شخصيات لها تاريخ «94» سافر إلى فرنسا ليدرس فى جامعة ليون والتقى دكتور طه حسين وأسمعه قصائده الشعرية فنصحه العميد بالعودة إلى القاهرة واللحاق بكلية الآداب بالجامعة المصرية حمل علم مصر بعد سقوط زميله الشهيد عبدالمجيد مرسى.. ولما عاتب الضابط الإنجليزى لإطلاقه الرصاص على المتظاهرين قتله بدم بارد
الجيل الذى عاش قهر الاحتلال البريطانى، كانت أحلامه الشخصية تأتى فى المرتبة الثانية بعد حلم الحرية والاستقلال، كان الناس يعيشون حالة الثورة والرفض لوجود الاحتلال، وكان من طقوسهم اليومية، التظاهر فى الشوارع، والسير فى جنازات الشهداء، وكان الشباب الوطنى الحر يرى نفسه المسئول عن تطهير مصر من دَنَس الاستعمار، وكانت الجامعة المصرية ـ جامعة فؤاد الأول ـ والمدارس العليا تقدم النخبة المثقفة الثائرة، ومن هؤلاء الشهيد عبدالحكم الجرّاحى، الذى كتب بدمه رسالة إدانة لحكومة بريطانيا، وكتب نهاية حقبة "توفيق نسيم" رئيس الوزراء التركى الذى كان من رجال الملك فؤاد والمندوب السامى البريطانى الذى كان يتنكّر تحت لقب "سفير بريطانيا العظمى" ويدير المشهد السياسى المصرى، الشاب الشهيد الجرّاحى، لم يكن وحده، لكنه كان الأقدر على صوغ الرسالة والأقدر على الوصول إلى القلوب، فهو الذى قدم حياته من أجل العلم المصرى..
كان لورد كرومر يكره المصريين ويكره المثقفين ويكره الجامعة، وسعى بكل قوته لمنع إقامة جامعة على أرض مصر، لأنه استعمارى، مصّاص دماء، لا يرى فى الشعب والأرض غير الربح والمكسب الذى يضاف إلى خزائن جلالة ملكة بريطانيا العظمى، لكن الشعب المصرى امتلك الجامعة وامتلك القدرة على المقاومة ضد جيش الاحتلال البريطانى منذ اليوم الأول لوصوله القاهرة، وكان الطالب مصطفى كامل، هو المؤذن الوطنى الذى أشعل روح القتال والمقاومة عقب انكسار الثورة العرابية، ومن المدرسة الخديوية الثانوية، خرجت الحركة الوطنية لتضىء شوارع المدن والقرى، وظلت الروح الوطنية تتدفق وتسرى فى عروق الشباب الحر، حتى كان فى المشهد السياسى فريق من الطلبة، محمد عبدالمجيد مرسى، على طه، عبدالحكم الجراحى، وكان الزمن زمن الثلاثينيات من القرن العشرين، أى فى أعقاب الأزمة المالية العالمية، وعقب خروج إسماعيل صدقى من الحكم، وهو الذى ألغى دستور 1923 الذى كان من ثمار ثورة 1919، واخترع دستور 1930 الذى أطلق عليه الناس اسم "دستور الحكومة" وهو دستور استبدادى، يجعل الأمة فى الهامش، والملك فى القلب والمركز، يحكم منفردا ويتحكم فى رقاب العباد، دون حدود.. ومن قلب هذا الليل، تفجّر النهار، وكان الشارع المصرى يغلى، ويرفض وجود إسماعيل صدقى، واستبعده "الملك فؤاد" واستدعى محمد توفيق نسيم، وهو من أصول تركية، يكره فكرة الوطنية المصرية، وكان جده من رجال محمد على باشا، وهو نفسه "نسيم"، كان المسئول عن سجن الزعيم الوطنى محمد فريد، بتهمة كتابة مقدمة ديوان شعرى للشاعر الوطنى على الغاياتى، وهو الذى أشعل نار الشارع المصرى، عندما أرسل يستشير وزير الشئون الخارجية فى بريطانيا "صموئيل هور" فى مسألة إعادة العمل بالدستور الملغى ـ دستور 1923 ـ وإلغاء الدستور الذى طبقه إسماعيل صدقى، فقام الوزير البريطانى بفضح توفيق نسيم فى ندوة عامة أقيمت فى بريطانيا، وقال إن بريطانيا ترفض عودة دستور 1923 وقد نصحنا المصريين بذلك، وأضاف ما معناه أن دستور 1923 لا يتناسب مع أوضاع وأحوال الشعب المصرى، ودستور 1930 لا يلقى قبول الشعب المصرى، وما أزعج الطبقة المثقفة فى مصر هو التدخل البريطانى فى الشئون المصرية الداخلية، رغم أن "تصريح 28 فبراير 1922" نص صراحة على أن مصر دولة لها سيادة، ولم تعد خاضعة للحماية البريطانية التى فُرِضت عليها أثناء الحرب العالمية الأولى، وبموجب هذا التصريح، ظهرت وزارة الخارجية فى التشكيل الوزارى المصرى، وأنشئت السفارات المصرية فى الدول الخارجية، وأصبح السلطان فؤاد، يُلقّب بلقب "ملك مصر فؤاد الأول"، وهذا التصريح هاجمه المتظاهرون المصريون وأبدعوا فيه فهتفوا:
يسقط هور.. ابن التُور
وبالطبع وصلت الرسالة الغاضبة إلى قصر الحكم ومجلس العموم البريطانى، وحاول هور أن يخفف من آثار تصريحه بتصريح غيره، لكن الغضب الشعبى فى مصر زاد وتمدد حتى عم البلاد كلها من أقصاها إلى أقصاها.
ولم يكن "صموئيل هور" يطلق الكلام من دون نية أو قصد، كان يقصد إبلاغ الشعب المصرى أن بريطانيا هى القابضة على شئون البلاد وليس جلالة الملك فؤاد ولا حكومته ولا البرلمان، وهو رجل له وزنه فى السياسة والحكم البريطانى، فهو السير صموئيل غورنى هور، من مواليد 1881 وحامل وسام نجمة الهند ووسام الإمبراطورية البريطانية، ووسام القديس مايكل ووسام القديس جورج، وعضو مجلس الملكة الخاص وأحد قادة حزب المحافظين، وشغل منصب وزير الدولة للطيران خلال عشرينيات القرشن العشرين، وتولى منصب وزير الشئون الخارجية، ومنصب وزير الداخلية فى بريطانيا، وأطلق تصريحه حول حكم مصر وإعادة دستور 1923 فى قاعة "جولدن هول" فى لندن.
توفيق نسيم المراوغ
الملك فؤاد، الابن الأصغر للخديو إسماعيل أتى به الإنجليز بعد وفاة شقيقه السلطان حسين كامل، وحمل نفس اللقب، فكان هو السلطان فؤاد الذى رفضه الشعب ورفض الحماية البريطانية، وكان سعد زغلول يقول إن إلغاء الحماية البريطانية يحتم عزل "السلطان فؤاد" باعتباره من آثار هذه الحماية، وثار الشعب فى مارس 1919 وتشكل الوفد المصرى، وجاء تصريح 28 فبراير 1922 ليمنح الملك فؤاد لقب الملك ويمنح البلاد حق كتابة دستور، ويعيد الاستقلال الشكلى، لكن الحقيقة أن التصريح نفسه منح بريطانيا التصرف فى شئون مصر، وهذا ما فهمه الملك فؤاد ورجاله، ومن رجاله المخلصين الأوفياء للجالس على العرش "توفيق نسيم" الذى ألغى دستور 1930 الذى اخترعه وطبقه إسماعيل صدقى، ولكن قرار الإلغاء لم يتضمن عودة دستور 1923، ولم يكتف بذلك، بل أرسل إلى وزارة الخارجية البريطانية والسفير البريطانى يسأل عن الدستور المناسب للمصالح البريطانية، فما كان من "صموئيل هور" وزير الخارجية البريطانى إلا أن فضح توفيق نسيم وكشف للناس حقيقة الملك ورئيس وزرائه، وهذا ما جعل الغضب الشعبى يتفجر.
الدكتور حمادة إسماعيل له كتاب حول انتفاضة 1935 صدر عن دار الشروق يروى جانبا من قصة هذه الانتفاضة ودور "توفيق نسيم" المراوغ السياسى المنحاز للملك فؤاد فى إشعال الغضب الشعبى:
ـ من الأعوام الفاصلة فى تاريخ الحركة الوطنية "العام 1935"؛ ففى نوفمبر من هذا العام حدثت الانتفاضة التى تفجّرت فى القاهرة وجاوبتها بقية المديريات، فكانت هذه الانتفاضة سبب إعادة العمل بدستور 1923، وسبب خروج وزارة توفيق نسيم من الحكم فى يناير 1936، وكانت الانتفاضة أحد أسباب توقيع معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا، ولم تكن الجماهير فى الأقاليم صامتةً، فإذا كانت أعمال العنف قد بدأت فى القاهرة فإن جماهير الأقاليم ردّت بالإيجاب وبنفس العنف، وقدمت جماهير الأقاليم شهداء يضافون إلى قائمة شهداء مظاهرات القاهرة.
ويضيف دكتور حمادة إسماعيل:
ـ ما أن حل شهر أكتوبر من العام 1935 حتى صارت مصر وكأنها أعيد احتلالها، وكان من الطبيعى أمام التطورات الداخلية والخارجية أن تتعرض الوزارة ومعها الإنجليز للانتقاد الشديد من جانب القوى السياسية، وفى التاسع من نوفمبر حدثت الشرارة التى ألهبت المشاعر عندما صرح "صموئيل هور" وزير الخارجية البريطانية بقوله:
ـ إننا لمّا أُستِشِرنا فى أن يعود النظام الدستورى لمصر كانت نصيحتنا ضد إعادة دستور 1923 ودستور 1930 لأنه ظهر أن الأول غير صالح للعمل به، والثانى ضد رغبة الأمة.
فكشف هذا التصريح عن حقائق، أولها أن الحكومة المصرية لجأت إلى حكومة إنجلترا وجعلتها المرجع الذى يُستَشار ويُنفّذ أمره، وثانيها أن بريطانيا أشارت بعدم عودة دستور 1923 ودستور 1930، وهو ما يشكّل اعتداءً على حق البلاد فى اختيار نظام الحكم الذى يلبى احتياجات شعبها، وثالثها أن بريطانيا لا توافق على عقد اتفاق أو معاهدة لتسوية العلاقات بينها وبين مصر، فانفجر الغضب فى الجامعة فى صباح 13 نوفمبر 1935 الذى يوافق ذكرى عيد الجهاد الوطنى، فخرج الطلاب فى صباح ذلك اليوم وانضم إليهم طلاب المدارس هاتفين ضد تصريح "هور" ومنادين بسقوط الحكومة، وحدث صدام بين البوليس والطلاب عندما حاولوا اجتياز كوبرى الجامعة إلى القاهرة وحدثت اشتباكات وجُرح بعض الطلاب، وكان من الطبيعى أن تشتد المظاهرات فى اليوم التالى، فخرج طلبة جامعة فؤاد الأول فى مظاهرة حاشدة، وأصدر رئيس الجامعة "أحمد لطفى السيد" قراره بإغلاق الجامعة اعتبارا من 15 نوفمبر حتى 31 نوفمبر، ورغم كل إجراءات العنف ضد المتظاهرين، وفى محاولة للإرهاب والتخويف أصدرت حكومة "توفيق نسيم" بلاغا رسميا جاء فيه أن "البوليس" سيعمل بكل ما لديه من الوسائل على صيانة الأمن، فإذا قاوم المتظاهرون، فلن يكون أمام البوليس سوى دفع القوة بمثلها فى حدود القانون، وكان للعنف الذى اكتنف الحوادث أثره فى أن يلقى "صموئيل هور" خطابا فى البرلمان الإنجليزى حول المسألة المصرية، خفف فيه من آثار تصريحه السابق، إلا أن المصريين لم يعيروا هذا التصريح أى اهتمام، واستمرت المظاهرات، وهو ما كان كافيا لإقناع الأحزاب بأن تتناسىَ صراعاتها وأن تأتلف فى ما سُمِّى "الجبهة الوطنية"، وفى اليوم التالى أرسلت الجبهة كتابها إلى الملك مطالبة إياه بإعادة دستور 1923، وأرسلت كتابا آخر إلى المندوب السامى البريطانى لإبلاغ حكومته بأن تصرح بقبول إبرام معاهدة بينها وبين حكومة مصر الدستورية بالنصوص التى انتهت إليها مفاوضات "هندرسون والنحاس" فى العام 1930، واستجاب الملك فؤاد لطلب الجبهة الوطنية وأصدر أمرا ملكيا فى 12 ديسمبر بأنه بناءً على رغبة الأمة يُعاد العمل بدستور 1923، ورغم ذلك استمرت المظاهرات فى القاهرة والأقاليم منددةً بالحكومة ومطالِبةً بالعفو عن الطلاب المعتقلين، وطالبت أيضا بسرعة الرد البريطانى على كتاب الجبهة الوطنية، وفى 30 ديسمبر استؤنفت مظاهرات طلبة الجامعة ومع استمرار الضغط الشعبى أُجبِرت حكومة توفيق نسيم على الاستقالة فى 20 يناير 1936.
شهداء الجامعة
المؤرخ الراحل والكاتب الصحفى "صلاح عيسى" قدم فى الجزء الثانى من كتابه حكايات من دفتر الوطن وكان من أوائل المؤرخين لانتفاضة 1935 واستطاع أن يرسم صورة لما حدث من خلال ما نشرته صحف مصر فى تلك الفترة، ونقرأ ما كتبه عن الانتفاضة بداية من حفل عيد الجهاد الوطنى:
ـ انتهت مظاهرات الصباح ـ الأربعاء 13 نوفمبر 1935 ـ وفى المساء تجمع قلب مصر كلها فى بيت الأمة، كانت الحكومة قد اتخذت إجراءات مشددة، فأوقفت على كل منفذ من منافذ الطرقات المؤدية إلى السرادق، وبدأ الحفل فى الرابعة والنصف، ووقف مصطفى النحاس فألقى خطابا استغرق ساعتين، استعرض فيه علاقة الوفد بالوزارة، وتحدث عن حكم إسماعيل صدقى، فقال إنه كان عهدا مشئوما، ليس فيه مظهر من مظاهر الحياة الديمقراطية، بعد أن ألغىَ دستور الأمة واستبدله بدستور تعلو فيه كلمة الوزارة وتهزُل كلمة النواب، وفى استعراضه لعلاقة الوفد مع وزارة "نسيم" حرص النحاس على أن يبرز دور الوفد الذى لم يتنازل عن حق الأمة فى دستورها ووصف النحاس خطاب "صموئيل هور" بأنه خطاب محطّم للآمال، سواء فى موقفه من قضية الدستور أو فى رده على طلب المفاوضة.
ويضيف صلاح عيسى:
ـ انتهى الاحتفال ليفور الغضب، خرجت جموع الناس من سرادق الوفد، تهتف للدستور والاستقلال والحرية، ولم تكد المظاهرة تبلغ شارع قصر العينى حتى حاصرها البوليس، وأصدر قائد القوة الأمير آلاى "لوكاس بك" أمره إليها بتفريق المتظاهرين بالرصاص، ففتح الجنود نيرانهم على المتظاهرين، وطارد البوليس مجموعة من المتظاهرين، فعادت إلى السرادق وهى تهتف والرصاص ينطلق، لحظتها كان "إسماعيل محمد الخالع" عامل الفراشة فى السرادق يجمع المناضد والمقاعد، ثم اخترق الرصاص ظهره وصرخ:
ـ إلحقنى يا أخويا عبد السميع..
خفّ إليه شقيقه العامل فى السرادق نفسه، انحنى عليه ليفحص جروحه، لم يمهله الجنود، أشبعوه ضربا، تكوّر بجوار أخيه، نقلهما البوليس إلى قسم السيدة ومنه إلى مستشفى قصر العينى.
وينقلنا "صلاح عيسى" إلى مشهد آخر من مشاهد الانتفاضة وفيه نرى طلبة وطالبات الجامعة يواجهون الرصاص الحى بصدور عارية:
ـ لم تكد الساعة تصل إلى الثامنة صباحا حتى تجمع طلبة كلية الحقوق فى فناء الجامعة الداخلى، وأخذوا يهتفون بشعارات الثورة:
ـ الاستقلال التام أو الموت الزؤام.
ـ يسقط هور ابن التور.
بعد لحظات انضم إليهم طلاب كلية الآداب، كان بينهم عبد الحكم الجراحى الذى لم يكن قد مضى على انتظامه فى الدراسة سوى أيام قليلة، عقد الطلاب مؤتمرا تبارىَ فيه خطباؤهم ينددون بسياسة التفريط التى تتتبعها الحكومة، وبالأساليب الوحشية التى قمعت بها مظاهرات 13 نوفمبر، وانضمت إلى المؤتمر طالبات كلية الآداب وكان عددهن قليلا لايتجاوز أصابع اليدين، هتفن وصفقن، ازدادت حماسة الطلاب، وقفت واحدة منهن وألقت كلمة قصيرة بصوت متزن وعبارات مستقيمة أكدت فيها أن زميلاتها متضامنات مع الطلبة فى كل شىء، وختمت خطبتها قائلةً:
ـ نحن معكم وإلى جانبكم فى كل عمل تقومون به من أجل مصر.
دم الشهيد
دم الشهيد مقدس فى عقيدة المصريين ـ المسيحيين والمسلمين ـ والشهيد هو من مات من أجل الدين أو الوطن، هذا ما يعرفه المصريون منذ عصر الشهداء المسيحى فى ظل الاحتلال الرومانى، ثم جاء الإسلام وعرف المسلمون الشهادة فى سبيل الله، وأعز الشهداء فى الإسلام هم شهداء "غزوة بدر" والغزوات الأخرى، ومن المصادفات أن يكون "عبد الحكم الجرّاحى" المصرى الشهيد الطالب بجامعة فؤاد الأول من نسل الصحابى الجليل "أبو عبيدة بن الجراح" رضى الله عنه وهو الذى منحه النبى محمد صلى الله عليه وسلم لقب "أمين الأمة".. وكان استشهاد عبد الحكم الجراحى بعد استشهاد زميله عبد المجيد مرسى حسب ما رواه المؤرخ الكاتب الراحل صلاح عيسى فى رواية صاغها على هيئة مشهد روائى:
ـ.. فجأة انطلق الرصاص، استقرت أربع رصاصات فى جسد عبد المجيد مرسى، تحرك عبد الحكم الجرّاحى الذى كان قريبا منه وانحنى على جسده يتفحصه، كان الكونستابل الإنجليزى يواصل إطلاق الرصاص، شاهد أحدهم "إبراهيم شكرى" فى يده سيخ حديدى طويل، ضرب به كف الضابط الإنجليزى الذى أطلق الرصاص، انطلقت رصاصة أخرى وسقط إبراهيم، كان عبد الحكم الجرّاحى مشتبكا فى مناقشة مع الضابط الذى أصاب زميله "عبد المجيد" لخصها كتاب صدر، وكتبه أحد طلاب الجامعة فقال إن "عبد الحكم" عزَّ عليه أن يرى زميله صريعا، فتقدم إلى الأمام وعلى وجهه الأسى والدهشة:
ـ كيف لايكون لطلبة الجامعة حصانة أدبية تمنع اعتداء الجُنْد عليهم ماداموا بمعزل عن الجريمة؟
نهره الضابط الإنجليزى فما أذعن وخاطبه بلهجة تفيض بالكرامة قائلا:
ـ أفى ذلك جُرم..أتودّ أن تصربنى؟..وهل هذا من الشجاعة؟.. هاك صدرى..
فأطلق "الضابط الإنجليزى" عدة طلقات، مزقت الغشاء البريتونى ونفذت إلى أمعائه وأحدثت بها ثلاثة عشر مزقا..
زحف "إبراهيم شكرى" بساقه المصابة إلى أن سقط بجوار الجراحى وعبد المجيد مرسى، استوقف الطلبة سيارة خاصة، نقلت عبد الحكم الجراحى المصاب، واستوقفوا "عربة كارو" وضعوا عليها جثة عبدالمجيد مرسى وبجواره إبراهيم شكرى.
وقبل الختام ياعزيزى القارئ من المهم أن أخبرك بأن الشهداء الطلبة: عبد المجيد مرسى وعلى طه عفيفى، عبد الحكم الجرّاحى، واستطاع الجرّاحى أن يدين بريطانيا العظمى برسالة كتبها قبل موته:
إلى رئيس وزراء إنجلترا..
سيدى..
أحد رجالكم الأغبياء رمانى برصاصة، وأنا الساعة أمشى إلى الموت رويدا، ولكنى سعيد للغاية بأن أترك روحى تُنتَزع منى وأضحّى بدمى، إن الموت أمر تافه، وآلامه عذبة المذاق من أجل مصرنا الحبيبة، فلتحيا مصر، مصر فوق الجميع، لتحيا التضحية، ليسقط الاستعمار، ولتسقط إنجلترا، وسيتولى الله عقابكم قريبا..
وياعزيزى القارئ، دُفن الشهيد عبد الحكم الجراحى فى مقابر لاتخص عائلته، وفى العام 1937 نقلت رفاته إلى قبر جديد، عثرت عليه بعثة من كلية الآثار بجامعة القاهرة وفى هذا القبر دُفن "إبراهيم شكرى" الذى توفى بعد وفاة صديقه بعشرات السنوات، وعلى القبر الجديد لوح من الرخام مكتوب فيه:
ـ هذا ضريح الشهيد الشريف محمد أفندى عبد الحكم الجرّاحى الطالب بكلية الآداب بالجامعة المصرية، المولود فى أول يناير 1915، الذى أُغتِيل برصاص الإنجليز فى مظاهرة طلبة الجامعة المصرية عند كوبرى عباس فى يوم 14 نوفمبر 1935 للمطالبة بالحرية والاستقلال وتوفى يوم الثلاثاء 19 نوفمبر 1935، ونُقِل إلى هذا المكان فى احتفال رائع فى 4 يناير 1937 رحمه الله تعالى.
كان عبد الحكم الجرّاحى مصريا حرا، حمل علم مصر بعد استشهاد زميله عبد المجيد مرسى، وتلقى رصاص العدو المحتل وارتقى شهيدا، وقبل أن يموت فى سبيل الوطن، كتب الشعر، وسافر إلى فرنسا والتحق بجامعة ليون، ثم غيّر مسار حياته، فالتقى دكتور طه حسين وعرض عليه قصائده فأعجب بها، وطلب منه اللحاق بكلية الآداب بالجامعة المصرية، فعاد وانتظم فى قسم اللغة العربية قبل أن تصعد روحه إلى بارئها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد