هل كان عبد الناصر الرجل الوحيد الذى أحبته أم كلثوم؟

لم يكن المصور الأمريكى "هوارد سو شورك" وحده الذى التقط بعينيه وكاميرته ذلك الشاعر العاشق، الذى يجلس فى حفلات أم كلثوم شاردا وذاهلا عن الدنيا، لا يرى غيرها ولا يسمع

لم يكن المصور الأمريكى "هوارد سو شورك" وحده الذى التقط بعينيه وكاميرته ذلك الشاعر العاشق، الذى يجلس فى حفلات أم كلثوم شاردا وذاهلا عن الدنيا، لا يرى غيرها ولا يسمع سواها، يستبد به الطرب فيأخذه بعيدا، ويتطوح كما يفعل المتصوفة فى حلقات الذكر.. سليم نصيب هو الآخر استوقفته علاقة رامى بأم كلثوم، فنسج من وحيها رواية بديعة، ربما تكون أجمل وأصدق ما تناول هذه العلاقة المدهشة والمعقدة والاستثنائية فى تاريخ العشق.

سليم نصيب كاتب وأديب من أصل لبناني، يهودي، ولد فى بيروت سنة 1946 ثم انتقل ليعيش فى باريس منذ العام 1969، وعمل كمراسل لصحيفة "ليبراسيون"، واشتهر بأعماله الروائية المستوحاة من قصص غرام للمشاهير، وبينها روايته التى أثارت جدلا عن قصة حب جمعت بين واحدة من عتاة الصهيونية ومن مؤسسى الدولة الإسرائيلية، السيدة جولدا مائير، وبين ثرى فلسطينى من حيفا اسمه ألبير فرعون، واستمرت العلاقة نحو أربع سنوات ( بين 1929 و1933) وتركت نهايتها الحزينة أثرا دامغا فى قلب جولدا مائير، تشير الرواية إلى أنه كان من أسباب كراهيتها الشنيعة لكل ما هو عربى!

 (1)

وفى روايته "كان صرحا من خيال" التى كتبها بالفرنسية وترجمها بسام حجار واختار لها هذا العنوان الشاعرى بدلا من عنوانها الأصلى " أم" مختصر اسم أم كلثوم كما هو شائع فى الكتابات الغربية عن سيدة الغناء العربى - ، فإن سليم نصيب يروى سيرة أم كلثوم بعيون رامي، الشاعر الفذ الذى ساقه القدر ووضعه فى طريقها وهى تتحسس خطاها فى القاهرة فى بداية رحلة صعودها، وظل ملازما لها مُشكلا الركن الأهم فى تجربتها ودولتها، وكان صاحب النصيب الأكبر والأوفر بين شعرائها، فكتب لها وحده 137 أغنية من بين 383 أغنية هى رصيد مشوارها، منذ أن غنت له "الصب تفضحه عيونه" سنة 1924 وحتى "يا مسهرنى" آخر ما غنته من كلماته سنة 1972.

 وكان رحيلها فى فبراير 1975 هو تاريخ نهاية الحياة بالنسبة له، فاعتكف فى بيته يجتر الذكريات والدموع، وكان ظهوره العلنى الوحيد بعد رحيلها عندما شارك فى حفل تأبينها بدعوة من الرئيس السادات، وفيه ألقى قصيدته التى كان ظاهرها الرثاء وباطنها اعترافا صريحا بحبها، وخاصة فى بيت الشعر الذى أعتبره من أجمل وأرق ما قال عاشق فى معشوقة: وبى من الشجو من تغريد لملهمتى/ ما قد نسيت به الدنيا وما فيها.

ظل رامى إلى جوار أم كلثوم ما يزيد عن نصف قرن، كانت تعرف حبه الغامر لها، لكنها رفضت طلبه بالزواج منها، فقد أدركت بحسها الفطرى الأنثوى أن زواجها منه يعنى أن تكسبه كزوج وتفقده كشاعر، ولذلك فضلت أن تبقى الأدوار كما هى: العاشق والملهمة، وكانت النتيجة تلك الحصيلة المدهشة من الأغنيات التى عبر فيها عن لوعته وعشقه لها.. وعندما تقرأ رواية سليم نصيب البديعة عن قصة حب رامى لأم كلثوم، ستدرك أننا أمام قصة لا تقل سحرا عن قصص عشاق التاريخ الكبار، قصة تستحق أن توضع إلى جوار "قيس وليلى" و"عنتر وعبلة" و"أنطونيو وكيلوباترا" .

لم يكن رامى يحتاج إلى أن يسمع إلى الآراء العلمية فى أم كلثوم كظاهرة كونية، ولا أن يقرأ ما كتبه واحد من أكابر أهل الموسيقى كالمايسترو سليم سحاب ودراسته القيمة عن صوت أم كلثوم، والتى يقول فيها "إنه صوت يتميز بست خصائص فريدة تجعل منه ظاهرة لا يمكن تكرارها: أولاها مساحته العريضة، إذ يغطى صوتها ديوانين كاملين وهو أمر نادر فى أصوات المطربات فى العالم.. وثانيتهما: التملك من الصوت، فهى تستطيع أن تؤدى بسهولة جملا غنائية صعبة للغاية بزخرف صوتى يصل إلى حد الإعجاز.. وثالثتهما: قوة الصوت، فالغناء المعتمد على الحجاب الحاجز فى أسفل الرئتين يجعل ضغط الهواء فى الحنجرة مساويا مرتين ونصف المرة للضغط الجوى، أما غناؤها فكان يعتمد على حنجرتها ولهذا السبب كانت تبتعد عن الميكروفون أكثر من متر فى حفلاتها حتى لا تحترق ذرات الكربون فيه، فإذا ارتفعت نبرة الغناء ابتعدت أكثر، وهذه الفصيلة الصوتية انقرضت الآن.. ورابع الخصائص: هى القوة البدنية، فقد كان فى إمكانها أن تغنى لمدة أربع ساعات متواصلة، فى حين أن أطول مدة يمكن أن يغنيها مطربو الأوبرا العالميون لا تتجاوز 40 دقيقة فقط.

وخامستها: طول العمر الغنائى لصوتها، حيث بدأت الغناء منذ أن كانت طفلة واستمرت حتى سن الثالثة والسبعين، أى ما يزيد على 60 سنة كاملة، وليس فى تاريخ الغناء ظاهرة مماثلة أو حتى مقاربة.. وسادستها: دقة الصوت، وقد أجريت عام 1975 تجارب إلكترونية لقياس نسبة النشاز فى الأصوات المصرية المعروفة وأظهرت الأجهزة الحساسة أن دقة صوت أم كلثوم بلغت واحدا على الألف من الطنين..".

لم يكن رامى فى حاجة إلى دليل.. فقد كانت روحه تدله.. وعشق الروح "مالوش آخر"!

 (2)

وعلى منوال كامل الشناوى فى كتابه المذهل "الذين أحبوا مى" والذى أورد فيه قائمة عشاق أديبة الشرق مى زيادة، يمكننا أن نقدم كتابا مثله عن الذين أحبوا أم كلثوم، من القصبجى إلى رامى، ومن شريف باشا صبرى (خال الملك فاروق الذى تمنى الزواج منها لولا اعتراضات الأسرة المالكة التى لم توافق على زواجه من فلاحة) إلى زوجها الرسمى المعلن د. محمد حسن الحفناوى الذى ارتبط بها عام 1954، بعد أن ودعت سنوات الشباب، وظل زوجها العاشق حتى يومها الأخير..وفوقهم ملايين العشاق من جمهورها على امتداد العالم العربي، الذى أسره الصوت، وهام فى سحره ووقع فى غرام صاحبته..لكننا نظن أن الحب الكبير فى حياة أم كلثوم كان لرجل واحد اسمه جمال عبدالناصر، آمنت بزعامته وجندت نفسها خلفه فى معاركه وغنت له من قلبها ورفضت أن تغنى بعده لغيره وحزنت على رحيله ربما أكثر ما حزنت على والدها الشيخ إبراهيم البلتاجى.. عبد الناصر هو الذى أنقذ مسيرتها الغنائية.. وسمعتها كإنسانة.. وأما عن الأولى فقد حدث بعد ثورة يوليو 1952 أن اتخذ أركان حرب الإذاعة (الضابط الذى عينته الثورة مشرفا على الإذاعة المصرية تقديرا لتأثيرها ودورها) قرارا بمنع إذاعة أغنيات أم كلثوم من الإذاعة وحذفها من خريطة البرامج، وكانت حجته أنها مطربة العهد البائد ولا يجوز أن تستمر فى عهد الثورة المباركة.. مما يعنى نهاية أم كلثوم.

وذهب مصطفى أمين إلى عبد الناصر يحمل له شكوى أم كلثوم، اختارته هو لتستنجد به لمعرفتها بتقديره لها ومحبته لصوتها، وكان فعلا عند حُسن ظنها، فاتصل فورا بأركان حرب الإذاعة غاضبا وسأله بحدة: لو مشينا بوجهة نظرك يبقى لازم نلغى كمان النيل والهرم.. ما هما كمان من العصر البائد؟.. أغانى أم كلثوم زى النيل والهرم.. وفورا لازم ترجع لخريطة الإذاعة".. وهكذا أنقذ عبد الناصر مستقبلها الغنائي.

ورغم مشاغله الكثيرة ولكنه كان يحرص على حضور حفلاتها الشهرية مع كبار رجال الدولة.. كانت هى مطربته المفضلة دائما، وحدث فى لحظة غضب أن قررت أم كلثوم اعتزال الغناء احتجاجا على انحياز عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة لعبد الوهاب فى انتخابات نقابة الموسيقيين وكانت هى منافسه الأقوى على منصب النقيب، وذهب أحمد شفيق أبو عوف ليبلغ عبد الناصر بقرار أم كلثوم، فما كان من الرئيس إلا أن صحب مجلس قيادة الثورة وذهبوا إلى بيت أم كلثوم ليطيبوا خاطرها وحتى تعدل عن قرارها.. وفعلت إكراما لناصر الذى لم تنس له أبدا أنه أنقذ مستقبلها الغنائي.. وحدث فى العام 1965 عندما قُبض على مصطفى أمين فى قضية التجسس الشهيرة أن ذهبت لجنة لجرد مكتبه وخزينته الشخصية، ووجد الضابط على إمبابى من بين أوراق مصطفى أمين الخاصة عقد زواج عرفى قديم بينه وبين أم كلثوم، فدسه فى جيبه وذهب به فورا إلى عبد الناصر تقديرا منه لخطورة الورقة، وأصدر عبدالناصر قرارا فوريا بمنع نشر أى خبر يتعلق بهذا الزواج حرصا على سمعة أم كلثوم، وحتى لا يجرى إدخالها فى تلك القضية الشائكة التى كان يحاكم فيها مصطفى أمين.. وهكذا أنقذ عبد الناصر سمعتها الشخصية.. كانت عنده رمزا وطنيا لا ينبغى المساس به تحت أى ظرف.

كان عبد الناصر يحمل تقديرا خاصا لأم كلثوم، وكانت هى الوحيدة من مطربات زمانها المسموح لها بزيارة بيت عبد الناصر متى شاءت، فقد كانت هناك صلات عائلية بين أسرة الزعيم وسيدة الغناء، بل لا نبالغ عندما نقول إنها كانت سيدة مصر الأولى طوال سنوات حكم عبدالناصر..

وعندما جردوا خزينة عبد الناصر بعد وفاته وجدوا أن أبرز مكان فيها كان مخصصا لحفلات أم كلثوم، فقد كان يطلب من د. عبد القادر حاتم ( وزير الإرشاد بوصفه مسئولا عن مبنى الإذاعة والتليفزيون) نسخة أصلية من كل حفل لأم كلثوم، حفلات ثومة بالذات.

أحبت أم كلثوم عبد الناصر حبا فوق الوصف، وغنت له كما لم تغن مطربة لزعيم، وعندما وقعت النكسة التى كسرت عبدالناصر لم تكتف بأن تناشده مع جموع الشعب بأن يتراجع عن قراره بالتنحي، بل أعلنت رأيها فى أغنية كاملة وخاصة: ابق فأنت الأمل الباقى / ابق فأنت حبيب الشعب.

 (3)

أما ما فعلته أم كلثوم لصالح إعادة بناء الجيش المصرى وتسليحه فيحتاج إلى كتاب منفرد نحكى فيه تفاصيل تلك الملحمة الوطنية التى عزفتها أم كلثوم .. جندت نفسها وصوتها وشهرتها الطاغية لصالح الوطن وزعيمه.. قررت أن تكون إيرادات حفلاتها كلها من أجل تسليح الجيش واستعادة الكرامة الوطنية.

بدأت حفلاتها فى دمنهور، واحتشد يومها 3500 مستمع دفعوا 39 ألف جنيه، وفى الإسكندرية تضاعفت الحصيلة فوصلت إلى 100 ألف جنيه بالإضافة إلى 42 كيلو من الذهب والمصوغات تبرعت بها نساء الإسكندرية إكراما لأم كلثوم.. وفى حفل طنطا بلغت ايراداته 283 ألف جنيه، وفى المنصورة 125 ألفا.

طارت لتغنى فى تونس والمغرب والسودان وليبيا ولبنان والبحرين والعراق وباكستان.. وفى الكويت جمعت بالإضافة إلى إيراد الحفل 60 كيلو من المجوهرات والمشغولات الذهبية.. وأقامت حفلين فى "الأوليمبيا" أعظم مسارح باريس بلغت إيراداتها 212 ألف جنيه استرلينى.

وبلغت الحصيلة الإجمالية لحفلاتها من أجل المجهود الحربى ما يزيد على ثلاثة ملايين دولار، ذهبت كلها لتسليح الجيش المصرى.

أما إذا أردت دليلا ملموسا على حب أم كلثوم لناصر فيكفى أن تعود لتسمع فى تأن أغنيتها له يوم رحيله قبل خمسين سنة.. الأغنية التى كتبها نزار قبانى ولحنها السنباطي، ظلت أم كلثوم تسجلها فى استديو الإذاعة من منتصف الليل إلى الثامنة من صباح اليوم التالي، فى كل مقطع كانت الدموع تخنقها وتحبس صوتها، وستشعر من بين الدموع والكلمات مدى ما كانت تحمله أم كلثوم لناصر:

"عندى خطاب عاجل إليك من الملايين التى قد تيمها هواك.. من الملايين التى تريد أن تراك.. عندى خطاب كله أشجان.. لكننى يا سيدى لا أعرف العنوان.. والدنا جمال عبدالناصر.. الزرع فى الغيطان والأولاد فى البلد ومولد النبى والمآذن الزرقاء والأجراس فى يوم الأحد.. وهذه القاهرة التى غفت كزهرة بيضاء فى شعر الأبد.. يسلمون كلهم عليك.. يقبلون كلهم يديك.. ويسألون عنك كل قادم إلى البلد.. متى تعود للبلد.. حمائم الأزهر يا حبيبنا تهدى لك السلام.. معديات النيل يا حبيبنا تهدى لك السلام والقطن فى الحقول والنخيل والغمام جميعها تهدى لك السلام».

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

السعودي شو وتجربة شراء اشتراك نتفلكس بطريقة أكثر اطمئنانًا

في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

ابتلى به الإنسان من بداية الخلق .. الاختيار مسئولية

بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية