الفرمانات السلطانية مرآة للحياة في الدولة العثمانية

"الفرمان" كلمة ارتبطت في الأذهان بالقرارات الدكيتاتورية التي كانت تصدر عن "الباب العالي" في السلطنة العثمانية

"الفرمان" كلمة ارتبطت في الأذهان بالقرارات الدكيتاتورية التي كانت تصدر عن "الباب العالي" في السلطنة العثمانية؛ والتي تكونت لها صورة ذهنية بنقوشها وجمال خطها وروعة زخرفتها وتناسق ألوانها وغنى مضمونها؛ كما احتفظ البعض بصور ووثائق تاريخية ترصد وتوثق للفرمانات العثمانية التاريخية الشهيرة.

ويُطلق مصطلح الفرمان، على مكاتبات السلطان العثماني التي يُصدرها إلى الشعب ورجالات الدولة  والدول الأجنبية  ويدرس علم الوثائق ( الدوبلوماتيك) هذه الفرمانات دراسة علمية تفصيلية.

 وللفرمانات العثمانية، أسماء وأنواع عديدة تتعدد تبعاً لموضوعاتها مثل:

 (Berat - البراءة): هي الوثيقة التي  تصدر عن السلطان فتعين عطية أو رتبة  أو شهرية أو تحدد مأمورية أو مهمة أو تعطي حق استخدام شيء أو امتياز  أو تحدد الإعفاء من مهمة أو مأمورية معينة.

 (Menşur- المنشور): الأمر السلطاني "الفرمان" الخاص بتولي المناصب المهمة في الدولة مثل الوزارة و الولاية و قاضي العسكر وقائد الجند.

 (Hüküm-الحكم): القرار الذي يصدر باسم السلطان عن الديواني السلطاني. المترجم

 (Nişan-النيشان): الأمر السلطاني بمنح ميدالية أو عطية إلى أحد رجالات الدولة أو غيرهم

(Yarlığ -يارليغ أو يارليق): كلمة تركية تعني الأمر وهو وثيقة تحمل أمراً واجب التنفيذ من السلطان العثماني


ويحتوى الفرمان على العناصر التالية بالترتيب من الأعلى إلى الأسفل على النحو التالي :

  أولا: اسم الله "هو/Hûve"[1] ثم الطغراء (توقيع السلطان العثمانى) ثم اسم المُخاطب ثم مضمون الفرمان وفى النهاية مكان تحرير الفرمان وتاريخ كتابته. وبالرغم من أن معظمنا في زمننا الحالي، لا يستطيع أن يقرأ خط الفرمان ولا أن يفهم ما يحويه ولا أن يفك شفرة طغرائه ولا أن يدرك عن أي شيء تُعبر ألونه، لكننا جميعا نستمتع بالنظر إليه وكأننا ننظر إلى لوحة جميلة خلابة تجذبنا بشدة إلى أغوارها إن هذه الفرمانات، برشاقة انثناءات واستدارات حروفها وتناسقها مع بعضها البعض وألوان الفرمان التي تبعث الطمأنينة في الروح وفخامة وعظمة الشكل المجمل لهذه الوثيقة تجعلنا وكأننا نشاهد صوره ثلاثية الأبعاد.

للفرمان العثماني أسرار وجمال تخفى عن المعلومات الجافة التي يقدمها علم الوثائق عن هذه الفرمانات. فعندما ننظر إلى الركن الأيسر من الجزء السفلى للفرمان نجد عدة كتابات، تمثل المكان والتاريخ الذى كُتب فيه الفرمان، ويلفت مكان وشكل كتابة كلمة" -Konstantiniyye القسطنطينية- "وهي العاصمة استانبول – النظر، فلأن عاصمة أية دولة هي بمثابة القلب منها، فإن العناية بها أفضل عناية هو أمر لازم، وهكذا فإن الخطوط التي كُتبت بها كلمة            "قسطنطينية" في الفرمان كانت على شكل قلب ولكي تُحفظ بشكل جلي في الفرمان تم وضعها في الجزء الأيسر من الفرمان وكأنها في القلب منه.  ومما يسترعي الانتباه ويلفت النظر أيضا تركيب كلمة "Konstantiniyye" فالمقاطع الأولى في أولها من اللغة اليونانية ومقاطعها الأخيرة من اللغة التركية العثمانية، فأصلها من كلمة  "Konstantinopolis" وهي كلمة  كانت تُطلق على عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، وكان العثمانيون قد دمروا هذه الإمبراطورية الكبيرة بعد أن أسسوا عشيرة لهم واستولوا على عاصمتها ولم يخشوا الثقافات الأخرى لشعوب البلدان المفتتحة ومن ثم لم يغيروا حتى اسم المدينة، لكنهم أضافوا فقط إلى أخر اسم هذه المدينة لاحقة بالتركية العثمانية تعنى كلمة (مدينة)2.

هكذا كان اسم المدينة، التي عاش فيها اليونانيون والمسلمون، مركباً من اللغتين اليونانية والتركية العثمانية، وهنا أذكر أن أسماء المدن البيزنطية الأخرى لم يجر عليها  ثمة تغيير، فمدن أدرنه وبورصه ومانيسا .أما بالنسبة للمدن التي أسسها العثمانيون بأنفسهم مثل "قوجه إلى/Kocaili "  و "ينيشهر/ Yenişehir" فقد أسموها بأسماء تركية خالصة  .


إن بقاء كلمة "Konstantiniyye" على هذا الشكل، قد طمئن اليونانيين الذين كانوا يعيشون في القسطنطينية عام 1453م بعض الشيء وأشعرهم بالأمان على أرواحهم وممتلكاتهم وديانتهم ولغتهم، كما أن هذه الكلمة كانت رسالة إلى المسلمين مفادها: أنهم منذ ذلك الحين سوف يعيشون سوياً وجنبا إلى جنب مع اليونانيين، ويمكن أن نرى هذه الرسالة بوضوح في الاسم الآخر الذي أطلقه العثمانيون على مدينة استانبول  وهو  (در سعادت) أى دار السعادة.

وبعد ذلك انتقل إلى ستة أسطر بالفرمان هي النص الأساسي للفرمان الذي أبحر فيه، هذه الأسطر الستة، تبدو وكأنها صوره لأمة تضم حشوداً من الناس ، إن هذه السطور المتفرقة بمثابة الأمة العثمانية، التي يتشكل نسيجها من تكتلات اثنية متعددة من الأتراك والعرب والروم والأرمن واليهود والعجم، فكل شعب من هذه الشعوب،  له دينه ولغته وهويته الثقافية ، لكنهم  بالرغم من ذلك يعيشون سوياً إلى جوار بعضهم البعض، كذلك كان تساوي الأسطر في طولها وحذوها، يعبر عن سياسة العدل والمساواة التي انتهجتها الدولة العثمانية، إزاء جميع هذه الشعوب، وعلى الرغم من هذه الفروق بين تلك الشعوب، إلا أنها تلتقي في نقطة تماس واحدة ،  وهذه السطور برغم وجود مسافات بينها وبين بعضها، إلا أن أواخرها تظهر متصلة يبعضها البعض، كذلك لم تسطر الكتابات داخل الفرمان بلون واحد فقط، بل دونت بالحبر الأخضر والأحمر والأسود وهكذا كانت الأمة العثمانية التي ضمت مللاً إسلامية ومسيحية ويهودية، فكل منتسب إلى دين أو عقيدة منهم كان يستطيع أن يعيش في كنف الدولة العثمانية وأن يحافظ على عقيدته.


عندما نلقي نظره إجمالية على هذه السطور يمكننا أن نرى نظاماً وترتيباً واتحاداً وتلاحماً داخل هذا الفرمان، الذي يبدو وكأنه لوحة أصيلة رائعة وأظن أن هذه المجتمعات ذات الديانات واللغات والأعراق والمذاهب والثقافات والجغرافيا المختلفة ، كانت العدالة هي السر في أن تعيش سوياً في طمأنينة على مدى ستة قرون.

إن تكدس الكتابات الموجودة في المتن، بين السطر الثالث والسادس والتي تشبه الجنود المصطفة في سرايا، هي عبارة عن سجل حساب مالي في فرمان كتبت بخط السياق  "siyâkât" ويتصف هذا الخط - الذي استخدم  في سجلات المواليد

 وسجلات وزارة المالية- بصعوبته وغموضه، هذا الخط بتداخله مع الخطوط الأخرى يشبه (جند السباهيه= الفرسان) الذين يُطلق عليهم (الفرسان أصحاب التيمار/ Tımarlı sipahiler) [2]و الذين كانوا يشكلون قوه عسكرية كبيرة للدولة العثمانية، عاشوا ملتحمين بالشعب لا يفارقونه إلا حين كانوا يخرجون للحرب، هؤلاء الفرسان كانوا يحافظون بشكل كبير على أسرارهم ونظامهم وانضباطهم العسكري وكانوا على أهبة الاستعداد للخروج إلى الحرب دوماً.

كان خط نص الفرمان يُكتب بالخط الديواني، وهو خط خاص بالمجلس المسمى" الديوان الهمايوني - ديوان همايون- "Divân-ı Hümâyûn ويتكون من ممثلين للحكومة وممثلين للقضاء وممثلين لوزارة المالية ووزارة الخارجية، برئاسة السلطان العثماني صاحب القرار الأعلى والسلطة التشريعية في الدولة، ومن خلال هذا الديوان، كان يستطيع أي مواطن عثماني أن يجد حلاً لمشكلاته، عن طريق الرجوع مباشرة إلى هذا الديوان الذي كان ينظر- فضلاً عن المسائل الدينية - في الأمور المتعلقة بالقضاء والإدارة أيضاً وكما كان كل حرف من هذه السطور يحتل مكانه في الأبجدية،  كان لكل فرد عثماني أيضاً مكانته وقيمته لدى أعضاء هذا الديوان.

لاحظت كذلك أنه يوجد نصف سطر بين النص والطغراء ، يبدأ بخط طويل وأن حروف كلماته أكبر من حروف كلمات السطور التي تليه، هذا السطر الذي بمثابة الجسر بين الطغراء والسطور يشبه رجالات الدولة، الذين هم أيضاً بمثابة الجسر بين الرعية والسلطان، كما أن كتابة هذا السطر أيضا بألوان مُختلفة يشير إلى أن أرباب الإدارة والرئاسة، كان يتم اختيارهم من الفئات المختلفة التي يتشكل منها المجتمع العثماني، فضلاً عن ذلك، كان لكل من لدية الكفاءة والخبرة من الرعية الفرصة في أن يُرقى إلى منصب الصدر الأعظم وهو المنصب الأعلى بعد منصب السلطان، وقد تولى هذه المناصب الكثير، سواء من الترك أم من الشعوب والملل الأخرى فالإدارة وتولي المناصب الرئاسية في الدولة، لم تكن حكراً على أحد إنما كان لأصحاب المهارة والخبرة.

أما الطغراء التي – وهي جملة التمهيد والنص الأساسي للفرمان وتبدو في الفرمان بأبهتها وكأنها السلطان العثماني، الذى يجلس بكل عظمه على كرسي العرش في السرداق، أو في قصره المنيف، إن كل شيء في هذه الطغراء يوحى بعظمة الدولة العثمانية ، ماء الذهب و جمال الخط ونسقه والعبارات التي تشتمل عليها.

أما الأذرع التي تخرج من هذه الطغراء، فهي بمثابة السلطان العثماني، الذى يأتي على رأس رجالات الدولة وفي مقدمة الرعية والذي تمتد يده دائماً ليحتضنهم جميعاً، كذلك انعكست تشريفات السراي العثماني ونظامه وعالمه الخفي في الخطوط المتعرجة التي تتشكل منها هذه  الطغراء.

أما الزخارف الفنية الرائعة التي على شكل الخيمة والتي تعلو الطغراء، فتذكرنا بالخيمة السلطانية "Ortağ-ı hümayüni"[3] ( الخيمة التي كان يقيم فيها السلطان زمن الخروج إلى الحرب)  لقد اتبع العثمانيون القاعدة التركية المتواترة منذ ألاف السنين والتي تمتد أصولها إلى الألطائيين والتي مفادها أن تُدار الدولة من قبل عائلة جديرة بثقة الجميع ويتولى منصب  السلطان أحد أفراد هذه العائلة، ولأن السلطان كان في الدولة العثمانية مباركاً مختاراً، فإن توقيعه على الفرمان كان لابد أن يكون مموهاً بماء الذهب وبأكثر الألوان أناقة وآبهة .

 

في مقابل هذا، ومن أجل ألا يغتر السلطان بملكه وحتى يتذكر دائما، أنه سوف يحاسب ذات يوم كانت هذه هي الكلمات التي يُثنى بها عليه:

 ( سلطاننا لتكن سعيد الحظ ، ميمون الطالع، سلطاننا لا يغرنك الُملك ، فالله أكبر وأعظم، ليكن الله عوناً و مدداً لك، اللهم أطل في عمر مولانا وأدم ملكه).

وفى أعلى الفرمان في ذلك المكان، الذى تكتمل فيه العظمة ، نجد اسم الله عز وجل في أعلى الفرمان، يعلو الجميع وفوق كل شيء، من خلال ما اصطلح  في علم الدبلوماتيك على تسميته     بـ " هو - Hüve " أو حرفا " ب ، س " وهما اختصاراً لكلمة بسم الله،  فكل شيء يعود إلى الله  فالسلطان مسئول أمام الله المطلع على  نيات وسرائر البشر ، فما الذى يمكن أن يمنع السلطان من ظلم الناس ومن الحياد عن العدل  أكثر من هذا  الشعور والإدراك.

إن روعة شكل الخيمة التي تضم الطغراء " توقيع السلطان" و تبدأ من أعلى مكان في الفرمان متجهه إلى أسفل، تُعبر عن الاعتقاد الديني لدى العثمانيين، بأن السلطان هو ظل الله في الأرض   ومهمته الأساسية هي أن يحكم بين الناس بالرحمة والعدل وفقاً لشرع الله ، ويجب أن تُراعى هذه المعايير في كنه الفرمان " الأمر" الذي يوقعه السلطان، فالأمر في الحقيقة لله  تعالى وهو سلطان السلاطين، أما السلطان العثماني فهو مجرد مُنفذ لأوامر الله على الأرض، هذه الحقيقة يجب ألا تُنسى على مر الزمن. فإن كان الفرمان للسلطان فالحكم لله .


[1]- هذا المصطلح في الفرمان العثماني عبارة عن اسم الله الذي يأتي في مقدمة الفرمان في صورة حرفين هما  " ب- س" اختصاراً لعبارة بسم الله . المترجم

[2] - نظام التيمار/Timar:

هو نظام إقطاعي لملكية الأرض، كان سائداً في بلاد الشام منذ أيام السلاجقة كانت الدولة  العثمانية، تخصصه من الأراضي الميرية، التي تمتلك رقبتها والتي تعرف عند الدول الإسلامية باسم "أراضي بيت المال" إلى بعض العسكريين حيث يتم تشغيل الأرض بنظام التيمار.  والتيمار هو الأرض التي تدر عائد سنوياً يبدأ من 1000 آقچه إلى 19.999 آقچه (عملة عثمانية من الفضة اختلفت قيمتها من فترة إلى أخرى وقد سُكت أول مرة في عصر السلطان أورخان 726/761هـ) خُصصت هذه الأراضي في فترة من الفترات لبعض العسكريين من فرق الخيالة المعروفة بالسباهية، ثم خُصصت في فترات تالية لغيرهم من العسكريين وكبار رجالات الدولة، بدلاً لهم لإيفائهم بوظيفة الجهاد والخدمات العامة وهي من أكثر الإقطاعيات شيوعاً.  كانت القطعة من الأرض الميري المملوكة للدولة، التي يتم تخصيصها للتيماري تُعرف باسم "التيمار أو الديرلك" وكانت تُخصص في الغالب لقادة فرق السباهية أي الفرسان الذين يقومون بالعناية بها والإشراف على زراعتها في أوقات السلم، على أن ينتفعوا بخراجها السنوي وقد أطلق على هذا النظام اسم "التيمار" وعُرف المنتفعون به باسم "أرباب التيمار أو الديرليك" .

[3]- الخيمة التي كان يقيم فيها السلطان زمن الخروج إلى الحرب. المترجم


 	شرف دفران ـ ترجمة د.وليد حسنين

شرف دفران ـ ترجمة د.وليد حسنين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد