المشير عبد الغنى الجمسى فى حديث نادر نشرته المجلة فى ذكرى النصر

والدى كان تاجرًا ومعاملاته كلها كانت بكلمة الشرف.. كنا ولدين وخمس بنات وترتيبى السادس فى الأسرة ولم يكن هناك مجال للدلع عشت أسوأ أيام حياتى فى فترة الاحتلال.. ولم أتزعم أى مظاهرة خلال المرحلة الثانوية كان مدرس الطبيعة عبقريًا وعقله «كمبيوتر».. ومدرس التاريخ سبب حبى لدراسة التاريخ العسكرى

المشير محمد عبد الغنى الجمسى واحد من رجال هذه الأمة الذين ارتبط اسمهم بانتصار السادس من أكتوبر، ذلك اليوم الذى أعاد الاعتبار للعسكرية المصرية والعربية، والحرب التى دفعت الأكاديميات العسكرية والخبراء إلى إعادة دراسة العديد من المفاهيم والنظريات العسكرية، وفى مقدمتها أداء الجندى المصرى أمام آلة حرب حديثة.  

بمناسبة مرور ٣١ عامًا على انتصارات حرب أكتوبر، تحدث المشير الجمسى عن هذه الانتصارات مع الإذاعى القدير عبد المقصود عصفور، ونشرت مجلة «الإذاعة والتليفزيون» الحوار فى ثلاث حلقات، بدأت فى الأعداد أرقام ٣٦٣٠ و٣٦٣١ و٣٦٣٢، الصادرة فى ٩ و١٦ و٢٣ أكتوبر ٢٠٠٤.   تعالوا ندخل عالم الجمسى من خلال مذكراته التى أعدها للنشر الزميل الكاتب الصحفى محمد أبو شادى.  

 الحلقة الأولى  

هو واحد من أبطال العبور العظيم، ومن أبرز العسكريين المصريين الذين وهبوا حياتهم لخدمة الوطن والذود عن ترابه. إنه المشير محمد عبد الغنى الجمسى، رئيس هيئة العمليات بالقوات المسلحة أثناء حرب أكتوبر، وصاحب مذكرات الجمسى، التى كتبها بخط يده، مدونًا فيها تفاصيل خطة العبور.  

 قبل السرد  

سألت الزميل عبد المقصود عصفور: كيف استطعت اقتناص موافقة المشير الراحل على التسجيل معه؟   فقال: قبل ثلاثة أعوام تقريبًا، كنت أسير بجوار نادي هليوبوليس بمصر الجديدة، عندما لمحت سيارة سوداء مسدلة ستائرها من الخلف. ولفت ذلك نظري، وتيقنت بحاستي أن من بداخلها شخصية مرموقة.  

دفعني ذلك إلى النظر متفحصًا في وجه هذه الشخصية، فضولاً، أو قل ما شئت. ولشدة دهشتي كان المشير الجمسي. ولكننى للحظات قلت: ربما توهمت ذلك.   انتظرت حتى دخلت السيارة من بوابة النادي، وهرعت أسأل الحارس، فأكد لى أنه المشير الجمسي.

وعدت أسأله: هل هو زائر أم عضو فى النادي؟ فأكد أنه عضو قديم ودائم الحضور بشكل شبه يومي.   وتزاحمت الأفكار فى رأسى بحثًا عن صيغة لمقابلة هذا الرجل، ووجدتها ذات صباح. توجهت إلى النادي، وإلى المكان الذي يجلس فيه، واستجمعت كل شجاعتى لأبلورها في جملة واحدة:  

«صباح الخير يا سيادة المشير».

كنت متخوفًا من رد الفعل لما سمعته عنه، وعن شخصيته القوية الحاسمة وهيبته العسكرية.   وفوجئت برده: «صباح النور يا ابني، اتفضل».  

فجلست، وعدت أستجمع شجاعتى وقلت له: «سيادة المشير، فلان من الإذاعة، ويشرفنى تسجيل قصة حياتك الشخصية والعسكرية». وكانت المفاجأة الكبرى، إذ جاء رده حاسمًا: «أنا موافق».   وعلى الفور حددنا موعدًا صباح اليوم التالي، فى الحادية عشرة صباحًا.  

 طين الدلتا 

 أنا من أبناء قرية البتانون، مركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية. التحقت بالمدرسة الابتدائية الوحيدة فى القرية، وعندما انتهيت من هذه المرحلة التحقت بمدرسة المساعى المشكورة الثانوية بمدينة شبين الكوم. وأنا أعتز بهذه المدرسة، وما زالت تحمل هذا الاسم، وتخرج فيها كثيرون من أفضل أبناء المنوفية. كان المدرسون فيها من أكفأ المدرسين فى ذلك الوقت. ومن الأسماء اللامعة وقتها من أبناء المحافظة عبد العزيز باشا فهمي، الذى وعينا على الحياة فوجدناه من أعظم رجال مصر فى ذلك الوقت، وشخصية مشهورة فى قريته.   ومن أعماله التى أذكرها أنه رفض وجود أمىّ واحد فى قريته، وتحمل عبء مصاريف الفقراء، وبالتالي أصبحت القرية، كما نطلق عليها، «باريس». 

 ومن أبناء القرية رجل آخر اسمه بهجت بيه القاضي، وكثير من الرجال لا أذكرهم. والبتانون أساسًا قرية يعمل أغلب أهلها فى الزراعة، وعدد قليل منهم يعمل فى التجارة.  

 انضباط منذ البداية  

ما زلت أذكر أحد المدرسين فى بداية دراستي، وكان رجلاً منضبطًا جدًا وحريصًا على المواعيد، كان يقول: «الحصة الساعة كذا»، وهذا يعني أنه لا يوجد أحد يتأخر دقيقة واحدة. وكان يأمرنا بحفظ أجزاء معينة من الدرس، وفى اليوم التالي كان علينا أن نذهب إلى المدرسة ونحن جاهزون تمامًا، وإلا فالعقاب فى انتظارنا.   وبالنسبة لي، لم أتأخر ولا مرة؛ فالانضباط كان داخل أسرتنا متأصلاً.   كان والدى يأمل أن أتعلم، وكان يعمل بالتجارة، وكان صارمًا فى معاملته ودقيقًا، ومعاملاته كلها بكلمة الشرف، وأوامره هى التى تسرى على البيت، كبيره وصغيره.

وكان لى شقيق واحد وخمس شقيقات، وترتيبي فى الأسرة السادس، ولم يكن هناك مجال للدلع. وبعد أن نال أخي الكبير قسطًا من التعليم، أخذه والدى ليعمل فى التجارة. وكان والدى مهتمًا بأن أتفوق فى دراستي، ولا يقبل إطلاقًا أي تقصير فى ذلك.  

الظروف أننى رسبت فى إحدى سنوات المرحلة الثانوية، وبناءً على طلبه تركت البتانون وذهبت إلى الإسكندرية عند إحدى شقيقاتي، ومكثت هناك فترة الصيف، وتعاقد والدى مع أحد المدرسين ليعطيني درسًا خصوصيًا فى المادة التى رسبت فيها، ونجحت فى الدور الثاني.  

 المثل الأعلى  

وأنا فى المرحلة الثانوية، كان هناك مدرسان أعتبرهما مثلي الأعلى. الأول كان مدرس الطبيعة، وكان قويًا فى علمه، والثاني مدرس التاريخ. وكنا نضرب بهما المثل، مدرس الطبيعة كانت دماغه «كمبيوتر»، وكان يحل لنا المسائل التى نخطئ فيها شفهيًا، دون ورقة أو قلم، ويتتبع خطواتها ويعطى النتيجة الصحيحة، ولا يخطئ فى أي رقم على الإطلاق. أما مدرس التاريخ، فكان يحكى لنا التاريخ كأنه قصة، ولذلك أحببت التاريخ، وعندما تخرجت ملازمًا فى الكلية الحربية اتجهت إلى التاريخ العسكري وتمكنت منه. وكنا لا نترقى من رتبة إلى أخرى إلا بامتحان فى مواد مختلفة، من ضمنها التاريخ.  

 فى قلب الأحداث  

كانت مصر محتلة من إنجلترا، وكنا ونحن فى المرحلة الثانوية نتبادل المعلومات عن أخبار الاحتلال. وكانت وسيلة المقاومة أمامنا فى ذلك الوقت هى المظاهرات، وكنا نحسب حساب الشرطة حتى لا تقبض علينا، ولكننى لم أتزعم أي مظاهرة. وكانت أسوأ الأيام هى التى عشناها فى ظل الاحتلال الإنجليزي.   وكان الاستعمار حريصًا على أن تظل مصر كمزرعة للقطن لتشغيل المصانع الإنجليزية، وكان اهتمامنا كطلبة فى ذلك الوقت ينحصر فى رفض الاحتلال، أما العبء الأكبر فكان يقع على عاتق الكبار من الآباء.  

وعندما أصبحت ضابطًا عام ١٩٣٩، جاءت الأوامر لنا بالتوجه إلى مرسى مطروح والصحراء الغربية للقيام بعمل عسكري مصري لصالح الحلفاء، وفقًا للمعاهدة التى وقّعتها مصر وإنجلترا عام ١٩٣٦.   وكان على مصر تقديم مساعدات للحلفاء دون الدخول فى معارك ضد دول المحور.  

فكر عسكري   دخولى سلاح المدرعات كان طبقًا لاحتياجات الأسلحة، وكان يُراعى أن يكون الضابط مؤهلاً علميًا وعقليًا لذلك. وكان سلاح المدرعات يُطلق عليه «الفرسان»، لأن الخيول  كانت هي السائدة فى ذلك الوقت، وبعد ذلك تحولت إلى عربات ودبابات، واختلف الفكر نفسه. وكانت البعثة البريطانية الموجودة لدينا تقدم النصيحة لمصر بحكم المعاهدة. وأنا كرجل عسكري استفدت من الحروب؛ فمع القراءة فى الدروس العسكرية، هناك فى الحروب تطبيق عملي. والحرب العالمية الأولى والثانية أضافتا لنا رصيدًا وذخيرة وخبرة.

وشطارة الرجل العسكري أن يقرأ ويفهم الحروب ويعرف لماذا طبق ذلك. المبدأ واحد، لكن الاختلاف فى التطبيق لاختلاف القادة. ودون فخر، لو مسكنا حرب أكتوبر ١٩٧٣، سنجد تطبيقًا لم يأتِ فى أي حرب. 

 كيف التحقت بالكلية الحربية؟   كان اهتمامى الأساسى منذ كنت فى الثانوية العامة أن أكون ضابطًا فى الجيش أو أكون محاميًا.

وكنا اثنين فى العائلة، أنا وابن عمى أمين الجمسي، وكان من سني، وكان يرغب فى الالتحاق بكلية الزراعة، وتحقق أمله وحصل على الدكتوراه وصار أستاذًا جامعيًا.

لم تكن الكلية الحربية متاحة لكل الناس، ولكن والدى سعى لدى بعض الكبار فى البتانون حتى التحقت بالحرية، والحمد لله لم يوقع عليّ أي جزاء طوال دراستى بالكلية.

وعندما كنت أخرج يومى الخميس والجمعة، كنت أسافر سريعًا إلى القرية «علشان أشوف أهلي»، وأركب أتوبيس هيئة النقل العام. وكان مكان الكلية فى كوبرى القبة، فى المكان الذى توجد فيه حاليًا الكلية الفنية العسكرية.

وكان خروجى فى القاهرة قليلاً مع ابن عمى الدكتور أمين. والعسكرية داخل الكلية الحربية مثالية؛ لأنها تصقل الشاب المصرى وتعمل على تحويله من شاب مدنى إلى عسكري. وفترة التحويل هذه هي أساس نجاح الطالب فى الجيش. ومدربونا فى مركز التدريب أذكرهم بكل خير، فهم الذين علمونا، وبهم نجحنا فى حرب أكتوبر ١٩٧٣. وأذكر المقدم عمر طنطاوي، وكان لا يقبل الخطأ من أي شخص فى الكلية، أيا كان بسيطًا.  

وعندما أصبحت وزيرًا للحربية، كلمنى فى التليفون وتشرفت بمقابلته.   وكان له عمل خاص لأحد أقاربه، الذى تأثرت زراعته أثناء حرب أكتوبر، وكان يريد الذهاب إلى منطقة القنال ليطمئن؛ لأنه أكبر إخوته. فجاء واستأذن، وكنت سعيدًا برؤيته، وكان سعيدًا بالنتائج الإيجابية التى حققتها القوات المسلحة؛ لأنه كان له الفضل فى تربية هذا الجيل، جيلنا.

وطلبت منه أن نقوم نحن بإيفاده هو نفسه إلى هذه المنطقة، وتحت حراسة القوات المسلحة.  

مع الأسرة   كانت تطلعاتى وأنا شاب صغير أن أحاول خدمة بلدي، ولذلك لو لم أكن عسكريًا لوددت أن أكون عسكريًا. وحياتى العسكرية طوال ٤٠ سنة كان لها انعكاس على حياتى المدنية وتربيتى لأولادي، من ناحية الانضباط والمواعيد والتفوق فى الدراسة، وعلاقتهم مع الآخرين والناحية الوطنية.  

وأولادى ثلاثة: ولد وبنتان.

الولد دخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وتخرج ويعمل فى أحد البنوك، والبنتان متزوجتان بعد تخرجهما فى الجامعة. وأسرتى تعلمت كيف تحافظ على السن وزوجتى - رحمها الله - كانت كذلك.

وقد تعودوا على عدم التدخل فى عملي.  

من الدار للنار  

الرجل العسكري الذى يتحلى بالصفات العسكرية لا بد أن ينجح. والكلية الحربية كانت أحسن معهد عسكري، وكانت تُدار من المصريين، من المدير إلى أحدث واحد، رغم أننا كنا فى تحالف مع إنجلترا.

ومن حسن حظى أننى تعلمت على أيدى كفاءات. وأضف إلى ذلك أننى لم تكن لى اهتمامات بالقاهرة، ولا بعز أو بهجة الحياة الجديدة؛ لأننى  كنت صغيرًا من ناحية، ولأننى من الأقاليم، فكانت حياتى هى الكلية الحربية.  

عندما تخرجت فى الكلية الحربية عام ١٩٣٩، خرجت من الدار إلى النار، خرجت على الحرب العالمية الثانية.   لم أشترك فيها؛ لأننا كنا محايدين، ولكننا تعلمنا الكثير، بالإضافة إلى حب التاريخ العسكري، الذى هو امتداد للتاريخ المدنى الذى علمنى إياه مدرس التاريخ فى المدرسة الثانوية. ولم أترك دراسة عسكرية إلا وقرأتها.  

الصهيونية العالمية   وصفه المعلقون العسكريون العالميون بأنه أستاذ المدرعات المتميز، وقالوا عنه إنه أحد خبراء تخطيط العمليات الحربية، وذلك بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣. 

 وفى الندوة التى عقدت فى أكتوبر ١٩٧٥، قال الجمسى فى محاضرته إن «الدراسة المتعمقة للاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية توضح أن الصهيونية العالمية حددت لنفسها هدفًا أساسيًا، وأنشأت إسرائيل لتحقيقه من خلال وجود دولة داخل أقصى حدود يمكن التوسع فيها للسيطرة على المنطقة العربية، وتحتل مكانًا بارزًا فى المجال الدولي.   وأضاف أن الصهيونية أرست، لتنفيذ هذا الهدف، الخطوط الرئيسية الثابتة لسياسة إسرائيل، ومنها: 

  • التوسع الجغرافى التدريجى على حساب الأرض العربية.
  • ب- الاحتفاظ بقوة مسلحة متفوقة تكون هدفًا ووسيلة.
  • جـ- الارتباط بقوى دولية كبرى كحليف مضمون يعاونها فى تحقيق أهدافها المرحلية.

د- إضعاف وتبديد الطاقات العربية.   وأضاف أن إسرائيل أدارت صراعها مع العرب لتحقيق هذا الهدف النهائي، بوضع أهداف مرحلية طبقًا لما يمكن تحقيقه فى كل مرحلة، وبموازنة الاعتبارات الداخلية والموقف فى المنطقة العربية والموقف الدولي.   ونتابع معًا مشوار الذكريات التى سجلها المشير الراحل لإذاعة الكبار، قائلاً:  

أهم الأصحاب   أهم أصحابي الذين ما زلت أذكرهم من زملاء الدفعة، ومن أعضاء مجلس قيادة الثورة: صلاح سالم، وهو ضابط مدفعية ممتاز، وحسن إبراهيم حسانين، وكمال الدين حسين، وأصبحوا بعد ذلك وزراء. 

 كانت علاقتى بهم طيبة، وبدءًا من تاريخ الثورة تفرقت السبل بنا، والظروف أجبرتنا على ذلك. وكان من الصعب أن نقوم بترتيب جلسة تجمعنا، ولم يكن هناك أي عمل بينى وبينهم عندما تولوا مناصبهم فى القيادة.   كل رتبة وصلت إليها، وكل وظيفة كنت فيها، وكذلك كل قيادة، لها طابع. والرتب الصغيرة تتساوى، أما المناصب المهمة فى حياتى فمنها أننى توليت قيادة مدرسة المدرعات، حاليًا معهد المدرعات، ويتخرج فيها كل ضباط المدرعات ليحصلوا على فرق فنية. وبعد ذلك كنت قائد لواء مدرع، وكان هذا المنصب مسؤولية كبيرة. وبعد ذلك توليت قيادة القوات البرية، وكان يتولاها الفريق أول عبد المحسن مرتجى، وكان رئيس الأركان وقتها اللواء أحمد إسماعيل.

وتلاقت قيادتنا الثلاث فى حرب ١٩٦٧ ثم حرب ١٩٧٣، والعلاقة التى كانت تربطنى بهم كانت عسكرية فى الأساس، ولا تمت إلى صداقة اجتماعية؛ حتى لا تؤدى إلى مشكلات تؤثر على العمل، وبالتالى كنت أحرص تمامًا الصورة الأولى   على عدم توطيد العلاقة الاجتماعية، خصوصًا عند هذا المستوى من الرتب. وظلت هذه العادة معي حتى بعد أن وصلت إلى رتبة عالية، فالناحية الاجتماعية تأتي في ترتيب متأخر بالنسبة لي. وعندما أجد واحدًا يقوم بالعمل العسكري بكفاءة، فأنا يشرفني أن أكون صديقه. وسبب هذا وُجّه إليّ بعض النقد، خصوصًا وأنا في رتبة لواء، وقالوا: إنني لست اجتماعيًا مثل زملائي.  

 محطات مهمة  

رتبتي وأنا لواء كنت معتزًا بها جدًا؛ لأن مركزها كبير، ولذلك حافظت عليها. 

 وتم تعيينى رئيسًا لهيئة تدريب القوات المسلحة في الفترة التى تلت ١٩٦٧، وعنيت بالكفاءة القتالية فى التدريب، وبناءً على ذلك نأخذ القرار: هل هذا اللواء يدخل الحرب أم لا؟   وتوليت بعد ذلك هيئة العمليات، وانتهى هذا المنصب بحرب أكتوبر، وفي ديسمبر ١٩٧٣ عُينت رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة. 

 وكانت أهم مسؤولية للقوات المسلحة هي المرحلة التي كنا فيها عام ١٩٧٢؛ فالبلد لم تكن تتحمل أكثر من ذلك، وكان الضغط كبيرًا والشعب يريد الخلاص.  

وأنا لا أنسب لنفسي فضلاً؛ لأن القيادة العامة للقوات المسلحة جهاز كبير يتعاون فيه عدد كبير من القادة.   ونجاح حرب ١٩٧٣ ينسب إلى القوات المسلحة.  

جيلي هو الذي هُزم في ١٩٦٧ لأخطاء عسكرية وسياسية، وهو نفس الجيل الذي انتصر في ١٩٧٣.  

 مع منصب المشير  

هذا المنصب كان يعني لي الكثير. رتبة اللواء هي الممتازة، وعندما يصل الشخص إلى رتبة فريق وفريق أول فهذا مستوى أعلى وتكريم أكثر. واستُحدثت رتبة المشير بعد الثورة، وحصل عليها عبد الحكيم عامر. وبعد ١٩٧٣، مُنح الفريق أول أحمد إسماعيل الرتبة تكريمًا له، وأنا أخذتها بعده ومنحني إياها الرئيس السادات بعد رفع العلم على سيناء. وكنت قد قدمت للرئيس السادات استقالتي لتعييني مستشارًا عسكريًا له. وفي ذلك الوقت كنت وزيرًا في وزارة ممدوح سالم، التي قدمت استقالتها، وقلت للرئيس السادات، مستشعرًا وجود تضارب: ليس هناك داعٍ لوجود منصب المستشار العسكري في ظل وجود وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، وهو الذي يعرف  كفاءة القوات المسلحة وعليه عبء تقديم النصيحة الصادقة. لكنه لم يقتنع.  

ذهبنا إلى احتفال رفع العلم على سيناء، وتم تشكيل الوزارة الجديدة برئاسة الدكتور مصطفى خليل، وحل محلي كمال حسن علي. ولما عدت من الاحتفال وذهبت إلى البيت، قالوا لي إن رئاسة الجمهورية اتصلت بك، وإن الرئيس كان يريدك؛ لأنه منحك رتبة المشير، وسوف يذاع الخبر في نشرة التاسعة. واتصل بي «علي حمدي الجمال»، رئيس تحرير الأهرام وقتها، ليهنئني. وقلت في نفسي: الحمد لله الذي أتم عليّ نعمته وأعطاني هذه الرتبة.   وفي هذا اليوم، رفع العلم على سيناء، وهو يوم عظيم؛ لأن سيناء تمثل لي الصراع العربي الإسرائيلي، وهي بوابة مصر الشرقية. وبعد خمسين عامًا من الحروب، شهدنا رفع العلم المصري عليها، ومعناه انسحاب القوات الإسرائيلية، وعودة السيادة المصرية عليها. وقد عاصرنا هذه الأحداث، ومن يومها وأنا أسير معها حتى جاءت اللحظة الفاصلة. لقد حررنا سيناء وعادت لنا، وهذا هدف سياسي وقومي ووطني.  

 السلام ما زال بعيدًا  

فلو تعمقنا في الحروب الأربع بيننا وبين إسرائيل، نجد فيها حقيقة الصراع. المشكلة، من وجهة نظري، بدأت مع الحركة الصهيونية الدولية التي أنشأت الدولة الإسرائيلية مع الدول الاستعمارية. ولا أستطيع فصل حرب عن أخرى؛ فالحروب الأربع هي الصراع، وعمره مائة سنة وأكثر منذ مؤتمر بازل في سويسرا. وقتها طلبوا إنشاء دولة خلال ٥٠ سنة، وفعلوا ذلك عام ١٩٤٨، ثم جاءت سلسلة الحروب. وهم يتوسعون فيها، ولذلك فإن الصراع لم ينتهِ، والحروب أيضًا وكأنها مراحل فقط.

وما زالت أمامنا فترة زمنية طويلة حتى ينتهي، وأنا في تصوري أن السلام ما زال بعيدًا. والحروب التي خضناها كان السبب فيها إسرائيل، ونظرية الأمن الإسرائيلي بُنيت على التوسع العسكري على حساب الدول العربية. وهذه النظرية، كما أراها، تعني التفوق العسكري والتوسع، وإلا فلن تتحقق أهدافهم.  

 أسرار اليوم حاسم 

 وما زال المشير الجمسي يسرد في الحلقة الثالثة الكثير من الأسرار قائلاً:   كانت الساعة الرابعة تقريبًا فجر السادس من أكتوبر، عندما دق جرس التليفون الأحمر بجوار سرير موشى ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي. وقال محدثه بوضوح وبكلمات قاطعة: «مصر وسوريا ستشنان الحرب ضدنا قبل غروب الشمس، الخبر مؤكد من مصدر رفيع المستوى»، وطلب أن يبلغه بنفسه لرئيس الوزراء. فقفز ديان من سريره ليرتدي زيه العسكري بسرعة ويتجه إلى مكتبه في وزارة الدفاع. وقبل أن يغادر بيته طلب رئيس الأركان دافيد إيلازار ليحلق به. والسطور السابقة من كتاب «الساعة ١٤٠٥» للدكتور صلاح قبضايا، الذي يستعرض فيه كيف تم الإعداد لحرب التحرير في السادس من أكتوبر، وكيف كانت إسرائيل تتخذ حذرها، لولا خطة التمويه الدقيقة التي تم تنفيذها. وفي ذلك الصباح، اجتمعت جولدا مائير، رئيسة الوزراء، مع وزير دفاعها ديان لدراسة التحذير الذي جاءهما في الفجر.   واتفق المجتمعون على حتمية استدعاء قوات الاحتياط، كما قرروا تأجيل الضربة الوقائية، مع الإعداد لها بحيث تتم على الجبهة السورية فقط. لكن كل ذلك لم يستطع إيقاف دوران ساعة الصفر.  

فقد تم ضبط جميع الساعات لأقرب ثانية، ورفعت خرائط المناورات التدريبية «تحرير ٢٣» لتحل محلها خرائط العملية الهجومية «بدر».

وتوالت إشارات قيادتي الجيشين الثاني والثالث الميداني بإنجاز المهمة القتالية اعتبارًا من الساعة ١٤٠٥.   صدرت التعليمات إلى الدكتور محمد عبد القادر حاتم، وزير الإعلام، بتنفيذ الشق الإعلامي من الخطة الهجومية. وقطعت الإذاعة المصرية برنامجها في الواحدة والنصف بعد الظهر، لتذيع الخبر التالي: «جاءنا الآن أن عناصر من القوات الإسرائيلية المسلحة هاجمت مواقعنا في الزعفرانة، وهذا الهجوم يمثل خرقًا خطيرًا لوقف إطلاق النار، وقد تم إبلاغ مجلس الأمن الدولي بهذا العدوان». وبعد إذاعة هذا النبأ، استأنفت إذاعة القاهرة برامجها العادية، لتقطعها مرة أخرى في الساعة الثانية بعد الظهر وتذيع المارشات العسكرية. وعندما بدأت إذاعة القاهرة في بث الموسيقى العسكرية، كانت الأوامر تخرج من المركز رقم ١٠ إلى جميع القواعد الجوية، حيث كانت الطائرات على أتم استعداد لتوجيه الضربة الجوية المفاجئة والمؤثرة إلى مطارات العدو ومراكز قياداته ومناطق حشد مدفعيته في سيناء. وفي تلك اللحظة كان الإسرائيليون يستعدون لمواجهة الهجوم المتوقع في السادسة مساءً، لكن العجلة دارت وانتهى الأمر.  

 الانطلاق نحو ساعة الصفر  

في كتاب «الساعة ١٤٠٥» شرح الدكتور صلاح قبضايا كيف تمت خطة الخداع التكتيكي والاستراتيجي، التي انطلقت منذ منتصف عام ١٩٧٢.   وذهب يشرح كيف بدأت مجموعة العمليات، بقيادة اللواء محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات، في دراسة المواعيد وأنسب الأيام والساعات للمعركة بالتنسيق مع القيادة السورية.   وأصبحت هذه المهمة مسؤولية سبعة من الضباط المصريين، كانوا يشكلون فرع التخطيط بهيئة العمليات، وكان عليهم تنفيذ التوجيه السياسي لرئيس الجمهورية إلى وزير الحربية ببدء الحرب في اليوم المناسب اعتبارًا من النصف الثاني من عام ١٩٧٣. 

 وكان الهدف البحث عن أفضل شهور السنة لاقتحام القناة، من حيث حالة المد والجزر وسرعة التيار واتجاهه.   وكانت هذه الظواهر الطبيعية تؤثر على وسائل العبور بالقوارب، وعلى إنشاء وتشغيل المعديات والكباري، وهو ما كان في الاعتبار عند وضع الخطط القتالية للجيشين الثاني والثالث.   أما عن التوقيت، فكان العامل الأهم هو اختيار يوم يتميز بطول ليله، ويكون في شهر لا يتعرض لتقلبات جوية تؤثر على تحرك القوات.   ولإكتمال عنصر المفاجأة، امتدت الدراسة إلى بحث العطلات الرسمية في إسرائيل، بخلاف العطلة الأسبوعية يوم السبت.  

وبدأ شهر أكتوبر ١٩٧٣ يبرز من بين كل الاحتمالات؛ فهو داخل الإطار الزمني الذي حدده الرئيس للعبور، وهو من الشهور التي تجرى فيها مناورات الخريف المعتادة، مما جعل التحركات العسكرية تتم تحت ستار المناورات والمشروعات التدريبية. 

 وفي هذا الشهر، توجد أعياد يحتفل بها الإسرائيليون، منها عيد الغفران، وفي هذا العيد تتوقف الإذاعة والتليفزيون في إسرائيل عن العمل.   وهذا يعني صعوبة استخدام الإذاعة والتليفزيون في استدعاء قوات الاحتياط، ما يجعل القيادة الإسرائيلية مضطرة إلى استخدام وسائل أخرى تستغرق وقتًا أطول حتى يتم حشد الاحتياط. 

وفي هذا اليوم سيكون ضوء القمر ظاهرًا في النصف الأول من الليل؛ لأنه يوم العاشر من الشهر القمري، بينما سيكون النصف الثاني من الليل مظلمًا.  

وهذا يناسب خطة العبور، بحيث تنتهي عمليات إنشاء وتركيب الكباري في ضوء القمر، ويستمر تدفق العبور بالأفراد والأسلحة والمعدات تحت جنح الظلام. ويتزامن هذا اليوم مع العاشر من رمضان، شهر الصيام في مصر، مما كان يساعد على خداع العدو، ويتيح الفرصة لتمثيل وافتعال احتفالات، مع إبراز الانشغال بها والتكاسل والاسترخاء. وتتفق بعض المصادر التاريخية العامة مع العناصر الأساسية، ومنها دراسة توقيت الهجوم وفق ظروف القناة والطقس والعطلات الإسرائيلية، واختيار ٦ أكتوبر ١٩٧٣ والساعة الثانية ظهرًا موعدًا لبدء الهجوم.  

 مع الجمسي  

ونعود مرة أخرى إلى مذكرات الجمسي الذي قال فيها:  

بعد خروجي من الخدمة، وجدت أن أفضل وسيلة لي أن أكتب عن الحروب التي عشتها. ووجدت أن تناول الصراع العربي الإسرائيلي سيأخذ حيزًا ووقتًا كبيرين؛ لأن ذلك يحتم الحديث عن القضية منذ وعد بلفور، مرورًا بكل الحروب حتى الآن. 

 ووجدت أن هناك كتبًا عديدة تناولت ذلك، وانتهيت إلى أن أكتب عن حرب أكتوبر ١٩٧٣، وكان من اللازم الحديث عن حرب ١٩٦٧؛ لأنها الأساس، وحرب أكتوبر بُنيت عليها والدروس المستفادة منها. وهكذا تضمن الكتاب الحربين، ولكنه صدر باسم «حرب أكتوبر». كما تضمن جزءًا من مفاوضات السلام التي بدأت عقب حرب أكتوبر بمحادثات الكيلو ١٠١.. وصدر الكتاب، وقامت الجامعة الأمريكية بعد ذلك بترجمته إلى اللغة الإنجليزية.  

 علاقتى بالرؤساء 

 أنا نشأت في عهد الملكية، ولم تكن لنا علاقة بها أوجود نظام برلماني وأحزاب. أما بالنسبة لعبد الناصر، فأنا لم أخدم معه ولم أحتك به. كان ضابط مشاة ثم أصبح مدرسًا بكلية القيادة والأركان، ولم يدرس لي. وبعد حرب ١٩٦٧ كان من الضروري أن ألقاه؛ لأنني كنت أخدم في الجبهة. وتم تعيين أحمد إسماعيل قائدًا لمنطقة قناة السويس، التي تغطي المنطقة من السويس حتى بورسعيد، وعملت معه رئيسًا لأركان المنطقة. وتعددت زياراته للجبهة، وعقد ندوات كقائد عسكري وقائد للثورة.  

 مع السادات  

علاقتي معه كانت عادية جدًا، ولم نخدم معًا طوال حياته العسكرية؛ لقصرها وخروجه من الجيش، ولأن أغلب حياته عملها بالسياسة. ولما عاد مع قيام الثورة كان عضوًا في مجلسها. ومرة سألني أحدهم: هل هو من المنوفية؟ قلت له: نعم، زي ما أنا من المنوفية. شيء عادي، إنما لم يدخل بيتي ولم أدخل بيته. وأذكره هو وعائلته بالخير.   وأثناء خدمتي كانت علاقتنا طيبة، لكنها محدودة، فلكل منا مسؤولياته، ولا مجال للاختلاف بيننا إطلاقًا.  

 الجلوس في النادى  

أقضي وقتي في النادي بالقراءة، وليس لي أي نشاط في البيت. وكل أصحاب المعاشات هربوا من بيوتهم؛ لأن مفيش حاجة يعملوها، وكلهم طاقات معطلة في هذا البلد. وأنا في الخدمة فقدت العديد من الزملاء في الوحدات التي كنت أخدم فيها، وهكذا تسير الحياة العسكرية؛ حتى وقت التدريب كانت تحدث خسائر، وكذلك في الحياة العادية.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

القائد اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى ل

المزيد من المجلة زمان

المشير عبد الغنى الجمسى فى حديث نادر نشرته المجلة فى ذكرى النصر

والدى كان تاجرًا ومعاملاته كلها كانت بكلمة الشرف.. كنا ولدين وخمس بنات وترتيبى السادس فى الأسرة ولم يكن هناك مجال...

نيللى مظلوم فى آخر حوار لها قبل أن تستقر فى اليونان

اكتشفت 74 حركة منقوشة على جدران المعابد يقوم عليها فن الرقص الحديث

فى ذكرى رحيله ال 35 .. وفى حوار عمره 65 عاماً محمد عبد الوهاب

أكتب الحانى بقلم الحواجب أغير عودى كل ثلاث أو أربع شهور أموت فى الكرافتات الجميلة لحنت النصف الاول من الجندول...

روشتة حسن فهمى للنهوض بالصناعة وإعداد النشء

نشر على صفحات مجلة الراديو المصرى فى عام 1945 المهندس حسن حسين فهمى العديد من المقالات التى تساعدنا اليوم في...