«الأسد الذهبى» يذهب للمصرية الدنماركية مى الطوخى عن «امرأة مجهولة »

في مدينة تبدو في حد ذاتها كأنها مشهد سينمائي لا يحتاج إلى مخرج، يعود مهرجان فينيسيا السينمائي كل عام ليؤكد أن السينما لا تزال قادرة على صناعة لحظاتها الكبرى،

 بين القنوات المائية، والقوارب التي تحمل النجوم إلى السجادة الحمراء، وقصر السينما على جزيرة ليدو، حيث يجتمع صناع الأفلام من مختلف أنحاء العالم بحثا عن واحدة من أكثر الجوائز السينمائية هيبة: الأسد الذهبي.

وفى دورته الـ 83 التي أقيمت من 2 إلى 12 سبتمبر الحالي، لم يكن ختام المهرجان عاديا؛ إذ ذهب الأسد الذهبي لأفضل فيلم إلى Woman Unknown للمخرجة الدنماركية المصرية مي الطوخى، فى فوز حمل قيمة فنية وتاريخية فى الوقت نفسه.

الأسد الذهبي هو الجائزة الكبرى فى المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا، من أهم الجوائز التي يمكن أن يحصل عليها فيلم فى المهرجانات السينمائية العالمية.. وبدأ تقديم الجائزة بصيغتها المعروفة عام 1949، لتصبح مع مرور العقود جزءًا أساسيًا من هوية المهرجان ومكانته الدولية.

ولأن فينيسيا ليس مهرجانا يبحث فقط عن الأفلام الجماهيرية أو الأسماء اللامعة، فإن الأسد الذهبي غالبًا ما يذهب إلى فيلم يحمل رؤية سينمائية واضحة، أو يقدم معالجة مختلفة لقضية إنسانية أو سياسية أو اجتماعية، أو يكشف عن لغة فنية تستحق أن تترك أثرا بعد انتهاء أيام المهرجان.

وهنا تكمن قيمة الجائزة؛ فهي لا تعنى ببساطة أن لجنة التحكيم اختارت «أفضل فيلم» وفق معيار جماهيري، وإنما تعكس رؤيتها لما يمكن أن يمثل السينما الأكثر أهمية فى تلك الدورة.

مي الطوخي

الأسد الذهبي يذهب إلى «امرأة مجهولة»، الفيلم الفائز هذا العام، للمخرجة مي الطوخي، وهو عمل تدور أحداثه فى الدنمارك فى الفترة التى أعقبت تحرير البلاد من الاحتلال النازي فى الحرب العالمية الثانية، وفى قلب الحكاية توجد ماري، وهي خادمة شابة تستعد للزواج من رب عملها الأرمل، لكنها تحمل سرًّا من الماضي يمكن أن يهدد حياتها الجديدة بالكامل، فقد كانت لها خلال الحرب علاقة مع جندي ألماني، وفى مجتمع خرج لتوه من الاحتلال والحرب، تصبح تلك العلاقة عبئًا أخلاقيًا واجتماعيًا يطاردها، لكن الفيلم لا يستخدم الماضي بوصفه مجرد خلفية تاريخية؛ فالحرب هنا تستمر داخل الشخصيات حتى بعد انتهائها رسميًا، فالاحتلال ينتهي، لكن آثاره النفسية والاجتماعية تبقى، والمرأة التي تحاول أن تبدأ حياة جديدة تجد نفسها أسيرة نظرة مجتمع لا ينسى بسهولة.

منحت لجنة التحكيم فيلم «المرأة المجهولة» الأسد الذهبي، فيما حصلت بطلة الفيلم ماتيلد أرسل على كأس فولبي لأفضل ممثلة عن أداؤها للشخصية نفسها.. وأصبح فوز مي الطوخي أكثر أهمية، فهو فوز يحمل دلالة خاصة لأنها أصبحت ثامن مخرجة فى تاريخ مهرجان فينيسيا تحصل على الأسد الذهبي، كما أن فيلمها كان العمل الوحيد فى المسابقة الرئيسية الذى أخرجته مخرجة بشكل منفرد فى هذه الدورة.

وهكذا لم يكن تتويج الفيلم مجرد اختيار فني، وإنما جاء أيضا فى سياق نقاش مستمر حول حضور المخرجات والنساء فى السينما العالمية، وكانت رئيسة لجنة التحكيم هذا العام، المخرجة والممثلة الأمريكية ماجي جيلنهال، قد تحدثت منذ بداية المهرجان عن قضية تمثيل النساء فى صناعة السينما، لذلك جاء اختيار فيلم الطوخى ليمنح ختام المهرجان بعدًا إضافيًا، خصوصًا أن الفيلم نفسه ينشغل بقصة امرأة تحاول أن تستعيد حقها فى تعريف حياتها بعيدًا عن الأحكام التي يفرضها عليها الآخرون.

Possible Love

وراء الأسد الذهبي يقف عدد من الجوائز التي ترسم خريطة الدورة السينمائية كاملة؛ فقد حصل فيلم Possible Love للمخرج الكورى الجنوبى لى تشانغ - دونغ على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، بينما ذهب الأسد الفضى لأفضل مخرج إلى إيليا خرزانوفسكى عن فيلم DAU.

 

NAZA

أما جائزة لجنة التحكيم الخاصة فذهبت إلى الفيلم الوثائقى NAZA للمخرجين يوفال أبراهام ورائيل زور، وهو فيلم يتناول الحرب فى غزة وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي فى العمليات العسكرية، ليصبح بذلك واحدًا من أكثر الأفلام السياسية إثارة للنقاش فى الدورة.

وفى التمثيل، فازت ماتيلد أرسل بجائزة أفضل ممثلة عن Woman Unknown، بينما حصل النجم الأمريكي جون مالكوفيتش على جائزة أفضل ممثل عن دوره فى فيلم Wild Horse Nine للمخرج مارتن ماكدونا.

أما جائزة أفضل سيناريو فذهبت إلى ستيفان بريزى وكورالي أميديو وأوليفبيه جورسى عن فيلم A Good Little Soldier.

تختلف قيمة جوائز المهرجانات عن جوائز شباك التذاكر أو الجوائز التى تأتى بعد موسم طويل من العروض التجارية، ففى المهرجان يشاهد أعضاء لجنة التحكيم الأفلام فى سياق واحد تقريبًا، وتصبح المقارنة بين الأعمال جزءًا من عملية الاختيار.

والفيلم الذى يفوز بالأسد الذهبي لا يحصل فقط على تمثال؛ بل يحصل على لحظة تاريخية يمكن أن تغير مسار حياته الدولية، فالفوز فى فينيسيا يعني أن فيلمًا قد يتحول من عمل فنى محدود التداول إلى أحد أكثر الأفلام التى تتجه إليها أنظار النقاد والموزعين والجمهور حول العالم، ولهذا فإن الأسد الذهبي ليس مجرد جائزة، وإنما نوع من الاعتراف بأن الفيلم استطاع أن يقول شيئًا مختلفًا، وأن لغته السينمائية وجدت طريقها إلى لجنة تضم أسماء من ثقافات ومدارس سينمائية متعددة.

يكفى النظر إلى قائمة الفائزين فى السنوات الأخيرة لاكتشاف حجم المكانة التى يتمتع بها الأسد الذهبي، ففى عام 2024 فاز المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار بالجائزة عن فيلم The Room Next Door، بينما ذهبت الجائزة الكبرى للجنة التحكيم إلى الفيلم الإيطالي Vermiglio لماورا ديلبيرو.

وفى 2025 انتقل الأسد الذهبي إلى المخرج الأمريكي جيم جارموش عن فيلم Father Mother Sister Brother، وهذا التنوع يكشف طبيعة فينيسيا؛ فالمهرجان يستطيع أن يحتفي بمخرج صاحب مسيرة طويلة مثل ألمودوفار وجارموش، وفى الوقت نفسه يمنح الفرصة لأصوات أخرى تبحث عن مكانها فى السينما العالمية.

ربما يكون أجمل ما فى فينيسيا أن المهرجان لا ينتهى فعلا مع إغلاق الستار الأخير؛ فالأفلام التى مرت على شاشاته تبدأ رحلة أخرى بعد ذلك، بعضها يتجه إلى مهرجانات أخرى، وبعضها يدخل موسم الجوائز، وبعضها ينتظر الجمهور فى دور العرض، بينما تختفى أعمال أخرى تدريجيًا من الذاكرة.

أما الأسد الذهبي فيبقى شاهدًا على اللحظة التى اختارت فيها لجنة التحكيم فيلمًا واحدًا من بين عشرات الأفلام لتقول: هذا هو الفيلم الذى نريد أن نتذكره من فينيسيا هذا العام.

وهكذا جاء الأسد الذهبي إلى فيلم يحمل فى عنوانه معنى «المرأة المجهولة» ليمنح صاحبتها فرصة لأن تصبح، فى واحدة من أقدم وأهم منصات السينما فى العالم، امرأة يعرفها الجميع.

 	أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ألكسندر باين

المزيد من فن

على الحجار.. الصامد

الرجل الذى يسكن أعلى جبل المقطم.. وتسكن القاهرة فى أغنياته

The Ribbon Hero «أوديسا» يابانية تستخدم التقنيات المسرحية فى «الأنيميشن»

حول أميرة محبة للخير تحارب حشرات عملاقة طائرة فى نسخة محدثة عن قصة كلاسيكية قديمة، تدور أحداث فيلم الرسوم المتحركة...

حكاية عن «الطاحونة» والفنانة وداد حمدى من قلب قرية صعيدية

الطاحون هو الاسم الذى نطلقه فى الصعيد على المكان الذى فيه أقماع من الصاج منصوبة على خرسانة مسلحة، يوضع فيها...

«الأسد الذهبى» يذهب للمصرية الدنماركية مى الطوخى عن «امرأة مجهولة »

في مدينة تبدو في حد ذاتها كأنها مشهد سينمائي لا يحتاج إلى مخرج، يعود مهرجان فينيسيا السينمائي كل عام ليؤكد...


مقالات

قصة القزم الراقص
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 01:00 م
أوروبا تستعد لعالم الصدمات
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 10:00 ص
من القاهرة إلى القاهرة
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 05:19 م
آداب طالب العلم
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 12:00 م