أسيوط .. بلد «الفَرْغَل» سلطان الأولياء

إذا ذكر أحدهم اسم "أسيوط" تداعت إلى أذهان السامعين أسماء أخرى مثل "سيد قطب" و"محمد منصور الخط" -الذى من اسمه اشتقت الصحف اسم "الخط" أى قاطع الطريق القاتل من أجل

إذا ذكر أحدهم اسم "أسيوط" تداعت إلى أذهان السامعين أسماء أخرى مثل "سيد قطب" و"محمد منصور الخط" -الذى من اسمه اشتقت  الصحف اسم "الخط" أى قاطع الطريق القاتل من أجل المال- و"جمال عبدالناصر" الزعيم الوطنى، والبابا شنودة- بابا الأقباط- و"عبدالعال الباقورى" الصحفى الشريف الذى تولى قضية فلسطين واعتبرها قضية حياته، والشيخ الباقورى، الشيخ الأزهرى الثائر الذى خرج على جماعة الإخوان واندمج فى ثورة يوليو وتولى منصب وزير الأوقاف.

(1)

وعند أهل "قنا" و"أسوان" وجنوب "سوهاج " يعنى اسم "أسيوط" الخداع الذى تعرض له أحد هؤلاء "الصعايدة" على أيدى بائع "سمك"، باع له "قشر البطيخ" المقلى على أنه "سمك"، وهذه الخدعة مصدرها "الهامشيون" فى المدينة العريقة،  و"الهامشيون" هم من لا "أصول" قبلية لهم تردعهم عن ارتكاب العيب والكذب على "الضيف" وسرقة أمواله التى جاء بها ليدفعها إلى "المستشفى" الكبير الموجود فى المدينة أو يدفعها رسوما للجامعة ليتعلم ولده فى الجامعتين: جامعة " أسيوط" والجامعة الأزهرية التى لها فرع كبير مشهور، وهذا "الهامشى" الذى خدع "الصعيدى" جعل  أهل محافظات جنوب الصعيد يخشون التعامل  مع التجار  فى  المدينة، وحمل أهالى أسيوط عبء هذه الخديعة إلى يومنا هذا!

(2)

أهل التصوف يحبون "أسيوط" الأخرى التى تحتوى رفات العالم الجليل "جلال الدين السيوطى" وهو من شيوخ الأزهر الذين كتبوا فى كل العلوم الفقهية والروحانية والدنيوية، ومؤلفاته مازالت تدرس فى الجامعات، خاصة الجامعة الأزهرية.. وأسيوط المدينة التى يوجد بها مقام سيدى جلال السيوطى، هى القديمة التى كانت عاصمة الصعيد  طوال عصور الفراعنة والرومان واليونان والعصر القبطى المسيحى، وفى مدينة "أبوتيج"  يوجد مقام سيدى "الفرغل" وهوصاحب لقب "سلطان  الأولياء"وهو لقب منحه له السلطان المملوكى "جقمق"..

(3)

كان "الفرغل" رجل دين طيبا، لم يتلق تعليما فى "الأزهر" أو غيره من معاهد العلم، وجاءته فتوح ربانية فصار محل إعجاب وتقدير المسلمين فى عصره.. وقصته مع السلطان المملوكى "جقمق" مشهورة ومحفوظة، فقد اتهمه وكيل أو نائب السلطان تهمة تمس عقيدته، اتهمه بأن "الحمام" الذى يربيه فى "برج" يملكه أكل "الحبوب" التى يملكها "السلطان"، فأرسل إليه أحد "الأغوات"، وجاء "الأغا" إلى "أبو تيج" والتقى "الفرغل" وأخذه معه إلى "القاهرة"، وأثبت "الفرغل" براءته من التهمة وقدم الدليل على هيئة حمام مذبوح من حمام برجه، وثبت للسلطان أن حمام "الفرغل" لم يأكل " قمح" السلطان وظهرت كرامات  الفرغل مع الشيخ الأزهرى "العسقلانى" فقد سمع " الفرغل" حديث العسقلانى  لنفسه، فاندهش الشيخ من صفاء روح الفرغل وشهد له بالصلاح والتقوى، وأنعم  السلطان  "جقمق" على " الفرغل" بلقب سلطان الأولياء.

و"الفرغل" ينتهى نسبه إلى "الحسن بن على" من جهة والده وإلى "الحسين بن على" من  جهة والدته- وكان مقر  العائلة فى "الحجاز " ثم جاء أبوه إلى الصعيد وأقام فى قرية  "بنى سُميْع" التابعة لمركز"أبوتيج" وأصهر إلى إحدى عائلات "الأشراف" وانجب "الفرغل" وشب "الفرغل" طيبا صالحا وأقام فى "أبوتيج" ومات فيها وأقيم له "ضريح" مازال الناس يزورونه  ويحتفلون به إلى الآن، فى شهر "يوليو" من كل عام.

(4)

أسيوط تقع بين جبلين وهذا جعل المناخ فيها حارا صيفا، باردا شتاء، وكذلك أصبحت شخصية "الأسيوطى" لا تعرف "الوسطية"، هى شخصية حادة الطباع، تعيش حياة "القتال"، ولعل التاريخ يذكر لنا أسباب هذا " القتال" الأبدى الذى يعيشه أهل "أسيوط" فمنذ عصر "الهكسوس" كان لأهالى "أسيوط" دور كبير فى طرد هؤلاء الغزاة، وبعد تحرير "مصر" ، أصبحت " أسيوط" عاصمة للصعيد وهى منطقة مفتوحة على كل الاتجاهات، فمن الشرق تجاورها الصحراء المؤدية إلى "البحر الأحمر"، ومن الغرب تجاورها الصحراء المؤدية إلى محافظة " الوادى  الجديد"، ومنها يخرج الطريق التجارى القديم المسمى "درب الأربعين" الواصل بين "مصر" و"السودان".

(5)

شواهد  التاريخ القائمة فى "أسيوط" تشهد  بعراقة هذه المحافظة ابتداء من اسمها "أسيوط"،  وهو مشتق من اسم "سأوت"  ومعناه باللغة المصرية القديمة  "الحارس" وهى حارس جنوب الصعيد وهى "البوابة" التى تؤدى إلى سوهاج وقنا وأسوان  وجاء  العرب  فجعلوها "أسيوط" وفيها من شواهد العصر القديم، حضارة "ديرتاسا"  وحضارة البدارى وهما حضارتان  مازالت آثارهما فى "البدارى جنوب أسيوط -  وقرية ديرتاسا"  التابعة أيضا لمركز "البدارى" وفيها آثار "قصير العمارنة"   و"آثار شطب"  وآثار "عرب العطيات" وهذه من بقايا عصر الأسرات  الفرعونية، وفيها من آثار  العصر  القبطى المسيحى: دير المحّرق، دير الأنبا تاواضروس ودير الأنبا مقار، والأنبا كاراس، والأنبا صرابامون، وأديرة كثيرة موزعة على قرى وبلدات المحافظة، لكن أشهرها دير "المحرق" وهو ذو قيمة روحية عالية لدى الأقباط الأرثوذكس.

(6)

حكاية "محمد منصور الخط" المجرم  الذى ظهر فى جبل درنكة "بأسيوط" حير الحكومات فى العصر الملكى، وتبين أن لديه منظارا سرقه من أحد معسكرات الانجليز جعله يراقب تحركات قوات الأمن ويهرب منها، وكان يطلب أموالا من الأثرياء يدفعونها له ليأمنوا شره وشر عصابته، وكتب الصحفى الكبير محمد حسنين هيكل قصته فى العام.

 "1946" ونشرها على صفحات مجلة " آخر ساعة" ومنذ ذلك التاريخ أصبح الناس يطلقون اسم  "الخط"  بضم الخاء على  كل مجرم يكون عصابة ويمارس فعل السرقة والقتل على الناس الآمنين، والحقيقة أن اسم "الخط" صحته أن تنطق الخاء مفتوحة، لكن نظرا لاختلاف الوعى والثقافة، أصبح اسم "الخط"  بالخاء المضمومة دالا  على كل " قاطع طريق" يظهر فى الصعيد وهؤلاء يظهرون فى أوقات الهزات الاقتصادية والسياسية التى تتعرض لها البلاد، وكان ظهور "الخط"  - الأول فى زمن الحرب العالمية الثانية وهو زمن كان صعبا على الناس  جميعا فى مصر والوطن العربى والكوكب الأرضى كله.

(7)

هل تعرف يا عزيزى القارئ أن من أسقط " الملك فاروق" قبل  ثورة  يوليو 1952- هو المواطن المسيحى "رياض غالى" ابن قرية " ديرتاسا " التابعة لمركز "البدارى"، كان  "رياض" شابا طموحا اشترى سيارة بناء على طلب "زينب الوكيل" زوجة مصطفى النحاس "زعيم الوفد"، وطلب مقابل أداء هذه الخدمة أن يتم توظيفه فى وزارة الخارجية، وبعد أن أصبح موظفا اقترب من الأميرة الصغيرة "فتحية فؤاد"  شقيقة  "الملك فاروق" وأحبته وأشهر إسلامه وتزوجها، وقرر الملك  حرمان أمه " الملكة نازلى" و"الأميرة فتحية" من "الأموال" التى كانت ترسل إليهما طوال فترة وجودهما فى أمريكا، وتحول الأمر إلى فضيحة  عجلت بسقوط العرش والجالس عليه، وفى العام 1976 قتل "رياض غالى" الأميرة فتحية وحاول الانتحار، حدث ذلك بعد أن  اعتنقت الملكة نازلى المذهب الكاثوليكى المسيحى وارتداد "رياض" عن دين الإسلام!

(8)

أسيوط مدينة النور والمعرفة والقتل والعواطف الحادة، فيها كل شىء فيها قرية واحدة قدمت لنا "محمد عبدالعال" أحد أعضاء عصابة "ريا وسكينة"- وقدمت "سيد قطب" مفتى الإرهاب وقائد الإخوان الذى أعدم فى العام 1966 بعد اتهامه بجريمة  التخطيط لإغراق البلاد بواسطة تفجير "القناطر الخيرية"، وهذه القرية اسمها "موشا"، ومن أسيوط جاء "جمال عبدالناصر" الذى طرد الانجليز وجعل الأمة العربية أمة ذات حضور على الساحة الدولية، ومن أسيوط جاء  رجال قاتلوا فى سبيل الله والوطن، من أشهرهم المقدم  أحمد عبدالتواب  آخر شهيد فى حرب أكتوبر 1973 وقائد موقع "كبريت" الذى حاصرته إسرائيل لعدة شهور ولم يسلم حتى لقى ربه ومعه عدد من أبطالنا الأبرار. إنها "أسيوط" المدينة التى يعرفها التاريخ برموزها وآثارها وأثرها فى صناعة الأحداث وصناعة الحضارة.

إنفوجراف

تضم أسيوط أشهر أديرة الأقباط فى مصر ومنها:

"دير المحّرق، دير الأنبا  أثناسيوس

دير الأنبا تادرس الشطبى، ديرالشهيد مارمينا،دير الأنبا مقار، دير الأنبا كاراس السائح".

فى البدارى أحد توابع أسيوط توجد آثار حضارتين سابقتين على حضارة الفراعنة وهما:

آثار حضارة البدارى وهى منحوتة فى الجبل الذى تقع عليه بيوت الأهالى

وآثار "ديرتاسا" وهى قرية تتبع "البدارى".

تتكون أسيوط من مراكز: ديروط القوصية، منفلوط، البدارى، الغنايم، أبوتيج، صدفا، أبنوب،  الفتح ، أسيوط، ساحل سليم.

من أشهر شخصيات السياسة فى أسيوط:

محمد محمود باشا رئيس  الوزراء فى عصر الملك فؤاد، وعصمت سيف الدولة أحد مفكرى الفكر القومى العربى، وممتاز نصار أحد مشاهير رجال السياسة والقانون.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

ابتلى به الإنسان من بداية الخلق .. الاختيار مسئولية

بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية

شخصيات لها تاريخ «99» إدريس السنوسى.. أول وآخر ملك فى المملكة الليبية

تربّى فى الزاوية ودرس العلوم الشرعية وكان يحب مجالس العلماء ويقربهم إليه وامتلك واحدة من أكبر وأهم المكتبات فى العالم...