آفاق فينيسيا تمنح الإيرانية "لاله مرزبان" جائزة أفضل ممثلة

د. محمد عمر سيف الدين – باحث في السينما الإيرانية  

حصدت الممثلة الإيرانية الجميلة "لاله مرزبان" جائزة أفضل ممثلة (الأسد الأسود) في منافسات (آفاق) عن دورها في فيلم "الحارس: مراقب" للمخرج "محسن قرائي"، من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي.

تعد "مرزبان" أول ممثلة إيرانية تنال هذه الجائزة بعدما حصل عليها ابن وطنها الممثل البارع "نافيد محمد زاده" كأفضل ممثل عن دوره اللافت في فيلم "بلا تواريخ، بلا أسماء: بدون تاریخ، بدون امضا" للمخرج "وحيد جليل فند" خلال الدورة الرابعة والسبعين من المهرجان عام 2017.

كان حفل ختام الدورة الثالثة والثمانين من أقدم مهرجان سينمائي في العالم قد أُقيم مساء السبت 12 سبتمبر 2026 في "القاعة الكبرى" Sala Grande بـ "قصر السينما" Palazzo del Cinema القابع في جزيرة "ليدو دي فينيسيا" Lido di Venezia شمالي إيطاليا، بعد عشرة أيام شهدت فعاليات سينمائية وعروض أفلام متنوعة من مختلف أنحاء العالم.

قدمت الجائزة رئيسة لجنة تحكيم مسابقة آفاق، الممثلة الفرنسية الكبيرة "فاليري دونزيلي" Valérie Donzelli، وسلمتها لـ "مرزبان" الممثلة الإيطالية اللامعة "باربارا رونكي" Barbara Ronchi، وسط تصفيق حار من الحضور وصُنَّاع الفيلم.

عقب صعود "مرزبان" إلى خشبة المسرح، ألقت كلمةً مؤثرة، تهدَّج فيها صوتها وانهمرت دموعها؛ إذ قالت: "إنه أمر مثقل جدًا بالنسبة لي.. في الحقيقة لا أستطيع تصديق هذه اللحظة، إنه حلم يتحقق حقًا. أولًا وقبل كل شيء، أحمد الله على هذه اللحظة الرائعة، وأتوجه بالشكر إلى لجنة التحكيم ومهرجان فينيسيا السينمائي على هذا الشرف الكبير. كما أشكر محسن قرائي على صناعة هذا الفيلم الرائع، والمنتج، وطاقم العمل المذهل. وأخيرًا، أود الإشارة إلى أبناء وطني في إيران الذين يعيشون تحت أشد الضغوط وطأة طوال الوقت، وأود إهداء هذه الجائزة لنساء بلدي اللواتي دفعن أبهظ الأثمان من أجل أدنى حد من الحرية، واليوم وأكثر من أي وقت مضى يواصلن حمل أحلامهن بشجاعة وأمل، وأنا على يقين بأنه في يوم ما سيتحقق حلمنا لشعبنا ولنا جميعًا. شكرًا لكم.. أرغب في إضافة شيء واحد، أعلم أننا نعيش أصعب أيام حياتنا، لكن يجب ألا نفقد أملنا مطلقًا، شكرًا لكم".

أما جائزة أفضل ممثل في المسابقة ذاتها، فقد ذهبت إلى الممثل الإيطالي الوسيم "ريكاردو سكامارشيو" Riccardo Scamarcio عن دوره في فيلم "أبناء القردة" I figli della scimmia للمخرج "توماتسو لاندوتشي" Tommaso Landucci.

جدير بالذكر أن مسابقة آفاق فينيسيا هي قسم مخصص لأفلام تقدم اتجاهات تعبيرية وجمالية مبتكرة في السينما العالمية من قبل المخرجين الجدد أو المغمورين أو القادمين من صناعات سينمائية ناشئة، ويأتي هذا القسم في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد المسابقة الرسمية.

المسابقة الرسمية

حصد فيلم "امرأة مجهولة" Kvinde ukendt للمخرجة الدنماركية مصرية الأصل "مي الطوخي" جائزة "الأسد الذهبي"، أرفع جوائز المهرجان، كأفضل فيلم، كما نالت بطلته "ماتيلد أرسيل" Mathilde Arcel جائزة "كأس فولبي" كأفضل ممثلة. بينما حصل الممثل الأمريكي القدير "جون مالكوفيتش" John Malkovich على الجائزة نفسها كأفضل ممثل عن دوره في فيلم "الحصان البري التاسع" Wild Horse Nine من تأليف وإخراج "مارتن ماكدونا" Martin McDonagh.

وفاز الفيلم الكوري الجنوبي "حب ممكن" Possible Love للمخرج البارز "لي تشانج دونج" Lee Chang-dong بجائزة لجنة التحكيم الكبرى "الأسد الفضي".

فيلم (نازا)

كان من أبرز الأحداث التي شهدها المهرجان هذا العام، الحفاوة البالغة التي قُوبِل بها الفيلم الوثائقي "نازا" NAZA عند عرضه يوم الخميس 10 سبتمبر؛ إذ نهض جميع الحاضرين في تصفيقٍ متواصلٍ امتد زهاء نصف ساعة، مما جعل الفيلم يحطم رقمًا قياسيًا في أطول مدة تصفيق يحظى بها عمل فني في المحافل السينمائية العالمية.

الفيلم إنتاج مشترك بين صحيفة "الجارديان" البريطانية والمنتج "جيمس ويلسون" James Wilson، ومن إخراج الصحفيَين الاستقصائيَين الإسرائيليَين "يوفال أبراهام" Yuval Abraham و"راشيل سزور" Rachel Szor.

يستعرض الفيلم شهادات 24 ضابطًا إسرائيليًا –دون الكشف عن هوياتهم– يعملون في وحدة التجسس الإلكتروني والحرب السيبرانية الموسومة باسم (8200)، التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، أفادوا فيها بأن سلسلة الاغتيالات وعمليات القتل الجماعي التي قام بها الجيش الإسرائيلي عقب أحداث 7 أكتوبر 2023، كانت ممنهجة ومتعمدة وشملت تصفية المدنيين والأطفال دون قصرها على الفصائل الفلسطينية المسلحة كما تدعي الحكومة الإسرائيلية.

كلمة "نازا" נזק هي اختصار عسكري باللغة العبرية يعني "أضرار جانبية"، ويُقصد به الخسائر البشرية والمادية التي تقع في نطاق المواقع المستهدفة دون قصد؛ وهو ما يمنح عنوان الفيلم طابعًا تهكميًا مأساويًا يُظهِر كيف يُنظَر إلى المواطن الفلسطيني في العقيدة الإسرائيلية كونه مجرد "ضرر جانبي" لا قيمة له.

حصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان فينيسيا، وهي ثاني جائزة دولية مهمة ينالها الثنائي "أبراهام وسزور" بعد فوز فيلمهما الشهير "لا أرض أخرى" No Other Land بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي خلال حفل توزيع جوائز أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة في نسختها السابعة والتسعين عام 2025.

كان فيلم "لا أرض أخرى" يتناول عنف المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي المحتلة، وممارساتهم الوحشية تجاه الشعب الفلسطيني من قبيل إخلاء البيوت قسرًا وتسويتها بالأرض، وتدمير المنشآت الحيوية والمدارس والمستشفيات، وقطع الخدمات العامة عنها، بالإضافة إلى ترويع الأهالي والبطش بالصحفيين. اشترك في تنفيذ الفيلم وإخراجه الصحفي الفلسطيني "باسل عدرا" والناشط السياسي والمصور الفلسطيني "حمدان بلال".

الحارس "مراقب"

فيلم "الحارس: مراقب" –أو "انهيار البيت" Falling House باسم التسويق الدولي– من إخراج "محسن قرائي"، وتأليفه بالاشتراك مع "أمير محمد عبدي"، وإنتاج إيراني أمريكي ألماني مشترك. يلعب أدوار البطولة فيه: لاله مرزبان، فرهاد أصلاني، ريما رامين فر، إلنا خاکبازان، وهو ينتمي إلى السينما المستقلة في إيران أو ما تُعرف باسم "تحت الأرض" Underground.

تدور أحداث الفيلم حول عائلة محدودة الدخل تعيش في ضواحي طهران، يواجه بيتها خطر الانهيار إثر مشروع تطوير العاصمة الإيرانية. يعمل رب الأسرة "رشيد (فرهاد أصلاني)" حارسًا في أحد السجون، لكن عقب ارتكابه خطأً جسيمًا، يجد نفسه متهمًا بقضية فساد ويُوقف عن العمل. في خضم هذه الظروف العصيبة، يكتشف أن ابنته الكبرى "إنسي (لاله مرزبان)" تخطط سرًا للهجرة خارج البلاد والعمل في مجال عروض الأزياء. تتصاعد حدة الأحداث مع محاولات الأب ثني ابنته عن السفر، وتتأزم العلاقة بينهما ملقيةً بظلالها على أفراد الأسرة كلها.

شهد الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسيا مساء الجمعة 3 سبتمبر بـ "قاعة دارسينا" Sala Darsena، واقتصر الحضور من فريق العمل على المخرج "محسن قرائي" والمنتج "ميلاد خسروي"، بسبب إلغاء رحلات الطيران جراء الحرب الأمريكية على إيران، لكن بطلتي الفيلم "لاله مرزبان" و"ريما رامين فر" تمكنتا فيما بعد من السفر إلى إيطاليا.

حظي الفيلم باستحسان كبير من قبل الجمهور والنقاد؛ إذ وقف الجميع عقب انتهاء العرض منهمكين في تصفيق حار وصيحات مشجعة استمرت 10 دقائق متواصلة، كما أشادت صحيفة "الجارديان" البريطانية بالفيلم، حيث وصفه الناقد السينمائي المعروف "زان بروكس" Xan Brooks بأنه دراما أسرية قوية، تتسم بأداء تمثيلي لامع، وكتب يقول: "كأن الفيلم حيوان ساخط حُوصر في زاوية ضيقة؛ إنه عمل صلب يتناول العادات والتقاليد الاجتماعية القديمة، ويرمز إلى نهج الحياة التقليدية الإيرانية".

ويرى "بروكس" أن الفيلم يقدم رواية مؤلمة وقاسية، يمكن اعتبارها أيضًا كوميديا سوداوية عبثية؛ تبدو فيها الحبكة أكثر إحكامًا وقوةً ورسوخًا من البيت المتهالك وأسرته المفككة.

مجادلات حول الفيلم

أثار ظهور الممثلة "لاله مرزبان" سافرة الرأس على بوستر الفيلم وفي التريلر الدعائي له جدلًا واسعًا في إيران، وذكرت بعض وسائل الإعلام الحكومية أن الفيلم أُنتِج داخل البلاد بتصريح رسمي، إلا أنه عُرض في مهرجان فينيسيا باسم منتج آخر وبمشاركة ممثلة دون الالتزام بالحجاب الإجباري.

وأشارت إحدى الوسائل الإعلامية إلى أنه بالتزامن مع نشر صورة "مرزبان" والتأكد من حصول الفيلم على تصريح رسمي، تصاعدت حدة الانتقادات من قبل الإعلام الأصولي المقرب من السلطة ضد هيئة الشؤون السينمائية والسمعية والبصرية وآلية رقابتها، مما أدى في النهاية إلى إقالة مدير إدارة الرقابة والتقييم "روح ‌الله حسيني"، وتعيين "مهدي طباطبائي ‌نجاد" بدلًا منه؛ وهو حدث أُعلن عنه قبل أيام قليلة دون الكشف عن أسبابه الحقيقية.

من جانبها، كتبت وكالة أنباء "مهر" التابعة لمنظمة الدعاية الإسلامية: "إذا تقرر أن يُنتج فيلم بنسخة تخالف الضوابط المعتمدة من قبل السينما الإيرانية، ويُعرض في المحافل الأجنبية بعد حصوله على تصريح رسمي؛ فما الجدوى من إصدار تصاريح الإنتاج أساسًا؟ وكيف تُحدَّد مسؤولية هيئة الشؤون السينمائية تجاه مثل هذه الأعمال؟"

كان المخرج "محسن قرائي" قد أجرى عشية عرض فيلمه في مهرجان فينيسيا حوارًا مع المجلة الإلكترونية "ديدلاين هوليوود" Deadline Hollywood، ذكر فيه أنه شرع في تصوير الفيلم بعد الحصول على تصريح رسمي، مؤكدًا أن التصوير خفيةً كان أمرًا مستحيلًا بالنظر إلى حجم الإنتاج الضخم، وهو ما جعله يقدم إلى الجهات الرسمية سيناريو مزيفًا حتى يحصل على تصريح التصوير.

وحول المشاهد التي تظهر فيها "لاله مرزبان" سافرة الرأس، قال "قرائي": "في المشاهد الخالية من الحجاب، كان التصوير يقتصر عليَّ وعلى المصور ولاله حينًا، أو كنا نتظاهر بأننا نُجرِي بروفة حينًا آخر كي لا نلفت الانتباه، ويكون الأمر أكثر أمانًا. بعيدًا عن قضية الحجاب؛ إن المعضلة الكبرى تمثلت في مضمون الفيلم وجوهره الأساسي؛ فالرقابة لم تكن ستعطينا تصريح التصوير مطلقًا، وهذا كان التحدي الأكبر لنا".

كما أشار "قرائي" إلى أن مضمون الفيلم كان يدور في ذهنه منذ سنوات، إلا أن احتجاجات "امرأة، حياة، حرية" المنددة بالحجاب الإجباري قد منحته دافعًا أكبر وأقوى كي يحوله إلى فيلم سينمائي.

يُذكر أن "قرائي" قد أكد في معرض حديثه عن الفيلم أنه يواجه هو وأسرته تهديدات بالقتل، ويعيش حاليًا خارج إيران، مشيرًا إلى أنه إذا عاد إلى البلاد سيُعتقل حتمًا، كما أن أمواله وممتلكاته صودرت من قبل السلطات، إلا أن هذا الجزء من الحوار قد حُذف بعد سويعات قليلات من نشر الحديث كاملًا.

لاله مرزبان

ولدت الممثلة الإيرانية "لاله مرزبان" في 19 يناير 1994 بمدينة "أزنا" بمحافظة لُرستان. خاضت أول تجاربها التمثيلية عام 2010 في المسلسل التلفزيوني "الذكاء الأسود: هوش سیاه" للمخرج "مسعود آب برفر"، ثم أثبتت موهبتها الكبيرة وحضورها البارز عام 2017 في فيلم "تحت السقف الدخاني: زیر سقف دودی" للمخرجة "بوران درخشنده".

من أبرز أفلامها: "به‎توقيت شام: بتوقيت الشام" للمخرج "إبراهيم حاتمي كيا" عام 2018، و"فندق القمر الجديد: مهمانخانه ماه نو" للمخرج الياباني "تاكيفومي تسوتسوي" Takefumi Tsutsui عام 2019، و"بلا كل شيء: بی‌همه‌چیز" للمخرج "محسن قرائي" عام 2021، و"الحارس الليلي: نگهبان شب" للمخرج "رضا مير كريمي" عام 2022.

السينما الإيرانية في فينيسيا 2026

شاركت السينما الإيرانية خلال الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي هذا العام بأربعة أفلام في أقسام المهرجان المختلفة؛ ففي المسابقة الرسمية عُرض فيلم "بصيصًا من النور: کمی نور" للمخرج "علي عسجري"، وفي مسابقة آفاق عُرض فيلم "الحارس: مراقب" للمخرج "محسن قرائي"، وفيلم الرسوم المتحركة "الأزرق الأقصى: آبی دوردست" للمخرج "أمير هوشنج معين"، وفي قسم أيام المؤلفين عُرض فيلم "أغرس يديَّ في جنينتي: دست‌هایم را در باغچه می‌کارم" للمخرجة "هدى طاهري".

فيلما "عسجري وقرائي" ينتميان إلى السينما الإيرانية المستقلة التي حققت نجاحات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وقدمت عددًا من الأعمال المهمة التي تنقل واقع المجتمع الإيراني وما يواجهه من أزمات سياسية واقتصادية. أما فيلما "هوشنج معين وطاهري" فينتميان إلى سينما المهجر الإيرانية.

لا يزال المخرج الكبير "جعفر بناهي" حتى الآن الإيراني الوحيد الذي اقتنص جائزة "الأسد الذهبي" عام 2000 من مهرجان فينيسيا خلال دورته السابعة والخمسين عن فيلمه الشهير "الدائرة".

 	د. محمد عمر سيف الدين

د. محمد عمر سيف الدين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فيلم لقاء في نوفمبر
المخرج الإيراني ناصر تقوايي

المزيد من فن

آفاق فينيسيا تمنح الإيرانية "لاله مرزبان" جائزة أفضل ممثلة

حصدت الممثلة الإيرانية الجميلة "لاله مرزبان" جائزة أفضل ممثلة (الأسد الأسود) في منافسات (آفاق) عن دورها في فيلم "الحارس: مراقب"...

نجيب محفوظ يرسم صورة الفنان المصرى فى «أفراح القبة»

من المواقع التنفيذية التى تولاها نجيب محفوظ رئاسة صندوق دعم السينما، ورئاسة الرقابة على المصنفات الفنية، وقبلها كان فى وزارة...

مهرجان الغردقة لسينما الشباب.. منصة واعدة لاكتشاف المواهب

جديد الدورة الرابعة.. أفلام للطلبة والسياحة البيئية

فارس السينما الأكبر (الأخيرة) المشهد الأخير فى حياة أحمد مظهر

البلدوزرات تكتب نهاية تراجيدية لفارس الرومانسية انتقل إلى «البراجيل» لينعم بالهدوء فوجد كابوساً فى انتظاره دخل فى حالة اكتئاب حزناً...