محمد سيد ريان: الثقافة أصبحت مصدر ربح فى بلدان العالم

كاتـــب فــــى مجال الثقافة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والإعلام الإلكترونى ومهتم بقضية التسويق الإلكترونى للثقافة، حصل كتابه "تسويق المنتج الثقافى فى عصر الثقافة

كاتـــب فــــى مجال الثقافة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والإعلام الإلكترونى ومهتم بقضية التسويق الإلكترونى للثقافة، حصل كتابه "تسويق المنتج الثقافى فى عصر الثقافة الرقمية" على جائزة أفضل كتاب فى مجال العلوم الرقمية لعام 2018 بمعرض القاهرة الدولى للكتاب، كما فاز بالمسابقة البحثية للمؤتمر العام لأدباء مصر عن بحثه "أدب الهامش ومواقع التواصل الاجتماعي" فى عام 2016، وهو حاصل على جائزة الشباب العربى المتميز عام 2011 من مجلس الشباب العربى للتنمية المتكاملة والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بالقاهرة، هو هنا فى حوار عن مشروعه البحثى عن الثقافة والتكنولوجيا والربحية..

متى بدأ شغفك بالكتابة عن الثقافة وتنميتها؟

بدأت مهارات الكتابة والتأليف تتكون عندى منذ الطفولة نتيجة اهتمامى بقراءة أعمال أدبية وفكرية تفوق سنى فى المراحل المبكرة من عمرى، وبدأت بالفعل فى التفكير فى محاكاة أسلوب الكتاب الكبار الذين ارتبط فكرى وعقلى ووجدانى بهم، وكان أبرزهم الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين الذى كانت كتبه، وأبرزها "أيام لها تاريخ"، بمثابة مدرسة تعلمت منها الكثير من فنون الكتابة، وكذلك المفكر العظيم حسين فوزى وكتابه الرائد "سندباد مصري"، وكانت البداية مراسلة المجلات والجرائد، وما شجعنى أكثر كان نشرها واهتمام رؤساء التحرير بها، وأنا مازلت فى سنوات الدراسة الثانوية والجامعية.

بالفعل كانت الكتابة هى الفعل الوحيد الذى يعطينى القوة والإصرار لمواجهة الكثير من المشكلات فى حياتى الشخصية والعملية، ومواجهة مشاعر الغضب والثورة فى داخلى، ولازال لدى نفس الشغف والفرحة بظهور كتاب جديد لى، كطفل حديث الولادة يحتاج منى الرعاية والاهتمام، وسعادتى تزيد عندما يتحقق جزء من مشروعى، الذى يقوم فى جوهره على أن الحل الثقافى هو الأنجح لكل المشكلات الحياتية التى نواجهها، وهكذا دارت معظم كتبى حول قضايا التسويق للمنتج الثقافى والتنمية والسياسة الثقافية وثقافة الجماهير، وكلما تقدمت خطوة فى مشوار الكتابة أشعر أننى فى بداية الطريق، ويظل لدى هاجس كبير بأن دراسة جذور الموضوعات الثقافية وبداية الخيط ستفيد كثيراً فى توضيح الكثير من الإشكاليات الخاصة بالعقل والوجدان المصري.

 فاز كتابك "تسويق المنتج الثقافى" بجائزة أفضل كتاب فى مجال العلوم الرقمية، بمعرض القاهرة الدولى للكتاب لعام 2018، حدثنا عن ذلك فى ظل أن أكبر ما يعانيه المنتج الثقافى هو الكساد؟

شغلتنى أزمة الكساد الثقافى وانصراف الشباب عن القراءة بصورة كبيرة، وبالفعل بحثت فى طرق وآليات للترويج والتسويق للكتاب فى عصرنا الحالى، وكتابى "تسويق المنتج الثقافى فى عصر الثقافة الرقمية" محطة مهمة فى مشروعى الثقافى، ويركز على أدوات عملية للحل، بعيداً عن أى تعقيدات نظرية أو مبالغات وهمية لمعالجة القضية، ففى عالمنا العربى يعانى المنتج الثقافى من مشاكل تسويقية كبيرة، وينعكس ذلك على معظم المؤسسات الثقافية الحكومية والخاصة ودور النشر والتوزيع؛ ولذلك تتجه الأنظار حالياً فى ظل الطفرة المعلوماتية، ومع التقدم التكنولوجى الكبير، وزيادة الاعتماد على وسائط التواصل الاجتماعى ومحركات البحث إلى أهمية تفعيل دور التكنولوجيا فى المجال الثقافي.

وما يضاعف الأزمة أنه فى حالة عدم وجود محتوى جيد سيعود بنتيجة سيئة على الجيل الجديد، ويجب التأكيد على أن الفيسبوك وتويتر وإنستجرام مجرد أدوات للتعبير ولا يصنعون ثقافة حقيقية، فهى تحتوى على معارف متوسطة المستوى لايمكن أن أن تشكل فكرا حقيقيا له قيمة.

 لماذا يقولون إن الثقافة صناعة ثقيلة وتجارة غير مربحة؟

أصحاب هذا الرأى هم سبب التدهور الذى نعانيه فى حياتنا الثقافية، الثقافة الآن فى كل العالم مصدر ربح وتشكل اقتصاد العديد من الدول الكبري، ماذا يعنى تفوق الولايات المتحدة الأمريكية فى البرمجيات (مايكروسوفت) أو السينما (هوليود). أليست هذه منتجات ثقافية تقوم على الفكر والثقافة والإبداع الإنسانى، نحن الآن فى عصر "الصناعات الثقافية"، وبحسب تعريف اليونسكو فإن المنتجات الثقافية تكون حاملة للهوية والقيم والدلالات، وفى الوقت نفسه عوامل تنمية اقتصادية واجتماعية.

الثقافة ليست ترفيها أو نشاطا لأوقات الفراغ، بل وسيلة مهمة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكسب ربح مميز فى كثير المجالات، وتتجه معظم الدول فى الوقت الحالى للتركيز على الاستثمار الثقافى فى الفنون والآداب، وأصبحت الثقافة رقما مهما فى الدخل القومى لدول كثيرة متقدمة ونامية، ومعياراً مؤثراً فى السعى نحو السباق العالمي، وبات واضحاً أن الابتكار فى الحقل الثقافى هو الحصان الرابح فى المستقبل القريب والبعيد. يجب أن نتعامل فى عصرنا الحالى مع الثقافة كسلعة وخدمة فى نفس الوقت، حتى نصل لاقتصاديات تقوم على الإبداع والثقافة والفكر.

 هل صناعة النشر فى مصر تحتاج تغييرا كى تواكب التكنولوجيا؟

يجب على القائمين على صناعة النشر أولاً الابتعاد عن الأفكار المستهلكة والقديمة واستسهال الحلول السطحية دون البحث عن حلول جذرية خارج الصندوق. ويخطئ الكثيرون حين يعتقدون أن التسويق يصب فى مصلحة الناشر فقط، باعتباره من يحصد المبيعات، وهذا تفسير خاطئ لأن عملية التسويق مهمة لكافة أضلاع العملية الثقافية (المؤلف - الكتاب الناشر القارئ) فالتسويق مهم للكاتب برواج عمله ووصول رسالته الثقافية، ومهمة للقارئ بضمان حصوله على المنتج الثقافى أو الخدمة الثقافية المطلوبة، ومهمة للكتاب بإتاحته بكافة الوسائل مما يساعد على نجاحه وتحقيق المستهدف والمرجو منه.

 حدثنا عن كتبك الأخرى ورؤيتك لتسويق المنتج الثقافى؟

خلال رحلة الكتابة أنتجت عددا لا بأس به من المؤلفات، دار معظمها حول استخدام التكنولوجيا فى المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن أبرز مؤلفاتى على سبيل المثال لا الحصر كتاب "الصورة والثورة"، فالصورة وسيلة لتشكيل ثقافة الأمم وترويج البطولات وشيوع الأساطير، كما قد توضح الحقائق وتزيل الزيف والكذب الذى تنقله الكلمات المغرضة، وهناك كتابى "الإعلام الجديد" وكان من أوائل المؤلفات التى تناولت قضايا ومشكلات مواقع التواصل الاجتماعى وعلاقتها بالرسالة الإعلامية، وأيضاً كتاب "الافتراضى والمفترض.. المثقفون والسياسة على الفيسبوك) وهو كتاب يرصد دور النخبة المثقفة فى ثورة يناير 2011. ولدى كتاب تحت الطبع عن "القوة الناعمة فى مصر والعالم" فلا توجد دولة لديها ما تملكه مصر من مقومات للقوة الناعمة، فهى بلاشك المثال الأقوى لتلك القوة الناعمة على مدار تاريخها القديم والوسيط والحديث والمعاصر. وهذا الكتاب بالذات يأتى من منطلق إيمانى واقتناعى الشديد بأن معركتنا مع الإرهاب ثقافية فى الأساس، وأن الحل ثقافى وواضح ومؤكد فى مواجهة قوى الجهل والظلام.

أما بخصوص رؤيتى لتسويق المنتج الثقافى فلابد أولا من العمل على إعداد خرائط ثقافية بكل المناطق داخل مصر، حتى يتحقق مبدأ العدالة الثقافية كماً وكيفاً عند إعداد الخطط والبرامج وخاصة بالمناطق الهامشية والمحرومة ثقافياً، وتوفير قواعد بيانات مزودة بأهم الفاعلين والناشطين الثقافيين والأماكن الثقافية، أو التى يمكن استغلالها للأغراض الثقافية وتطوير آليات الإدارة الثقافية.

 لك كتاب عن ثروت عكاشة.. ما الذى يميز هذا الرائد ثروت عكاشة؟

انتباهى لشخصية ثروت عكاشة جاء نتيجة انشغالى بالبحث عن تاريخ وزارة الثقافة المصرية، فهناك تجارب عديدة على مدار عمر وزارة الثقافة منذ إنشائها كوزارة مستقلة تحمل اسم هذا الاسم الثقافة - فى اكتوبر 1965، بعد أن كانت دوماً مع وزارة الإرشاد القومى بعد ثورة يوليو، وكانت قبلها إدارة تابعة لوزارة المعارف فى العهد الملكي، كثيرون ممن تولوا أمر الوزارة حاولوا الإصلاح والتغيير لتحسين الخدمة الثقافية للمصريين، ووضع سياسة ثقافية ناجحة ومؤثرة تصل لكل فئات الشعب، ولكن قليلين من وضعوا أيديهم على صلب المشكلة ومن هؤلاء وزير الثقافة الأشهر والأمهر الدكتور ثروت عكاشة، وأعظم أعماله بلاشك هو محاولته فى وقت مبكر جداً وضع سياسة ثقافية للمصريين، لتكون بمثابة خط عام يحدد خطوات مصر الثقافية فى تلك الفترة وهو ما نفتقده الآن بصورة كبيرة.

 ما أهم ملامح سياسته الثقافية فى عهد عبد الناصر؟

كان عبد الناصر مثقفاً حقيقياً، وفى كتابه المهم "فلسفة الثورة" وضح عبد الناصر أن الثورة السياسية لا تصلح بمفردها، وإنما يلزمها ثورة اجتماعية، وبالطبع كان يدرك أن الثقافة أحد أهم أدوات هذه الثورة، فقد قال لثروت عكاشة منذ البداية "مهمتك تمهيد المناخ الثقافى لإعادة صياغة الوجدان الوطنى والقومى والأخلاقي.. وبناء الإنسان أصعب جدا من بناء المصانع".

 هل كانت الثقافة فى عهده مشروع دولة؟

كان ثروت عكاشة يؤكد دائماً أن السياسية الثقافية ليست محاولة من الدولة لصنع ثقافة حكومية، وإنما هي- فى الأساس - تشجيع ازدهار القيم والتطلعات بكل أنواعها النافعة، فكانت خطته أن يسلك طريقين فى آن واحد. طريق قصير يرمى إلى إمتاع الجماهير بالثمار الثقافية العاجلة، وآخر طويل يهدف إلى تنشئة أجيال تنضج على يديها هذه الثمار، وذلك بإنشاء المعاهد الثقافية العالية. وقد نجح فى كلا الطريقين، وأنتج تجربة من أفضل التجارب فى تاريخ وزارة الثقافة المصرية. لقد كانت ثورة ثروت عكاشة الثقافية لا تقل عن الثورة السياسية، وكان الكتاب والأدباء والمفكرون يعتبرون الوزارة بمثابة المنفذ لمبادئ الثورة فى المجال الثقافي.

 هل تراجع اهتمام الدولة بالثقافة؟

الآن نحن فى حاجة ماسة لصياغة سياسة ثقافية لمصر وفق مبادئ محددة وواضحة، فى عصر يشهد تغييرات كبيرة كل بضع لحظات، فثقافة المجتمعات هى آخر ما تبقى من الهويات القديمة وتراثها وأصولها الحضارية، وهى حائط الصد الأخير ضد طغيان موجات العولمة الثقافية ومحاولات الاختراق الثقافى والفكري، وصعود نجم ما يسمى بالمواطن العالمى فى مقابل المواطن الملتزم بثقافة مجتمعه وقيمه وتاريخه.

ويجب أن تكون نقطة البداية هى المستقبل وليس الحاضر أو الماضي، فالعالم يتطور بسرعة كبيرة ولابد من بذل الجهود للحاق بركب الحضارة، فالتخلف فى هذه الحالة سيخرجنا من القطار السريع للمعرفة، وعند العودة لن نجد مكاننا لأن هناك من ينتظرون أن تترك لهم هذا المكان.

كذلك نحن نحتاج بشدة للمبادرات الثقافية، وهى أفكار جديدة أو رؤى مختلفة لمواجهة مشكلة أو قصور فى أحد مناحى الحياة الاجتماعية، ويعبر عنها فى صورة حملة ثقافية مجتمعية وحشد إعلامى هادف.


 	هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - مسابقة أجمل ضوافر

البنات الصغيرات مع عائلاتهن، فى خروجة مشمسة مبهجة مع أوائل نسمات الصيف.. لا تعرف الواحدة منهن الأخرى.. لكن النظرات تلاقت،...

العديسى.. كيف حالك جداً (ملف خاص)

ولد في «طيبة».. مدينة الشمس الحارقة والأرض السمراء، نشأ في رحاب المنطقة الأكثر ثراء في التراث والمعابد والقصور، لكنه لم...

شخصيات لها تاريخ «100» عزيز المصرى.. أبو الثوّار العرب فى القرن العشرين

درس الحقوق والهندسة والتحق بالحربية فى اسطنبول وحاز رتبة الفريق وتولى تعليم ولى العهد فاروق قواعد العسكرية بتكليف من الملك...

شهادات تذاع لأول مرة «13» شهادة من ناقد عاش التجربة وكتب عنها

إمام سيرة أخرى أمير العمرى: الشيخ إمام عبقرية.. لا تظهر إلا فى لحظة تاريخية فاصلة كان يغنى خمس ساعات متواصلة...