قررت الممثلة السورية ناندا محمد أن تلملم ذكرياتها في عرض مسرحى، بمشاركة والدتها الفنانة بشرى حاجو وبمصاحبة موسيقى زوجها الموسيقى وعازف الكمان محمد سامي..
في فضاء مسرح «روابط» جلست الأم إلى طاولة عليها حقيبة مزدحمة بالذكريات، وإلى اليسار جلست ناندا إلى طاولة أخرى مع زوجها والموسيقى، وفي منتصف هذا الفضاء سوف تعرض لقطات من حياة ناندا والأم والعائلة.. مزيج من الواقع والدراما، يجمع بين اللقطات التسجيلية والحكايات.
ينطلق العرض من فكرة مغزاها أن الممثلة بدأت تفقد ملامح حياتها وذكرياتها .. لم تعد تتذكر طفولتها وأيامها الأولى، فلجأت إلى والدتها لتساعدها في ترميم هذه الذاكرة فتصطحبها الأم من خلال الحكايات إلى الماضي القريب والبعيد في رحلة تحكى خلالها ما تيسر من تاريخ العائلة وأحداث الطفولة.. ومن خلال هذه الحكايات تكتشف الممثلة جوانب وملامح عديدة في حياتها، وحياة العائلة.. ترسم صورة للواقع السياسي والاجتماعي العربي من خلال التنقل عبر الذاكرة، بين سوريا والعراق وبيروت ومصر وكذلك السويد.. هي رحلة عنوانها الشتات ليس فقط شتات الجسد الذي تنقل بين العديد من المدن لكن شتات الروح التي عانت كثيرا.
لم تكن الحياة والذكريات مرتبة تاريخيا الأم التي تجلس خلف طاولة، وتتحرك قليلا، تروى للممثلة ذكريات العائلة.. تبدأ من موقف مثير، وهو مذبحة الأتراك للأكراد ونجاة الجدة التي اختبأت فوق شجرة، إذ شاهدت الأتراك يذبحون كل الرجال وكذلك النساء الحوامل ونجت الجدة الحامل فوق الشجرة.. تحكى الأم عن جدتها الناجية الوحيدة من حوامل القرية والتي أنجبت ولذا هو من حفظ اسم العائلة التي انتقلت إلى سوريا، أي لعبت الأقدار دوزا محوريا في مسيرة العائلة، وكانت مادة للسخرية والتهكم.
ثم تتوالى الحكايات أقرب إلى لقطات خاطفة من حياة الجدة والأم والحفيدة الممثلة ناندا... لقطات حول حياة الأم وحياة الطفلة التي ولدت بهوية مؤقتة لأب عراقي وأم سورية، الأم التي هربت من الزوج في العراق وعادت إلى سوريا.. وظلت الطفلة بلا جنسية، حتى ظهر الأب الذي كان يعيش في السويد.. لقطات تعتمد على أشياء أو أغراض دلالية مثل مكالمة هاتفية، أو جواز سفر، تفجر الأحداث تبنى من خلالها الممثلة ذكرياتها أو تحاول تكوين صورة لحياتها السابقة.. ليست مجرد حكايات بل محاولة للتعرف على نفسها.. ناندا تقدم حياتها الخاصة بمفردات عائلية، الأم والزوج، ومن خلال الوثائق والصور، وما تم تسجيله من حياة العائلة.. حكايات غلب عليها طابع السخرية، أقرب إلى كوميديا سوداء.
الأحداث تتطور وتتصاعد منذ الطفولة وما قبلها حتى احتراف التمثيل.. لجأت الممثلة ناندا للأم فنانة الماكيير، هذا هو الفعل الظاهر، لكن في الحقيقة لجأت إلى المسرح لتكتشف ذاتها من خلال الحكي لكي تتعرف على نفسها وليس فقط لترميم الذاكرة فإذا كان الحكى عند شهرزاد في حكايات «ألف ليلة وليلة هو طوق النجاة من الموت، ففى هذه المسرحية طوق النجاة من اليأس ومحاولة استرداد الحياة، وذلك من خلال هذه القطع الصغيرة التي قدمتها ناندا مع أمها بمساعدة موسيقى الزوج.. لم تكن فقط الترميم الذاكرة بل لاكتشاف الذات من خلال حبكة آمنت بقوة الحكي.
هذه التجربة الشخصية التي قدمتها ناندا بحثا عن الذات التي أوشكت على الضياع، من خلال الحيرة بين الإقامة والشتات مارست فيها ليس فقط التمثيل من خلال تجربة مثيرة، وهي أن يقوم الفنان بأداء دوره في الحياة على خشبة المسرح.. بل وكتبت أيضا النص.. أي كتبت شذرات من مسيرة حياتها، وقامت بإخراجها في فضاء مسرح الروابط.. وأنا أشاهد العرض لم أستطع الفصل بين ناندا والممثلة التي أعادت تجسيد لقطات من حياتها على خشبة المسرح.
لم يكن العرض الذي استمر حوالي ۷۰ دقيقة مجرد تجربة مثيرة تبحث فيها الممثلة عن حياتها، أو محاولة استعادة هذه الذكريات من مدن الشتات بل مجموعة من اللوحات المتقنة الصنع، استخدمت فيها ناندا محمد المخرجة عناصر قالب المونودراما رغم مشاركة ممثلة أخرى.. إلا أن العرض اعتمد على مهارة الممثلة في أداء ليس عدة أدوار كما يحدث عادة في المونودراما، ولكن في أداء دورها في الحياة الذي مر بمراحل زمنية متعددة.. كما اعتمد العرض على مجموعة من الأغراض لها صفة دلالية كانت بديلا عن الشخصيات والأحداث، مثل المكالمة التليفونية من الأب وجواز السفر، وحقيبة الذكريات التي حملتها الأم، فقد كانت تحاور هذه الأغراض بديلا عن الشخصيات الغائبة، كما كانت تحاور الزمن البعيد والقريب من خلالها.
كذلك حاول العرض من خلال النص المكتوب تجاوز مأساة أو حيرة الممثلة في محاولة استعادة ذكرياتها، ومن خلال هذه التداعيات التي بدأت بمذابح الأتراك للأكراد مرورا بدمشق والعراق ووصولا إلى الأب الذي استقر في السويد تجاوزت الحكايات ما هو شخصي
أو المفهوم الأحادي، إلى طرحقضايا عامة تمس الواقع العربي في مراحل مختلفة، وهذا ما خلق حالة مسرحية تطرح العديد من الأسئلة العامة التي اشتبكت مع الجمهور.
في هذه اللوحات لجأ العرض إلى الصورة، سواء الفوتوغرافيا او اللقطات المسجلة، والتي أحالت المشاهد إلى أزمنة أخرى وهى زمن هذه الصور والأحداث التي تحفظها، سواء من خلال صور البيت أو ذكريات الطفولة الأحداث الواقعية التي تم انتزعها من الواقع والتاريخ لتتماهي في نسيج الحاضر زمن العرض... هذه اللقطات التي أعدتها بيسان الشريف مصممة السينوغرافيا لهذه الحكايات في فضاء وظفت فيه التقنيات المتطورة في رسم مشهد يوحى بالأمكنة المتعددة التي مرت في الحكاية من خلال الصوت والإضاءة، كما يوحى بالبعد الزمني لرحلة الشتات كذلك. كان الموسيقى محمد سامی دور رئيسي ومؤثر في توريط المشاهد في حالة النوستالجيا التي تطرحها الحكايات، واستثارة أحاسيسه من خلال تحقيق التداخل بين النص الحكايات والصورة بأنواعها والموسيقى، فقد حملت الموسيقى الحية بعدا دراميا كان جزءا أساسيا من البنية العميقة للعرض.
انطلق عنوان المسرحية لملمت ذكرياتي برموشي من أغنية الفيرون عنوانها لقاء الأمس من كلمات وألحان الأخوين رحباني تقول فيها:
لفلفت ذكرى لقاء الأمس بالهدب.. وزحت أحضنها في الخافق التعب أيد تلوخ من غيب وتغمرني... بالدفء والضوء بالأقمار بالشهب ما للعصافير تدنو ثم تسألني... أهملت شعرك راحت عقدة القضب رقوقها وبريق في تلفتها... تثير بي نخوها بعضا من الكتب حيري أنا يا أنا والعين شاردة... أيكى وأضحك في سرى بلا سبب.
في هذا العرض الذي لملمت فيه ممثلة المسرح ذكرياتها برموشها بمساعدة الأم في بنية جمعت بين الحكي والتوثيق، واستلهمت كلمات وألحان الأخوين رحباني وصوت فيروز لم تكن ذكريات تغرد حولها العصافير، تسأل عن الفتاة التي أهملت شعرها، بل كانت الحيرة التي تسألها عن حياتها، عن شتات سنوات طويلة، حاولت أن تستعيدها على خشبة المسرح.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بدأ الفنان على ربيع التحضيرات لمسلسل جديد يعود من خلاله إلى الدراما بعد غياب.
يواصل الفنان أحمد حلمى التحضيرات النهائية لفيلمه الجديد «حدوتة »، والمقرر أن يعود من خلاله إلى السينما بعد غياب.
اعتذرت الفنانة أسماء أبواليزيد عن بطولة مسلسل جديد مع الفنان عصام عمر، كان من المقرر أن تقوم بتقديمه خلال الفترة...
عادت صاحبة التجربة الاستثنائية... حتى في أزماتها، عادت لتمنحنا درساً جديداً في فنون الحياة وتقدم لنا تجربة من لحم ودم......