في كل مناسبة تخص نجيب محفوظ أتساءل: ماذا لو لم يحصل هذا الأديب الاستثنائى على جائزة نوبل؟.. وهل كان الأدب العربي سيحتفى به ويضعه في هذه المكانة؟..
الإجابة للأسف لا، كانت ذكراه ستمر كما تمر ذكرى غيره أمثال توفيق الحكيم وطه حسين ويوسف إدريس وغيرهم.. فعلى سبيل المثال تكاد ذكرى توفيق الحكيم في وفاته أو مولده تمر دون أن يلتفت إليها أحد، ربما خبر هنا أو تقرير هناك... حتى محفوظ نفسه، ورغم الجائزة التي أبقت عليه تحت أضواء الآلة الإعلامية، لا نحتفل به كما يليق.. وعلى سبيل المثال علاقة هذا الكاتب بالمسرح علاقة ثرية وتحتاج -إلى مراجعة، وهذا ما سأتعرض له في هذه السطور، فهل فكرت وزارة الثقافة في الاحتفال بنجيب محفوظ المسرحي ؟
المسرح ونجيب محفوظ (11) ديسمبر 1911 – 30 أغسطس 2006) علاقة أعمق وأبعد من المسرحيات الثماني التي كتبها فى ثلاث مجموعات، أو من أعماله التي تحولت إلى عروض على خشبة المسرح، لكن ثمة ظواهر مسرحية عديدة في أعماله الروائية والقصصية، منها استخدامه للحوار الدرامي في عدد كبير من أعماله، والحوارات المدهشة التي تشى بالقلق والصراع الدائمين بين الشخصيات، بالإضافة إلى اللغة البسيطة والعميقة فى آن والتى تحمل في طياتها لغة التكثيف الشعرى ببراعة لا يتقنها سواه، ولن يستطيع القارئ أن يهمل عنصر الزمن ولعبة الأقدار في رواياته والنموذج الأمثل رواية الحرافيش الملحمة التي يطرح من خلالها عناصر التراجيديا وصراع الإنسان مع الموت والزمن بالإضافة إلى أمثلة عديدة منها اللص والكلاب» و«بداية ونهاية وزقاق المدق».
ففي أعماله شخصيات تلعب بها الأقدار، بالإضافة إلى الفضاء المسرحى الذى كان يؤسسه بإتقان کی يمارس فيه أبطاله حياتهم، وتصميمه على اختيار المكان / فضاء الحدث مسرحاً لهذه الشخصيات مثل زقاق المدق السكرية قصر الشوق بين القصرين خان الخليلي ميرامار قشتمر وغيرها، ناهيك عن الشخصيات التى تمارس التنكر وتلعب أدوارا تختلف عن جوهرها الحقيقى، وكأنها تؤدى دورا في مسرحية أى أنها تمارس فن التحايل بإتقان.
ثمة ظواهر مسرحية عديدة في أعمال محفوظ الروائية والقصصية، منها استخدامه الحوار الدرامي في عدد كبير من أعماله، والحوارات المدهشة التي تشى بالقلق والصراع الدائمين بين الشخصيات بالإضافة إلى اللغة البسيطة والعميقة في آن والتي تحمل في طياتها لغة التكثيف الشعرى ببراعة لا يتقنها سواه، ولن يستطيع القارئ أن يهمل عنصر الزمن ولعبة الأقدار في رواياته، والنموذج الأمثل رواية «الحرافيش» الملحمة التي يطرح من خلالها عناصر التراجيديا وصراع الإنسان مع الموت والزمن بالإضافة إلى أمثلة عديدة منها اللص والكلاب وبداية ونهاية، وزقاق المدق. ففي أعماله شخصيات تلعب بها الأقدار، بالإضافة إلى الفضاء المسرحي الذي كان يؤسسه بإتقان كى يمارس فيه أبطاله حياتهم وتصميمه على اختيار المكان فضاء الحدث مسرحا لهذه الشخصيات مثل زقاق المدق السكرية قصر الشوق بين القصرين خان الخليلي میرامار قشتمر وغيرها، ناهيك عن الشخصيات التي تمارس التنكر وتلعب أدوارا تختلف عن جوهرها الحقيقي، وكأنها تؤدي دورا في مسرحية، أي أنها تمارس فن التحايل بإتقان.
روايات مسرحية
في رواية «المرايا» يقول زهير كامل، الأستاذ الجامعي الذي مرت حياته بتحولات غير طبيعية وتنقل بين اتجاهات متباينة مدافعا عن أفعاله يتساءلون عن سر ازدهار المسرح، أتدرى ما هو سر ذلك؟ السر أننا صرنا جميعا ممثلين».. وزهير كامل ارتدى عشرات الأقنعة في حياته بالإضافة إلى أن نجيب محفوظ كان مولعاً بروايات الأصوات التي تحكيها أكثر من شخصية والتي تجسد علاقة جدلية بين هذه الشخصيات مثل «ميرامار» والمرايا وأفراح القبة»، والأخيرة تدور أحداثها في المسرح، والنص المسرحي يلعب دور البطولة في هذه الرواية، بل ويأتى بمثابة القوة الفاعلة التي تحرك الأحداث... وكأنه يعلن عن علاقته الوطيدة بالمسرح عام 1981، حيث توج بهذا العمل حواره مع المسرح.. رواية أبطالها فرقة مسرح قطاع خاص يملكها سرحان بك الهلالي.. وبعيداً عن التكنيك في بناء هذه الرواية، فإنها درس في المسرح رؤية نقدية عميقة لما يجب أن يكون عليه هذا الفن، حيث يحكى الأحداث الأب والابن والأم وممثل من الدرجة الثانية الأب ملقن وقواد الأم قاطعة تذاكر وعاهرة، والابن مشروع مؤلف بعد أول نجاح حققه في المسرح، فهو شاب مثالي رغم نشأته في بيئة فاسدة، كتب العديد من النصوص، سخر منها مدير الفرقة، لكن حين كتب حياة الفرقة وفضائح العائلة، طار مدير الفرقة فرحا... ونجح العرض، حين جسد الواقع على خشبة المسرحدون زيف أو تجميل، حين قام بتعرية الجميع حتى الأم والأب، بل وقام أعضاء الفرقة بتمثيل أدوارهم في الحياة على خشبة المسرح، في تجربة نادرة بين المسرح والرواية، ليس فقط لأن الحبكة قوامها النص المسرحي الذي كتبه عباس كرم يونس ابن الملقن وقاطعة التذاكر، بل لأن الحوار الدرامي هو الأساس للبنية العميقة لهذه الرواية.
ما أقصده أنه في أعمال نجيب محفوظ تجليات مختلفة للمسرح من خلال عناصر متعددة أهمها الحوار الدرامى مما دفعه بعد ذلك إلى كتابة حواريات أثارت جدلا كبيرا حول طبيعتها الدرامية.
روائي في عصر المسرح
8 حواريات أو مسرحيات قصيرة ذات فصل واحد خلال عشر سنوات كتبها صاحب نوبل... إذ بدأ الكتابة المباشرة للمسرح بعد نكسة 1967، ولا يخلو التاريخ من دلالة سياسية واجتماعية.. وجاءت هذه الأعمال في ثلاث مجموعات قصصية هي تحت المظلة 69 «الجريمة 73 الشيطان يعظ 79.. فما الذي دفعه الكتابة المسرح في تلك الفترة، ولماذا توقف بعد ذلك وإلى أي تيار مسرحي تنتمى هذه النصوص ؟
وربما الشائع هو تحويل رواياته وقصصه القصيرة إلى عروض مسرحية، حيث جاءت رواية «بداية ونهاية» الأكثر حظا وتم تقديمها على خشبة المسرح ثلاث مرات من خلال ثلاثة مخرجين عبد الرحيم الزرقاني فتحى الحكيم عبد الغفار عودة، بالإضافة إلى قصر الشوق بين القصرين زقاق المدق خان الخليلي ميرامار».. وأغلب هذه الأعمال تم تقديمها في الفترة من 1960 وحتى 1969 بإستثناء «القاهرة 80» من إخراج سمير العصفوري، وأيضا ترثرة فوق النيل» للمخرج ذاته، وحارة العشاق من إخراج سعد أردش وتم تقديمهما على خشبة المسرح عام 1989، وأعمال أخرى بعد ذلك، أهمها حارة عم نجيب التي قدمها أحمد حلاوة في مسرح الطليعة، بالإضافة إلى رواية أفراح القبة التي تم تقديمها على خشبة المسرحأكثر من مرة في السنوات الأخيرة.
دلالة البداية في نهاية حقبة الستينيات قوية وهي التي تقود القارئ العالم نجيب محفوظ المسرحي الذي قال عنه في أحد حواراته بعد ذلك إنه كتب هذه المسرحيات تحت الحاج اللحظة التاريخية التي نعيشها الآن، وإنه لجأ إلى الحوار والنقاش ليشارك فيما يحدث.. ولا أقصد أن أقول رأيا صريحا، كنت أرغب في مواكبة الأحداث السريعة المتغيرة».. ولا بد أن نقف أمام تصريحاته عام 1970 حول المسرح بعد أن نشر مجموعة تحت المظلة وقال إننا نعيش عصر المسرح بلا جدال فهذه اللحظة المزدحمة بالكثير من الأفكار والمشكلات لا يمكن مناقشتها إلا عن طريق المسرح الرواية تحتاج إلى هدوء وروية الأوضاع مستقرة، ولهذا لا بد أن تتوارى الآن ليصبح المسرحهو سيد الموقف... وربما يبدو هذا الكلام غريبا الآن لكنه مناسب لحقبة الستينيات حيث ازدهار المسرحالمصرى والعلاقة الوثيقة بين المسرح والجمهور، حين كان المسرح يلعب دور البطولة في الحياة الثقافية، بل أطلقوا على تلك الحقبة عصر المسرح.
مسرح العبث
إذن ليس غريبا أن يلجأ إلى المسرح كأسلوب للتعبير عن نفسه، فكما ذكرت عناصر المسرح تتردد في أعماله بأساليب مختلفة، بالإضافة إلى ازدهار المسرحالمصري في تلك الفترة، والأهم هو تأثير نكسة 1967 على المثقفين، حيث الصدمة العنيفة وسقوط الحلم والرؤية الضبابية للحاضر والمستقبل معا، وفقدان اليقين.. فقد فرضت هذه الحالة ليس فقط الشكل المسرحي في التعبير ولكن نوع المسرح وهو مسرحالعبث، لأنه كان الشكل الأمثل للهزيمة، كان الإحساس الصادق والحقيقي للجميع بعبثية كل شيء، وبالتالى لا بد من التعبير عن هذه اللحظة بما يناسبها، وهو مسرح العبث الذي يعبر عن إحساس بالصدمة نتجة الغياب القيمة وفقدان اليقين وغياب الأسس التي تقول إن للعالم معنى، وإن الحقيقة ثابتة وراسخة. فلا معنى ولا حقيقة ولا رسوخ، وإن الأعمال المحكمة الصنع وليدة المعتقدات الواضحة المطمئنة، والقناعات الراسخة، وهذا ما سقط ولو بشكل مؤقت بعد الهزيمة فكتب نجيب محفوظ بذكائه المعهود نصوصا تعبر عن هذه المرحلة... نصوصا تهزأ بجميع المعايير ليس فقط الفكرية بل والفنية وتسخر أيضا من تقنيات الكتابة الراسخة، وهذا من ملامح مسرح العبث، حيث النصوص الخالية من الكائنات البشرية التي تقدم على أفعال خالية من الدوافع، بل وفى أحيان كثيرة ينحدر الحوار فيها إلى الثرثرة التي لا معنى لها، لتشترك المسرحيات الثماني في الجنوح نحو الغرابة رغم اختلاف أفكارها وشخصياتها وأسلوب البناء، جنوحإلى الغرابة إلى حد الدهشة والإضحاك بل وخلق الشعور بالتشاؤم، ناهيك عن غياب الرابطة المنطقية بین شخصيات هذه المسرحيات خاصة في مجموعتي تحت المظلة والجريمة ومرجعيتها في العالم لتتسم هذه النصوص باضطراب المعنى وصعوبة التفسير العقلاني، وربما هذا ما جعل مؤلفها يقول: كتبت مسرحياتي الخمس التي ظهرت في مجموعة تحت المظلة مستهدفا بها القراءة أولا وأخيرا... وقد حدث هذا، وحتى الآن لم تصعد شخصياته المسرحية إلى خشبة المسرحبينما صعدت شخصياته الروائية... وبالفعل كانت رغبة صادقة من نجيب محفوظ کی یلتقی بالجماهير مباشرة، فقد لجأ إلى هذا الشكل ليشارك من خلال حواريات أو مسرحيات ذات فصل واحد سمها ما شئت فيما يخص الشكل... فقد اختلف البعض حول نوعها الأدبي، لكنها تعتمد في بنائها العميق على الصراع الفكري وليس الصراع الدرامي، وإن كان بناؤها السطحي ينتسب إلى المسرح.
أنا كاتب مسرحي مبتدئ
بتواضعه المعروف أنكر نجيب محفوظ أنه مؤهل لكتابة المسرح، وقال أنا مجرد كاتب مبتدئ، ولا يمكن أن أزعم أنني أنتمى إلى كتاب المسرح الجماهيري... إنني ما زلت أجرب ولهذا فأنا أنضوي تحت لواء المسرحالتجريبي... ومن دون شك كان مؤهلا لكتابة المسرحليس فقط من خلال هذه الحواريات، ولكن من خلال تجليات المسرح في أعماله القصصية، وأتفق معه في استخدام مصطلح التجريب فقد كان كعادته يجرب في المسرح كما فعل في الرواية واستخدم مصطلحالمسرح التجريبي عام 1971... وظني أنه سبق الكثير من كتاب المسرح في استخدام مصطلح التجريب، بل وتطبيقه عمليا، في هذه الحواريات التي أثارت جدلا حول طبيعتها المسرحية وانتمائها إلى جنس المسرحخاصة بعد أن صرح هو في أكثر من حوار تستطيع أن نسمى هذا النوع على سبيل الطرافة (ق.م) أي قصة مسرحية لأنها تجمع بين جوهر القصة وشكل المسرحية... وأيضا لأن هذه الحواريات مزجت بين القصة والمسرحية في وحدة عضوية فنية واحدة وظني أن هذا هو أدق توصيف لهذه الحواريات، ولن ننسى أن المسرح كان حتى سبعينيات القرن الماضي في قمة ازدهاره مما دفع نجيب محفوظ لأن يقول ليس أمام الروائي الذي يعيش في عصر المسرحإلا أن يكتب قصة في شكل حوار»، وهذا ما حدث بالضبط، بالإضافة إلى ارتباطه العميق بفن المسرحالذي ظهر واضحا في أعماله الروائية.
لقد عاصر نجيب محفوظ منذ طفولته في العقد الثاني من القرن العشرين أزهى عصور المسرح المصرى التي امتدت حتى الستينيات، فكان من الطبيعي أن يكون جزءا من مشروعه الأدبى واستفاد منه في إطار ما يخدم مشروعه الروائي.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كل مناسبة تخص نجيب محفوظ أتساءل: ماذا لو لم يحصل هذا الأديب الاستثنائى على جائزة نوبل؟.. وهل كان الأدب...
يوسف إدريس، الكاتب الكبير المناضل الذي عاش في لحظة تحوّل سياسى فى مصر، فأدرك أبعاد اللحظة واختار الموقف الصحيح،
ليس مجرد فيلم مطاردات أو بقاء على قيد الحياة الفيلم لا يخلو من الثغرات الدرامية والمصادفات رغم حفاظه على توتره...
فيلم يحافظ على روح الدعابة المميزة للأنمى