بعد أن أذن الله لرسوله بالجهر بالدعوة إلى الإسلام، أسلم عدد من رجال ونساء "مكة"، لكن "قريش" أزعجها هذا الأمر، وبذلت جهدها كله للقضاء على الدين الجديد، ولما زاد الأذى
بعد أن أذن الله لرسوله بالجهر بالدعوة إلى الإسلام، أسلم عدد من رجال ونساء "مكة"، لكن "قريش" أزعجها هذا الأمر، وبذلت جهدها كله للقضاء على الدين الجديد، ولما زاد الأذى والطغيان، سمح النبى الأعظم -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين بالهجرة إلى "الحبشة" التى كان يحكمها ملك مسيحى عادل ـ النجاشى ـ ولكن قوى الكفر والطغيان لم ترض بهذا، فأرسلت سفيرين من خيرة رجالها محملين بالهدايا الثمينة إلى ملك الحبشة بهدف استعادة المسلمين والتنكيل بهم، وفرضت حصارا على "بنى هاشم"، وتحمل النبى والصحابة هذا العناء فى سبيل الله وفى سبيل إعلاء كلمة التوحيد التى أراد الله لها أن تمحق الكفر والضلال والظلم الذى كان سائدا فى جزيرة العرب.
أخذ الإسلام ينتشر بمكة، وقلقت "قريش" قلقا شديدا، وأخذت قبائلها تعذب من آمنوا به وتؤذيهم، فأشار الرسول على أصحابه أن يتفرقوا، فى الأرض وقال لهم:
"إن الله تعالى سيجمعكم بعد حين"
فسألوه:
"إلى أين نذهب؟"
فقال صلى الله عليه وسلم:
"إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لايظلم عنده أحد، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه"..
فهاجر المسلمون إلى "الحبشة"، هجرتين، كانت أولاهما فى شهر رجب "سنة خمس من البعثة" وكان عدد المهاجرين أحد عشر رجلا، ومع أربعة منهم زوجاتهم، وكان من بينهم "عثمان بن عفان" ومعه زوجته "رقية" بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، و"أبوحذيفة بن عتبة بن ربيعة" ومعه زوجته "سهلة بنت سهيل بن عمرو، وأبوسلمة بن عبد الأسد ومعه زوجته "أم سلمة"، و"مصعب بن عمير"، و"عبدالرحمن بن عوف" و"عبدالله بن مسعود"، وخرجت هذه الجماعة من المسلمين متسللة سرا، حتى انتهت إلى "الشعيبة" ـ وهو ميناء كان قديما على البحر الأحمرـ منهم الراكب ومنهم الماشى، فوفق الله لهما سفينتين، حملتاهم "بنصف دينار"، ونزلوا بأرض الحبشة، فى خير دار، بخير جوار، وبعد مضى ثلاثة أشهر، جاءتهم أخبار كاذبة، بأن "قريش" دخلت فى الإسلام، فظنوا أنهم أصبحوا آمنين، فغادروا إلى "مكة"، ونالهم من قريش أذى شديد، وهاجر نحو ثلاثة وثمانين من المسلمين إلى الحبشة فى الهجرة الثانية، وكان من بينهم "جعفر بن أبى طالب" ومعه زوجته "أسماء بنت عميس"، وولدت له هناك ولده "عبدالله" وأخوين له، و"عبدالله بن مسعود " و"عتبة بن غزوان" و"عبدالله بن جحش" ـ ابن عمة رسول الله "صفية" بنت عبدالمطلب ـ ،وأخوه "عبيدالله" ومعه زوجته "أم حبيبة" بنت أبى سفيان، وفى الحبشة، تنصر"عبيدالله" ففارقته زوجته "أم حبيبة"، وفيما بعد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبوعبيدة بن الجراح، وفراس بن النضر بن الحارث، والمقداد بن الأسود، وعياش بن أبى ربيعة المخزومى، وهشام بن العاص، والسكران بن عمرو وامرأته "سودة بنت زمعة"، ثم توفى السكران وتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم، وعمار بن ياسر.
وأقام المهاجرون جميعا عند "النجاشى"، وانزعجت قريش لنزول هذا الجمع عنده، وخافت أن يؤدى وجودهم إلى دعوة "النجاشى" لغزو "مكة"، كما سبق أن فعلها "أبرهة"، ورأت أن ترسل إليه سفيرين، مرتين، مرة عند وصول المسلمين عنده، ومرة ثانية عقب هزيمتها فى "غزوة بدر" الكبرى، وكان "عمرو بن العاص" سفيرا فى المرتين، ومعه فى إحداهما "عمارة بن الوليد" وفى الأخرى "عبدالله بن أبى ربيعة"، وهما من "بنى مخزوم"، وبعثت "قريش" مع سفيريها فى المرتين هدايا كثيرة إلى "النجاشى" و"البطارقة" ـ رجال الكنيسة الحبشية ـ وقال السفيران لكل "بطريق" لقوه:
"لقد لجأ إلى بلدكم قوم سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا دينكم "المسيحية"، وجاءوا بدين مبتدع لانعرفه.
وحاول "البطارقة" إقناع الملك بحجة سفيرى قريش، وتولى الجواب عن المسلمين "جعفر بن أبى طالب":
"أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونقطع الأرحام، ونسىء الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله، لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحمة، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولانشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة.."
وسرد "جعفر بن أبى طالب" تعاليم الإسلام، ثم ختم حديثه بقوله:
"ـ فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، لانشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا عن عبادة الله إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك ورغبنا فى جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك".
فقال "النجاشى":
"هل معك مما جاء به رسولكم من شىء؟
فقال له "جعفر":
ـ نعم ..
ـ فاقرأه علىّ
فقرأ "جعفر" بعض آيات من "سورة مريم"، فبكى "النجاشى"، وبكى الأساقفة، وقال "النجاشى":
"إن هذا، والذى جاء به "عيسى" ليخرج من مشكاة واحدة، واتجه إلى سفيرى "قريش" فقال لهما:
"والله لا أسلمهم إليكما..
** وفى اليوم التالى عاد "عمرو بن العاص" فقابل "النجاشى" وقال له:
"إنهم يقولون فى عيسى إنه "عبد" فأرسل إليهم واسألهم عما يقولون فيه
فأرسل "النجاشى" إليهم فحضروا وسألهم:
"ماذا تقولون فى عيسى؟
فأجابه "جعفر بن أبى طالب":
"نقول فيه ما قال الله وما جاء به نبينا، هو عبدالله ورسوله، وروحه وكلمة منه ألقاها إلى "مريم العذراء"..
فضرب "النجاشى" بيده إلى الأرض، وأخذ منها عودا، وخط على الأرض وقال:
"إن هذا لايعدو ما جاء به عيسى..
وعاش المسلمون المهاجرون عيشة طيبة فى جوار "النجاشى"، وسمعوا بهجرة النبى صلى الله عليه وسلم إلى "المدينة" فرجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا، فمات منهم رجلان فى "مكة"، وحبست "قريش" سبعة منهم، فلم تأذن لهم بالهجرة إلى "المدينة"، وهاجر منهم أربعة وعشرون، واشتركوا فى "غزوة بدر"، وفى السنة السادسة للهجرة، كتب الرسول صلى الله عليه وسلم كتابا إلى "النجاشى" يطلب فيه إعادة المسلمين المهاجرين فى الحبشة، وعادوا مع "جعفر بن أبى طالب" ماعدا "عبيدالله بن جحش" الذى أقام فى الحبشة بعد أن تنصر، وتزوج النبى "أم حبيبة" زوجته التى كانت مسلمة وفارقته لما تنصر، ولما رجع المهاجرون من الحبشة إلى مدينة رسول الله، وجدوه والمهاجرين والأنصار يخوضون حربا ضد اليهود فى "خيبر"، واستقبلهم الرسول وأدخلهم فى سهام غنائم المسلمين من "خيبر" .
وفى الوقت الذى كان فيه المسلمون فى "الحبشة" أسلم "عمر بن الخطاب"، وأحست "قريش" خطر الإسلام، واقترح واحد من كبارها "عتبة بن ربيعة" على مجلس الحل والعقد فى قريش، الذهاب إلى النبى ومساومته وتقديم مقترحات مغرية حتى يترك دعوة الإسلام!
وذهب "عتبة بن ربيعة" إلى النبى وقال له:
"ـ يا ابن أخى إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به تشريفا، سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك تابعا من "الجن" تراه ولا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ منه..
وأجابه النبى الأعظم صلوات الله عليه:
"هل فرغت يا أبا الوليد؟
فقال:
"نعم.."
فقال النبى:
"فاسمع منى ..
وتلا صلى الله عليه وسلم سورة "فصلت"، وانبهر "عتبة" بما سمع من القرآن المعجز بيانه، ورجع إلى قومه يقول:
"ـ والله ما هو بساحر، ولاشاعر، ولا كاهن ..
وظلت "قريش" تفكر فى أمر النبى، وأتباعه الذين يزدادون يوما بعد يوم، وظل "بنوهاشم" يدعمون النبى ويزودون عنه، وكان "أبوطالب" عمه هو السند الذى يحول بينه وبين حماقات قريش، وقررت قريش أن تعاقب بنى هاشم، فقررت مقاطعتهم وعزلهم، وتجويعهم، وخرج "أبولهب" ـ عبدالعزى بن عبدالمطلب ـ عن إجماع "بنى هاشم" وخذل النبى وخذل بنى عبدالمطلب، ودام الحصار الذى فرضته قريش على بنى هاشم ثلاثة أعوام، وكان الهدف من هذا الحصار الغاشم قتل إرادة بنى هاشم، وكسر شوكة النبى والمسلمين، لكن هذا الحصار، لم يحقق هدفه، وهاجر النبى من مكة إلى المدينة، وانتشر الإسلام فى ربوع الجزيرة العربية ومنها إلى الدنيا كلها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
البنات الصغيرات مع عائلاتهن، فى خروجة مشمسة مبهجة مع أوائل نسمات الصيف.. لا تعرف الواحدة منهن الأخرى.. لكن النظرات تلاقت،...
ولد في «طيبة».. مدينة الشمس الحارقة والأرض السمراء، نشأ في رحاب المنطقة الأكثر ثراء في التراث والمعابد والقصور، لكنه لم...
درس الحقوق والهندسة والتحق بالحربية فى اسطنبول وحاز رتبة الفريق وتولى تعليم ولى العهد فاروق قواعد العسكرية بتكليف من الملك...
إمام سيرة أخرى أمير العمرى: الشيخ إمام عبقرية.. لا تظهر إلا فى لحظة تاريخية فاصلة كان يغنى خمس ساعات متواصلة...