الحرية فى السينما المصرية بعد وقوع هزيمــة يونيو 1967

الشعوب العريقة هى القادرة على مناقشة مصائرها، وفرض جدول الأعمال على السلطة السياسية، والدليل ـ من حياة الشعب المصرى العريق ـ أنه بعد وقوع هزيمة الجيوش العربية فى حرب فلسطين 1948 تحوّل الشارع لتناول أسباب الهزيمة،

وتحولت قضية تسليح الجيش المصرى إلى موضوع يشغل الصحافة الوطنية، وكانت الحملة التى قام بها الكاتب الصحفى إحسان عبدالقدوس، مدعوماً بمعلومات أمده بها «الضباط الأحرار»، المسمار الأول فى نعش النظام الملكى.. وفى عام 1951 أقدمت حكومة «الوفد» الأخيرة على إلغاء معاهدة 1936 التى كانت حكومات وفدية سابقة تطلق عليها اسم معاهدة الشرف والاستقلال، ولم يكن فى ذلك الزمان تليفزيون يناقش القضايا الوطنية (ظهر فى المجتمع المصرى فى يوليو1960 ).. لكن السينما كانت تقوم بدور مهم فى التعبير عن «الرأى العام» وتحاوره.. تأخذ منه «طرف الخيط» وتعود إليه بقصة وسيناريو وصورة تتضمن ما يريده وما يفكر فيه، وهذا الذى حدث عقب حرب فلسطين تكرر عقب وقوع هزيمة «5 يونيو 1967».. لم يكن أمام «عبدالناصر» وسيلة أخرى لامتصاص الغضب الشعبى، غير وضع خطة لتفريغ هذه الشحنة، ولم يكن أمام أجهزة النظام من طريق غير السماح بالنقد وتوسيع هامش الحرية، وهذا ذكاء سياسى بالطبع، ومن يراجع قائمة الأفلام التى ظهرت فى الأعوام التالية لوقوع الهزيمة سوف يجد من بينها فيلم «ميرامار» من إخراج «كمال الشيخ» ومأخوذ عن رواية «نجيب محفوظ»، وفيه نقد مباشر لصيغة الحكم التى اتبعها عبدالناصر، ونقد قاسٍ لحزب السلطة «الاتحاد الاشتراكى» من خلال شخصية «سرحان البحيرى» ـ قام بدوره يوسف شعبان ـ وظهر هذا القيادى «الانتهازى» فى أبشع صورة، وانتهى به الأمر بالانتحار.. ولم يكن نجيب محفوظ معادياً للثورة، بل كان وطنياً رأى أن اللحظة تفرض عليه تقديم الرؤى المفيدة للوطن فقدمها، وكذلك فريق العمل فى الفيلم، ونجد أيضاً فيلم «القضية 68» الذى أخرجه صلاح أبوسيف ـ عن قصة للكاتب لطفى الخولى وقُدِّمت على المسرح ـ وشرح فيه كل عيوب نظام الحكم من منطلق وطنى مخلص للثورة، والمهم هنا القول إن الحرية التى تمتعت بها السينما المصرية بعد «يونيو 67» كانت لازمة لخدمة الوطن والسلطة الحاكمة والمجتمع كله.

محسنة توفيق.. «بهية» التى تغنى باسمهـا الشيخ إمام

مطلوب من حضرة القارىء العزيز مشاهدة فيلم «العصفور» الذى أخرجه يوسف شاهين، وظهر فى دور السينما المصرية عام 1972، حتى يفهم قصدى من كتابة هذه السطور، ومطلوب منه أن يستمع أغنية «مصر يا أمّه يا بهية» التى تضمنها الفيلم، وهى من تأليف الشاعر «أحمد فؤاد نجم» وغناء وتلحين الشيخ «إمام عيسى»، والسيدة التى قصدتها هى «بهية» ومعناها فى اللغة العربية «الحلوة» ذات البهاء، والبهاء هو القوة والوضوح، وإخوتنا عرب ليبيا يستخدمون لفظة «باهى» للتأكيد على وضوح الفكرة ووصولها، تساؤلاً وتوكيداً، لكن الذى حار فيه العلماء والمؤرخون سؤال: هل السيدة «بهية» ظهرت فى فيلم «العصفور» أم ظهرت فى أغنية «نجم» التى لحنها وغناها الشيخ إمام ثم وظّفها شاهين فى سياق الفيلم؟.. والحقيقة التى أعرفها ويعرفها السابقون أن «الشيخ إمام والشاعر نجم» ظهرا قبل ظهور الفيلم، وكان لهما حضور فى دوائر المثقفين، وقيل إن «عبدالناصر» وجّه الإذاعة باحتواء هذه الظاهرة الفنية التى جعلت «أجهزة الأمن» مشغولة، وجعلت دوائر الثقافة والسياسة مرتبكة ومعجبة بهذا الشاعر وهذا الشيخ الضرير، لكن الثابت أيضاً أن «يوسف شاهين» و»لطفى الخولى « أدركا أهمية التأريخ والتوثيق لظاهرة الغناء الثورى الرافض للهزيمة، الرافض للحكم البيروقراطى الذى يكبّل الطاقات ويمنعها من الانطلاق والتدفق، والجميل فى فيلم «العصفور» أنه ربط بين «بهية» وفنانة جميلة الحضور، هى «محسنة توفيق»، وصارت هى الوحيدة التى تحمل ملامح السيدة الخيّاطة المكافحة التى تعمل من أجل تعليم ابنتها فى الجامعة، وتحب كل من يحب الوطن، ويحلم له ومعه بالنهضة والتقدم والتحرر من التبعية والاستغلال والاستعمار.. ومن حُسن الحظ أن «محسنة توفيق» كانت فنانة مثقفة، فاستطاعت خلق شعار اخترق قلوب الناس «لأ.. هنحارب.. هنحارب».. وتحول الشعار إلى دستور التزمت به الدولة والتزم به الشعب، وعاش المصريون ألف يوم يحاربون من أجل تحرير الأرض، حتى طلبت إسرائيل وقف إطلاق النار، فى سابقة هى الأولى من نوعها.

والخلاصة هى أن «بهية» هى الرمز الذى صاغه خيال الفنان المصرى وتبناه الوجدان الجمعى للشعب كله فى لحظة فارقة، لحظة مواجهة مع قوى الشر والعدوان فى كوكب الأرض كله.

شادية.. أو «زُهرة» التى غدر بها سرحـان البحيرى

مقارنة سريعة وبسيطة يستطيع مشاهد فيلمى «شىء من الخوف « و «ميرامار» إجراءها، ليكتشف أن «فؤادة» صورة طبق الأصل من «زُهرة»، وكلتاهما تقاوم الظلم بالطرق المتاحة، فؤادة التى كانت صديقة طفولة «عتريس» قاومت زواجه منها الذى فرضه بالقوة عليها وعلى والدها ووالدتها، وجعلته زوجاً «على الورق».. وكذلك قاومت « زُهرة» أكاذيب «سرحان البحيرى» وفضحته، وكشفت انتهازيته.. والشخصيتان قدمتهما الفنانة الكبيرة «شادية» وهى نفسها التى قدمت شخصية الفتاة المتعلمة فى فيلم «شباب امرأة» التى أحبت «إمام البلتاجى» الدرعمى الذى سقط فى قبضة «شفعات» التى قدمتها الفنانة «تحية كاريوكا».. والمقارنة جائزة بين «شادية وتحية»، فهما ترمزان لعصرين يتصارعان، عصر «البغل» وعصر «الكهرباء» أو بصيغة أخرى، عصر «الإقطاع» وعصر «البرجوازية الصغيرة» المثقفة الراقية المدينية المتحضرة، وعلى المستوى الجينى والعرقى كانت «شادية» مكونة من نصف تركى ونصف عربى، والتركى فى تاريخنا هو الإقطاعى الذى ألهب ظهور الفلاحين بالكرباج، فى عصر المماليك وعصر العثمانيين، والعربى هو من قاوم هذا التركى.

كانت للعربان ثورات ضخمة تحالفوا فيها مع الفلاحين وحاربوا المماليك، ورفضوا أن يخضعوا للحكام كـ»رقيق أبيض».. وربما هذه «الخلطة» العرقية هى التى منحت «شادية» هذه الأنوثة، والرقة القوية، الرقة فى غير خضوع.. لكن فى «ميرامار» كانت حريصة على إظهار شراسة تليق بالتعامل مع خبثاء المدينة الكبيرة الذين تجمّعوا فى «بنسيون ميرامار»، ولم يرق لحالها غير الصحفى الوفدى القديم «عماد حمدى» وهو الذى اشترى لها «القلم والكرّاس» عندما سعت لتلقى دروس «محو الأمية» لدى المعلمة «علّية» ـ وعليّة كانت هى الأخرى من ضحايا النصاب «سرحان البحيرى» وأنقذتها «زُهرة» منه بأعجوبة.. ولو استرجعنا المشاهد التى ظهر فيها سرحان البحيرى فسوف نجده يقدم نفسه باعتباره قياديا فى الاتحاد الاشتراكى، وعضو مجلس إدارة فى إحدى شركات الغزل الكبرى، وصدقته «زُهرة» لأنه أسمعها الكلمات التى داعبت فيها الحنين إلى القرية، التى أرغمت على الهرب منها رافضة الزواج من رجل فى سن والدها، ولما غدر بها «سرحان البحيرى» لم تجد سوى بائع الصحف «عبدالمنعم إبراهيم» هو الوحيد الذى صدق فى وعوده وتزوجها لأنه لم يكن عضواً فى الاتحاد الاشتراكى، ولم يكن لديه ما يخدع به الناس.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص