قلنا فى الحلقات السابقة إن العرب حينما دخلوا مصر سنة (19 هـ 640م)، كانوا فى أمسّ الحاجة إلى خيراتها الوفيرة المعروفة عنها، وهذا ما تبين فى احتياج خليفة المسلمين فى
قلنا فى الحلقات السابقة إن العرب حينما دخلوا مصر سنة (19 هـ 640م)، كانوا فى أمسّ الحاجة إلى خيراتها الوفيرة المعروفة عنها، وهذا ما تبين فى احتياج خليفة المسلمين فى ذلك الوقت عمر بن الخطاب إلى الخراج القادم من مصر، حيث توقفنا عند الخلافات الطويلة بين الخليفة عمر بن الخطاب والوالى عمرو بن العاص، بسبب «خراج مصر»، تلك الخلافات التى وصلت إلى حد المواجهة اللفظية المباشرة بينهما، حيث اتهم الخليفة واليه عمرو بن العاص بالإبطاء فى إرسال خراج مصر، بينما طالب الأخير الخليفة بالتمهل كى لا يؤذى جموع المصريين ويُثقل عليهم.
الحق أن العرب حينما دخلوا مصر كانوا يجهلون جزءاً لا يستهان به من فنون الحكم وأمور الدولة، لكنهم سرعان ما تعلموا كيف يتدبرون أمورهم، حيث كانت الأراضى الزراعية والمحاصيل والتجارة فى البحر من الأمور الجديدة على أبناء الصحراء، الذين كانوا يجهلون التقدم الهائل فى كثير من الصناعات والمهن، «مثل الطب والنسيج والزجاج والعمارة والفسيفساء والمرمر، والورق والسفن»، والذى لا شك فيه أن مدينة عالمية مثل الإسكندرية كانت تضم أعظم مكتبة فى التاريخ قبل دخول الإسلام بمئات السنين كانت شاهداً على الفارق الحضارى الهائل بين المواطن العربى البسيط القادم مع جيش عمرو بن العاص والمواطن السكندرى ابن البلد، فى ذلك الزمان البعيد.
ورداً على اتهامنا بالاعتماد على المؤرخ الإنجليزى ألفريد ج. بتلر، صاحب «فتح العرب لمصر» وهو مؤرخ بريطانى معروف، نقول إن العرب حينما دخلوا مصر لم يكونوا يعرفون شيئاً عن طبيعة أهلها أو ثقافتهم الدينية، وزاد الطين بلة أن العرب لم يكتبوا حوادث فتح مصر من وجهة نظرهم، إلا بعد مرور نحو قرنين من الزمان، بحيث تركوا فجواتٍ وتشوهات تبدو كأنها مقصودة تركت أثراً لا يُمحى على الأخطاء المدونة فى تسجيل هذه اللحظة المهمة، بحيث أصبح من المستحيل العثور على تسجيل «عربى» علمى دقيق لتلك الحادثة الفريدة.
وبدلاً من أن يمنح العرب الأولوية لتدوين حوادثهم، مثلما كانت الأمم العظيمة فى كل الأزمان تفعل، ترك رجال الصحراء الفرصة تفلت من أيديهم، للأجيال اللاحقة، حيث انقسم المؤرخون العرب القدامى على بديهيات فتح مصر: هل فُتِحت عنوة أم فُتِحت صلحاً؟.. وتخبَّطوا بين الحكايات وتعاركوا فى الآراء وخلطوا فى الحوادث، بحيث لم يميزوا القبط من الرومان على مستوى ثقافة البشر، مثلما لم يميزوا بين دخول جيوش عمرو بن العاص الإسكندرية أول مرة، صُلحاً بعد واقعة «حصن بابليون»، وبين دخولهم الإسكندرية عنوةً بعد الثورة التى قادها «مانويل»، فيما بعد.
على الرغم من كل ذلك التضليل، وجدنا أنه من الممكن أن نحصل على بعض المعارف الدقيقة المتعلقة بذلك الزمان البعيد، سواء عند بعض المؤرخين العرب القدامى، أو عند المؤرخ الإنجليزى بتلر، الذى يورد نسخاً من شروط هذا الصلح الأول بين العرب والمصريين، لافتاً وهو البريطانى إلى أن العرب كانوا ملتزمين إلى حد كبير بعدم زيادة الجزية على المصريين، خصـــــــوصاً فى السنوات الأولى للهيمنة العربية على مصر، مؤكداً أن العرب حافظوا على عهودهم دائماً، وكانوا إذا أعطوا كلمة لا يغيرونها أبداً، مورداً شروط الصلح الستة التى جعلها القبط فى عقدهم للصلح مع العرب: «ألا يخرجوا من ديارهم، ألا يُفرق بينهم وبين أزواجهم، ألا يُطردوا من قراهم، ألا تنزع منهم أرضهم، ألا تزاد عليهم الجزية، أن يحموا من عدوهم».
شروط الصلح
يذكر بتلر الشروط التى توافق عليها العرب والقبط فى مصر، مشيراً إلى أن حماية المسلمين لأهل الذمة فى ذلك الوقت الأول من حكم الإسلام لم تكن تقيدها القيود التى دخلت فيما بعد على أحكامه فى أمر أهل الذمة، فإن شرط الصلح مع المسيحيين قضى بأن يدفعوا الجزية، على أن يأمنوا فى بلادهم، ويُدفع عنهم من أراد غزوهم من عدوِّهم، فكان هذا عهد أهل الذمة الذى تم الاستقرار عليه، يشير بتلر إلى أن تغيراً طرأ على هذا العهد منذ القرن العاشر الميلادى، حيث تقيد دفع الجزية بنوعين من الشروط: ما يجب لزومه واتباعه فى كل الأحوال، وما يكون لزومه واتباعه بحسب شرط العقد، والشروط التى لا بد من لزومها واتباعها كانت: «ألا يعتدى على القرآن ولا تحرق مصاحفه، ألا يقال على النبى إنه كذاب، ألا يسب دين الإسلام، ألا يتزوج مسيحى من مسلمة، ألا يغرر بمسلم ويغرى ليرتد عن الإسلام، ألا يوالى أعداء الإسلام ولا ينصروا».
أما الأمور التى يتبعُ فيها شرط العقد فكانت: «أن يلبس أهل الذمة لباساً يميزهم ويعقدوا الزنانير على أوساطهم، ألا يعلوا فى بنيانهم على المسلمين، ألا يؤذوا المسلمين بقرع نواقيسهم ولا بترتيلهم فى صلاتهم، ألا يبدوا صلبانهم ولا يشربوا الخمر جهاراً ولا يظهروا خنازيرهم».
الشاهد أن هذه الشروط لم تعد مفهومة اليــــوم، إلا إذا علمنـــا أن سلــــوكيات المنتصرين فى تاريخ الغزوات التى عرفتها البشرية قبل الإسلام تقول إن شروط المسلمين فى مصر كانت فى النهاية شروطاً معقولة للمنتصرين، قياساً إلى مجازر الرومان ذات الشق المذهبى وضرائبهم الباهظة، وقياساً إلى جرائم الفرس لحظة دخولهم مصر، وبالتالى كان العرب لا يريدون من مصر سوى الخراج، لإسكات هؤلاء «القوم المحصورين» الذين يحيطون خليفة رسول الله، عمر بن الخطاب فى مقر حكمه فى «المدينة المنورة».
نستطيع اليوم أن نعرف أن جوهر الخلاف بين عمر وعمرو، كان بشأن جباية الضرائب، فلم يكن ابن الخطاب يطالبه بتقليل حجم الضرائب أو عدم جمع الأموال من قبط مصر، بل كان يطالبه فى الحقيقة بالعكس، أى بزيادة الخراج، والحرص على تحصيل الجزية، وجمع كل ما يستطيع من خيرات مصر، وهو صاحب العبارة الشهيرة التى تبدو صادمة: «أخرب الله مصر فى عمران المدينة». وهى العبارة التى يمكن فهمها واستيعابها كما ينصحنا بعض الفقهاء على أنها صدرت فى «عام الرمادة»، وأن مسئولية خليفة المسلمين كانت تلزمه بأن يستخدم فائض بلدٍ ما، حتى لو كانت مصر، لسد حاجة بلد آخر، حتى لو كانت «المدينة»، وإن كنا نظن أن هذه العبارة لو كانت قد صدرت من أمير المؤمنين فعلاً فإنها لا يمكن أن تكون صدرت منه «عام الرمادة»، لأنه كان بحسب أغلب المصادر (عام 18 هـ)، وأعتقد أن الجيوش العربية دخلت مصر (عام 19 هـ)، ولم يكن لها أن تحصل الجزية قبل مرور شهور بعد استقرار الوضع.
خليج أمير المؤمنين
على أى حال، ورداً على من يتهموننا بالاعتماد على مؤرخ بريطانى، فإن أغلب المصادر العربية ترجِّح أن هذه العبارة قالها الخليفة عمر بن الخطاب فى «عام الرمادة»، وها هو «ابن عبدالحكم القرشى» (توفى 257 هـ) ينقل إلينا فى كتابه «فتوح مصر والمغرب» حديثاً نقله عن عبدالله بن صالح عن الليث بن سعد، أن الناس فى المدينة أصابهم جهدٌ شديد فى خلافة عمر بن الخطاب، فى «سنة الرمادة»، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر: من عبدالله أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص، سلام أما بعد فلعمرى يا عمرو لا تبالى إذا شبعتَ أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معى، فياغوثاه يا غوثاه».. فكتب إليه عمرو بن العاص: لعبدالله عمر أمير المؤمنين، من عمرو بن العاص أما بعد، فيا لبيك ثم يا لبيك، قد بعثتُ إليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندى».
لكن هل توقف الخلاف على الخراج عند هذا الحد، وهل كان إلحاح أمير المؤمنين إلحاح «عام الرمادة» فقط؟ الحقيقة أن كثرة الإلحاح ألهمت أمير المؤمنين فكرة تؤكد صحة استنتاجاتنا، فقد أصر الخليفة عمر بن الخطاب إصراراً على تنفيذ الفكرة، وهى أن يتم حفر خليج من نهر النيل حتى يسيل فى «البحر الأحمر»، ولذلك استقبل عمرو ابن العاص فى المدينة أحسن استقبال، وقال عمر:
«يا عمرو إن الله فتح على المسلمين مصر، وهى كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى فى روعى لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم، حين فتح الله عليهم مصر وجعلها قوة لهم، ولجميع المسلمين، أن أحفر خليجاً من نيلها حتى يسيل فى البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة، فإن حمله على الظهر يبعد، ولا نبلغ منه ما نريد، فانطلق أنت وأصحابك وتشاوروا فى ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم».
ومن السهل أن نقرأ فى كتب التاريخ عن خليج أو «ترعة تراجان»، التى بدأ العمل فيها عام (641م) تقريباً، أى فور استقرار وضع العرب فى مصر، وربما قبل ذلك بقليل، والمفترض أنه تم الانتهاء منه نحو ( 644م)، وهو الحدث الذى سرعان ما أطلق عليه العرب «خليج أمير المؤمنين»، ووردت قصته فى مصادر عربية عدة وعلى رأسها «فتوح مصر والمغرب» لابن عبدالحكم، تحت عنوان «ذكر حفر خليج أمير المؤمنين»، وهو الخليج الذى يصل النيل بالبحر الأحمر لحمل المؤن والزاد إلى الحجاز بصفة دائمة.
حيث كان «فم الخليج» عندما بدأ عمرو فى حفره يقع فى نقطة تلاقى أول شارع نوبار بشارع الخليج المصرى «بورسعيد» بالسيدة زينب، ثم يسير شمالاً مخترقاً ميدان «باب الخلق» فميدان باب الشعرية، والظاهر والمطرية وعين شمس، هذا فى حدود مدينة القاهرة، ثم وادى الطميلات حيث الخصوص والخانكة وأبى زعبل فى محافظة القليوبية ثم إلى العباسة بمحافظة الشرقية ثم إلى الإسماعيلية، حيث ينكسر جنوباً إلى «بحيرة التمساح» ويخترق البحيرات المرة حتى ينتهى جنوباً لخليج السويس عند مدينة السويس، وبمرور الزمن أصبح الخليج ينتهى عند أبوزعبل، بعد حفر «ترعة الإسماعيلية» فى عهد الخديو إسماعيل فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد