فى رأس البر تجتمع عبقرية المصرى، وعبقرية الجغرافيا، وعبقرية العمل خالق الحياة والحضارة، ورأس البر هى منطقة تقع عند التقاء فرع دمياط من النيل والبحر المتوسط. وكلمة رأس
فى رأس البر تجتمع عبقرية المصرى، وعبقرية الجغرافيا، وعبقرية العمل خالق الحياة والحضارة، ورأس البر هى منطقة تقع عند التقاء فرع دمياط من النيل والبحر المتوسط. وكلمة رأس تعنى الطليعة والمقدمة والكمين والعقل المدبر وهذه المنطقة هى «رأس» البر المصرى أو «القطر المصرى»، وهى التى تستقبل «الغزاة» وتقاومهم إلى أن تنضم إليها بقية «الجيوش» المصرية، وهذا ما حدث فى الحملات الصليبية، واستطاعت «دمياط» أن تصمد للحصار أو تحت الحصار لمدة عامين، ثم وقعت معركة «المنصورة» ووقع «لويس التاسع» فى الأسر، وكتب التاريخ شهادة بقلم المؤرخ أحمد المقريزى - فقال إن «العامة» - الشعب - كان هجومها على جيش الصليبيين أقوى من هجوم «العسكر » الأيوبى أو الجيش الرسمى المجهز للحرب، وتحقق النصر بأيدى الشعب والجيش.
فى تاريخ «رأس البر» نقطة تحول تمثلت فى «سيدى الجربى» وهو - حسب روايات المتصوفة- رجل من أولياء الله الصالحين، مات فى «رأس البر» فأقام له مريدوه «الضريح» الذى يزوره الناس، ولعل هذا الاختيار الذى اختاره سيدى الجربى يقوى الفكرة القائلة إن «رأس البر» مكان يساعد على الصفاء الذهنى والروحى، ولهذا اختاره «سيدى الجربى» ومريدوه من بعده ليعمروه ويعيشوا فيه أوقات الراحة والعبادة والتأمل، وأهالى قرية «عزبة البرج» المجاورة لمنطقة «رأس البر» بذلوا فيه العرق ليصبح مكانا جاهزا للمعيشة، وفى النصف الأول من القرن التاسع عشر بدأ معنى «المصيف» يظهر فى عقول المصريين، أى أن فكرة الانتقال من القرى والمدن الداخلية إلى ساحل البحر كانت أوروبية انتقلت إلى المصريين، وفى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، تحولت «رأس البر» إلى «شاطئ» يقصده «الكبار» من أصحاب الأراضى وكبار الموظفين بالدولة، وتحول اهتمامهم بالمكان إلى خطة عمل لإمداده بالماء النقى، ومد الطرق التى تسهل الوصول إليه، وتوفير الإنارة وتأمينه برجال الشرطة القادرين على تأمين المصطافين، لكن هناك رجلا فرنسيا وزوجته - السيد «يوكلان» وزوجته السيدة كورتيل- اختارا البقاء والاستثمار فى «رأس البر» فأقاما المطعم والبار «بجوار» طابية الشيخ يوسف «ثم شيدا أول فندق فى منطقة «الفنار». ويقول» نقولا يوسف «فى كتابه «دمياط» منذ أقدم العصور «فى العام 1891» غادر «يوكلان» مصر وترك الفندق لزوجته السيدة «كورتيل», وكان يعاونها شاب مصرى هو المرحوم» مرسى سرحان «الذى برع فى فن الطبخ، وجذب هذا الفندق كبار المصطافين، وما إن جاء العام 1945 حتى كان فى «رأس البر» «25 فندقا»، وفى 1895 عينت الحكومة فى «رأس البر» قوة من البوليس مكونة من «شاويش» وأربعة من «الخفراء» وأنشأت مكتب بريد صغيرا، وفى 1897 يقال إن الشيخ «أمين يوسف» المحامى الدمياطى أنشأ عشة خاصة به وهو نفسه والد على ومصطفى أمين الصحفيين المشهورين والمعروف من تاريخ مصر الاقتصادى الاجتماعى أن القطن كان مصدر ثراء طبقة ملاك الأراضى، وهى طبقة «وطنية» كانت تشعر بالضيق من وجود «المحتل» الإنجليزى، فكانت تبحث لنفسها عن التمايز والاختلاف، فاختارت هذه «الطبقة المصرية» أن تصطاف فى «رأس البر» بعد أن وقعت الحرب العالمية الأولى وأصبح السفر إلى أوروبا أمرا مستحيلا فازدهرت «رأس البر» وذاق أهلها وأهل «عزبة البرج» حلاوة «الفلوس» وهى ذاتها- الفلوس- التى كانت تذهب إلى أوروبا فى فصل الصيف من كل عام، وأصبح «رأس البر» هو «المصيف» الراقى الخاص بأغنياء مصر، وذهب إليه نجوم الفن، ليكونوا فى صحبة هؤلاء الأغنياء وليقدموا لهم الفنون التى تجعل أيامهم فى «رأس البر «رائعة، وكان من رواد هذا الشاطئ المصرى الخاص، الفنان «محمد عبدالوهاب «والفنانة الكبيرة «أم كلثوم»، والكاتب الصحفى «محمد التابعى»، وانضم رجال السياسة إلى رواد «رأس البر» فكان الزعيم الوطنى «مصطفى النحاس» يصطاف فى «رأس البر» مفضلا البقاء فى الوطن على السفر إلى شواطئ فرنسا وغيرها من بلدان أوروبا، وهذا شجع «البكوات» و«الباشوات» على اتخاذ «رأس البر» مصيفا لهم، فازدهرت المدينة وأصبحت تشبه «وسط القاهرة» و«المعادى» والمنيل ومصر الجديدة، من حيث التخطيط العمرانى والخدمات السياحية والمرافق ومستوى النظافة، وكانت «الفلل «التى بناها أغنياء مصر» فى «رأس البر» هى المرحلة التالية لمرحلة «العشش» وهى المرحلة التى تولى خلالها «آل ضرغام» - فى عزبة البرج المجاورة – عملية تجهيز «العشش» المؤقتة التى يحتاجها المصطافون، لكن مع تدفق أفواج الطبقة الغنية على المكان انتقل الحال من مرحلة «العشة» إلى مرحلة «الفيللا» والعجيب أن أصحاب «الفلل» أطلقوا اسم «عشش» على تلك المبانى الخرسانية الثابتة التى أنشأوها، وعندما جاءت ثورة يوليو 1952، حدث تغير اقتصادى وسياسى فى «مصر» انعكس على «رأس البر» بصورة مباشرة فزادت أعداد المصطافين المنتمين إلى «الطبقة المتوسطة» واختفى الذوق و«الزبون» الارستقراطى «الباشا والبك» ليحل محله الذوق الشعبى الدال على ثقافة الموظفين والطلبة وصغار التجار وصغار المقاولين، ولكن بقى العمران شاهدا على دور «الارستقراطية» المصرية – طبقة الباشوات– فى بناء ودعم «رأس البر» وتحويله إلى شاطئ رفيع المستوى.
وسر الجمال فى شاطئ «رأس البر» هو التقاء «الميه الحلوة»- نهر النيل– و«الميه المالحة»–البحر المتوسط- لهذا أطلق المؤرخ أحمد المقريزى على هذا المكان «مرج البحرين» أى أنه استعار المعنى القرآنى ليصف به التقاء النهر والبحر، وهذا الالتقاء أعطى «ناس المكان» صفات الوداعة والقوة، والوداعة مصدرها نهر النيل حيث يتدفق الماء العذب فيروى الزرع ويقيم الحياة، والقوة حيث يهدر موج البحر، فيعطى الروح يقظة ورغبة فى التصدى والمقاومة، وهذا «الالتقاء «أعطى» عزبة البرج» و«رأس البر» ومحافظة دمياط كلها خصوصية ثقافية من سماتها «البساطة» و«القوة» فهم بسطاء مثل الفلاحين، وأقوياء مقاومون مثل سكان السواحل البحرية فى كل قارات العالم، وبالنسبة لجغرافية «مصر «حمل أهالى هذه المنطقة عبء «المقاومة» والدفاع عن الأرض، وعبء التطور الحضارى فهم-الدمايطة– ناقلو الإيقاع الأوروبى المتطور إلى الثقافة المصرية وهم الأكثر احتراما لقيمة «الوقت» وقيمة «العمل» و«الثروة» الناتجة عن توظيف الخبرات وخلق سلع جديدة وطرحها فى أسواق مصر والعالم، فالأثاث الدمياطى موجود فى بيوت الأوروبيين، و«الجبن الدمياطى» ينافس الأجبان المستوردة فى الأسواق المصرية، و«المرأة الدمياطية» تقدم للوطن – كل يوم- رجالا قادرين على العطاء والإبداع، ومن قضى أياما فى «رأس البر» من المؤكد أنه أحس هذه المعانى التى ذكرناها، وأحس بالتحول الذى لحق بالمدينة، فبعد أن أنشئت على أيدى جماعة من «المتصوفة» وبعد أن قضى فيها «ملاك الأراضى» سنوات طويلة وصبغوها بصبغتهم المالية والثقافية، اختفوا من مسرح المجتمع، ليصبح مصيف «رأس البر» هو المصيف الذى يستقبل الشرائح «المستورة» التى لا تستطيع الذهاب إلى شواطئ البحر المتوسط الأخرى أو القرى السياحية الواقعة على البحر الأحمر، وكأن «رأس البر» – المكان والشاطئ والناس- اختار العودة إلى نقطة البداية ليكون المصيف الذى أنشأه «الشعب» ليتمتع به «الشعب» نفسه، والشعب مقصود به كل من يأكل الفول والطعمية ويوفر تكاليف ونفقات «المصيف» من «الجمعيات» التى يشترك فيها الناس ويدفعون أقساطها من رواتبهم المحدودة مقابل الحصول على متعة البقاء على الشاطئ لعدة أيام بعيدا عن المدن بزحامها وهمومها ودخانها القاتل.
إنفوجراف
1. كانت معروفة قديما باسم «جيزة دمياط» واسمها الحالى «رأس البر» استمدته من موقعها فهى أولى المدن المصرية الواقعة على البحر المتوسط.
2. تتبع «رأس البر» محافظة دمياط «مركز دمياط» وتبعد عن القاهرة 250 كيلو مترا.
3. أول خريطة هندسية لمدينة «رأس البر» وضعتها الحكومة المصرية فى العام 1902 وظهرت «الفوانيس» لأول مرة فيها لتضئ الشوارع، وتم تحديد أرقام المنازل وتم تحديد مواقع «العشش».
4. قامت مصلحة الموانئ المصرية ببناء رصيف من الأسمنت عرضه «2.5 متر» لحماية ساحل المدينة من التآكل وهو ما يعرف فى الوقت الحالى باسم «منطقة اللسان».
5. قامت الحكومة المصرية بإنشاء كوبرى دمياط ليربط بين ضفتى «فرع دمياط» ويسهل الانتقال من «رأس البر» وإليها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
البنات الصغيرات مع عائلاتهن، فى خروجة مشمسة مبهجة مع أوائل نسمات الصيف.. لا تعرف الواحدة منهن الأخرى.. لكن النظرات تلاقت،...
ولد في «طيبة».. مدينة الشمس الحارقة والأرض السمراء، نشأ في رحاب المنطقة الأكثر ثراء في التراث والمعابد والقصور، لكنه لم...
درس الحقوق والهندسة والتحق بالحربية فى اسطنبول وحاز رتبة الفريق وتولى تعليم ولى العهد فاروق قواعد العسكرية بتكليف من الملك...
إمام سيرة أخرى أمير العمرى: الشيخ إمام عبقرية.. لا تظهر إلا فى لحظة تاريخية فاصلة كان يغنى خمس ساعات متواصلة...