العنف ضد المرأة.. جرس إنـذار لمجتمع فى أزمة

عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار دائم داخل الأسرة وينعكس على أفرادها نفسيًا

العنف ضد المرأة يتجاوز الإيذاء الجسدى أو اللفظى، ليشكل أزمة نفسية اجتماعية، تهدد استقرار الأسرة والمجتمع. فالأبناء الذين يعيشون فى بيئة مشحونة بالعنف يتأثرون سلبًا فى نموهم النفسى والسلوكى، ويكتسبون سلوكيات عدوانية أو انعزالية. ومع تكرار الإهانات والصراخ، تتحول الخلافات الزوجية أحيانًا إلى كوارث مأساوية تصل إلى جرائم قتل، وأظهرت الإحصاءات الأخيرة للتعبئة والإحصاء أن عام 2024–2025 شهد تصاعدًا فى العنف ضد المرأة، حيث تعرض 31–45.6% من النساء لعنف جسدى أو نفسى، و12.3% لعنف جنسى. وسجل مرصد الجرائم 363 حالة قتل و153 اغتصابًا و182 تحرشًا جنسيًا. أعلى نسب العنف فى القاهرة (32.7%) والجيزة (23.3%). ارتبط العنف بتفاقم الطلاق (265,606 حالة 2023) وتأثير سلبى مباشر على الأطفال.

نهال عاصم، أم  لطفلين، عاشت صراعات مستمرة بعد إنجاب طفلها الثانى بسبب تدخلات الأسرة، لكنها كانت تحاول دائمًا حماية بيتها وإخماد أى خلاف قبل أن يتحول إلى أزمة. رغم صبرها ومحاولاتها، كانت تدخلات بعض أفراد أسرة زوجها تزيد التوتر، وكانت تجد نفسها وحيدة فى مواجهة المشكلات. ازدادت الضغوط واللوم من زوجها، لكنها اختارت الرضا بما هو متاح وركزت على تربية أبنائها. تحسنت الأمور لفترة قصيرة، ثم سرعان ما تدهورت مجددًا، حتى وصل الأمر إلى الانفصال الغيابى على يد الزوج، تاركًا الأطفال دون حماية كافية، ما دفعها للحصول على الولاية التعليمية لحماية حقوقهم، بعد أن حاول أن يخطف بنته ويسفرها للخارج.. واجهت الخوف على أطفالها أكثر من نفسها، وأدركت أن سبب الطلاق لم يكن خلافًا عابرًا، بل غياب الاحترام والتفاهم والمشاركة، وهى الأسس الحقيقية لأى أسرة ناجحة.

د."هناء أبو مسلم السيد" الباحثة واستشارى علاقات زوجية وأسرية وطفولة ترى أن العنف ضد المرأة جرس إنذار لوطن بأكمله، وتقول: شهد المجتمع فى السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا فى العنف الأسرى، حيث تحولت بعض الخلافات الزوجية إلى جرائم مروّعة تصل للأطفال، وهذا يشير إلى مشكلة اجتماعية عميقة تحتاج معالجة شاملة نفسيًا وتربويًا وقانونيًا. غالبًا ما ينشأ العنف نتيجة تراكمات طويلة، منها ضعف الصحة النفسية، ونقص الوعى بالمشاعر، وعدم احترام الحدود الشخصية، واعتقاد خاطئ بأن العنف وسيلة للتأديب، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وتضيف: غياب آليات التدخل المبكر والأسرى يؤدى إلى انفجار العنف، ما يجعل الحاجة لاستراتيجيات الحد من العنف ضد المرأة أمرًا ضروريًا، بدءًا من التوعية منذ الطفولة، تعليم احترام النفس وفهم المشاعر، تمكين المرأة نفسيًا وقانونيًا، وتعليم الأولاد احترام المرأة ورفض العنف كوسيلة تربوية. كما يجب دعم الرجل نفسيًا من خلال برامج لإدارة الغضب والضغوط، وتعزيز مهارات الزواج والشراكة، مع تفعيل التدخل الأسرى المبكر، وتطبيق قوانين ردعية لضمان حماية النساء.

وتكمل: المبادرات قبل الزواج وبرامج التثقيف العاطفى وحل النزاعات أثبتت فعاليتها عالميًا فى تقليل العنف والطلاق، لذا التصدى للعنف يبدأ من تعليم المرأة الثقة بالنفس وحماية الأطفال من الإيذاء النفسى والجسدى، وتوعية المراهقات بالعلاقات الصحية ورفض التهديد أو الابتزاز بعد الزواج، يجب تفعيل خطوط الدعم والاستشارات الأسرية لضمان حماية قانونية فعلية.

وتختتم أبو مسلم قائلة: العنف يخلق دائرة مفرغة تنتقل عبر الأجيال، حيث تعانى المرأة من تدمير نفسى وجسدى، ويتعرض الرجل للتحول إلى معتدٍ، ويصبح الطفل الضحية الأكبر، مع اضطرابات نفسية قد تؤدى لتكرار السلوك العنيف. لذلك، تحتاج المجتمعات لمبادرات توعية بشعار مثل "بيوت آمنة.. مجتمع أقوى"، لنشر ثقافة احترام المرأة وبناء أسر صحية وحماية الأطفال.

 كوارث اجتماعية

دكتور "عبير عاطف" المستشار الأسرى، تقول: المشكلة الأساسية ليست أسرية، بقدر ما هى إدارة غضب. نحن لا نعرف كيف ندير الغضب، ولا نفرق بين الغضب والعنف، ولا نتقن فن إدارة الخلافات الزوجية. لذلك، يجب تعليم المقبلين على الزواج كيفية إدارة الخلافات والصراعات الزوجية بشكل صحيح، وتوعية الآباء بتأثير العنف على الأبناء والمناطق الدماغية التى تتأثر بالعنف.

وتضيف: من المهم تعزيز الترفق بالمرأة، وعدم ممارسة العنف ضدها، وتثقيف الزوجين على كيفية امتصاص غضب بعضهما، والاتفاق على قواعد محددة أثناء الخلافات لتجنب تحول الغضب إلى عنف. العنف بين الزوجين أصبح من أخطر أسباب ارتفاع نسب الطلاق، خاصة مع تنامى أشكاله النفسية والسلوكية والجسدية. وجذور العنف غالبًا تنبع من سوء إدارة الغضب، ضعف مهارات التواصل، والأفكار الخاطئة لدى بعض الرجال حول السيطرة وتحويل الضغوط اليومية إلى هجمات انفعالية، بدلًا من الحوار الهادئ. تأثير العنف يمتد إلى الأبناء، فينعكس عليهم بسلوك عدوانى أو انسحابى، ويؤثر على تركيزهم واستقرارهم النفسى ومستواهم التعليمى، ويخلق بيئة غير آمنة. الحد من العنف يبدأ بالوعى، وبناء علاقة قائمة على ضبط الانفعال والاحترام المتبادل، لأن إدارة الغضب بحكمة تحافظ على استقرار الأسرة وتمنع انتقال العنف إلى الجيل التالى.

وتختتم عبير: لمواجهة هذه الظاهرة، يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج، وإقامة ورش تثقيفية نفسية ومعنوية للمقبلين على الزواج. حماية الأسرة من العنف مسؤولية مجتمعية، وليس على المرأة وحدها، لضمان نشأة الأجيال فى بيئة آمنة تشجع الحوار والتفاهم بدلا من الخوف والتهديد. فى النهاية وقف العنف ضد المرأة خطوة أساسية لضمان سلام الأسرة وحماية المجتمع، وتحقيق مجتمع يسوده التفاهم والاحترام المتبادل.

دكتور إبراهيم عطية، أستاذ علم اجتماع الأسرة والمجتمع جامعة الزقازيق، يقول: الخلافات الزوجية كظاهرة اجتماعية طبيعية ناتجة عن تفاعل شخصين باتجاهات مختلفة. وتتنوع هذه الخلافات بين بناءة وخلافات هدامة لاستقرار الأسرة. العنف ضد المرأة ظاهرة مرفوضة تماما، ولا يمكن بأى حال من الأحوال تقبلها، وتضر بأمن واستقرار الأسرة والمجتمع. وللأسف الشديد تزايدت الظاهرة فى الفترة الأخيرة، وانتشرت حالات القتل داخل الأسرة، مما يهدد أمن واستقرار المجتمع. ولا شك أن الظروف الاقتصادية لعبت دورا بارزا فى ذلك أدت إلى شجار دائر داخل الأسرة مما انعكس على أفرادها نفسيا. ولابد من توفر الكفاءة والقدرة على الإنفاق لدى الزوج المقبل على الزواج؛ كذلك لابد من المكاشفة والصراحة، بعيدا عن التزين قبل الزواج والتجمل بالكذب فى بعض الأمور؛ فما نراه من تكاليف باهظة للعرس فى البداية يوقع الزوج فى ديون ممتدة الأجل، تنعكس على مستوى معيشة الأسرة وبالتالى تحدث خلافات زوجية تؤدى إلى الشجار بين الزوجين والضرب المبرح للمرأة، وقد يصل إلى القتل فى بعض الأحيان.

ويضيف عطية: أنصح الشباب المقبل على الزواج ألا يحمل نفسه أعباء أكثر من إمكانياته المادية، وأطالبهم بالمصارحة وعدم المبالغة فى إقامة حفل العرس، وأن يعيش كل منهم على قدر إمكانياته المادية، وكذلك على الأسرة أن تقوم بدورها فى الوقوف مع العروسين، وعدم المغالاة فى المهور وقائمة العفش التى تتسبب بكثير من المشاكل فى بداية الحياة الزوجية عند عقد القران. ولابد من تأهيل الشباب المقبل على الزواج نفسيا على الأساسيات العامة، ومعرفة دور كل شخص فى تكوين الأسرة بظروفه الاجتماعية والاقتصادية بصراحة ومكاشفة تامة، بعيدا عن التجمل المبالغ فيه.

الشيخ "خميس مبته" الداعية الإسلامى، يقول: كرّم الإسلام المرأة وأمر بالإحسان إليها وحسن المعاشرة، ونهى عن الإساءة لها، قال تعالى "وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا". فقد كرم الإسلام المرأة أمًا وزوجة وبنتًا كرمها. وقد نهى رسول الله عن ضرب المرأة فقال "لا تضربوا إماء الله"، وقال "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضى منها آخر"، ومعنى يفرك أى يبغض، وقد أوصى النبى معاملة المرأة باللين والرفق، فقال "رفقا بالقوارير"، وكرمها بنتا حينما قال فى حديث عقبة بن عامر عن رسول الله "من كان له ثلاث لغات فأحسن صحبتهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته كن له حجابا من النار"، وأكرمها أختا فقال صلى الله عليه وسلم "من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فأحسن صحبتهن فله الجنة".

ويضيف: من مظاهر العنف والأذى ضد المرأة حرمانها من ميراثها الشرعى، أو تزويجها كرها من لا ترغب فيه، وحرمانها من أولادها عند الانفصال. ومن مظاهر العنف أيضا، التحرش الجنسى أو اغتصابها، وهذا عمل لا يقبله شرع ولا دين ولا إنسانية. ومن مظاهر العنف أيضا وضع المرأة فى الأعمال الهابطة التى لا تليق بأنوثتها، أو فى الأعمال الشاقة، وتحميلها ما لا تطيق. ومن مظاهره أيضا إكراهها على الحمل المتكرر.

 ويكمل خميس: العنف ضد المرأة ناتج عن ضعف الوازع الدينى وضعف الثقافة الدينية والأسرية وظروف الحياة المعيشية الصعبة التى تعيشها بعض الأسر. وعلاج هذا العنف يرجع إلى غرس الوازع الدينى وتكثيف التوعية الدينية والأخلاقية وإسهام المجتمع والمسؤولين فى حل المشكلات الأسرية التى تنغص الحياة الأسرية، نسأل الله أن يصلح أحوال الأسر، ويرفع البلاء والوباء والغلاء عن الأمة، ويجعل البيوت عامرة بالمودة والرحمة.

 	إنجى صبحى

إنجى صبحى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

ضحايا الكلاب الضالة.. بين القتـل والإصابات الخطرة

من دفتر أحوال الشرطة وفقاً لتقارير الداخلية حوادث العقر منتشرة فى فى أكثر من محافظة

العنف ضد المرأة.. جرس إنـذار لمجتمع فى أزمة

عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار...

رودينا تامر: أم كلثوم قدوتى الفنية

حصلت على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية

يزيد مستويات الكـورتيزول فى الجسم ... الحزن القاتل

يؤدى التوتر والحزن والضغط العصبى إلى زيادة مستويات  هرمون الكورتيزول فى الجسم، مما يسبب خللا فى التوازن الدقيق للجهاز العصبى...