد استخدموها لتصفيته معنويا بعد فشلهم فى تصفيته ماديا، والعجيب أن الذين يطعنون فى شرف عبد الناصر هم بعض رجاله، بئس الرجال.

يطول الكلام عن سعاد حسني، ولكن يبقى الوجه الإنساني الذى اختار محمود مطر أن نطل منه عليها، تلك المنطقة الإنسانية شديدة الشجن والألم والأسي فى سنوات وأيام السندريلا الأخيرة، كما يقول المؤلف الذى كان شاهدا -من خلال الشهود المقربين- ومتابعا، حتى إنه انفرد بالحوار معها وهي فى لندن، ولذلك يأتى كتاب زميلنا شهادة محب ومحقق صدق عن مأساة السندريلا، وبقدر ما يعيد تذكيرنا بالأحزان، بقدر ما نتذكر كم أسعدتنا سعاد، وكم أسعدنا المؤلف بكتابه رغم الألم والشجن، وهكذا الحياة.


 	إبراهيم عبد العزيز

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

عبد الحكم الجرّاحى.. شهيد العَلَــم والحرّية والدستور

شخصيات لها تاريخ «94» سافر إلى فرنسا ليدرس فى جامعة ليون والتقى دكتور طه حسين وأسمعه قصائده الشعرية فنصحه العميد...

أيمن الحكيم: رجاء النقاش كلفنى بالمهمة بعد هجوم «الفاجومى»

حكاية صحفى شاب دخل غرفة الشيخ وسجل مذكراته هاجم عبد الوهاب وأم كلثوم لأنه يعتبر الغناء للسلطة «كفرًا فنيًا» الشيخ...

قصة مصورة - يا بلالين العيد.. آنستينا

شروق أول أيام العيد، تخرج المرأة المكافحة.. لم تتناول حتى إفطارها فى البيت، فاصطحبت معها لقمة سريعة للإفطار،

الطريق إلى الله«2» ذكر الله.. حياة القلوب

"الطريق إلى الله" ليس مجرد سطور بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله، وفهم غاية وجودنا،...