فى ذكرى ميلاده شكل القصة وجوهر المسرح فى حكايات نجيب محفوظ

كانت لدى نجيب محفوظ رغبة صادقة کی يلتقى بالجماهير مباشرة خاصة بعد ما خلفته نكسة 67 من آثار حزينة ليشارك في اللحظة الراهنة،

 ولكن من خلال القراءة، فقد لجأ إلى شكل الحواريات ليشارك من خلال حواريات أو مسرحيات ذات فصل واحد، سمها ما شئت فيما يخص الشكل، فقد اختلف البعض حول نوعها الأدبي، لكنها تعتمد في بنائها العميق على الصراع الفكرى وليس الصراع الدرامي، وإن كان بناؤها السطحي ينتسب إلى المسرح، وقد وصفها مؤلفها بأنها كانت انفعالاً بأفكار أكثر منها عرضاً لحياة واقعية. من الناحية الفكرية بدأ المسرح حين انتهت الرواية»، فجاءت رؤية عميقة تقرأ المجتمع في تلك اللحظة.

وقبل أن نقرأ الحواريات التي ضمتها مجموعة تحت المظلة التي نشرت عام 1969، تلقى نظرة على مجموعة «خمارة القط الأسود التي نشرت في نفس العام، وقد سبق هاتين المجموعتين رواية «ميرامار» عامي 67 68 ودلالة الفترة قوية ولا يمكن إغفالها أثناء قراءة هذه النصوص.

ا شكل القصة وجوهر المسرح

مجموعة «خمارة القط الأسود» تقدم للقارئ شخصيات ذات ملامح عبثية في قالب قصصی، شخصیات تعانی من القلق الوجودي، وتبدأ المجموعة بقصة عنوانها يدل القارئ على رؤية نجيب محفوظ للعالم وقتذاك كلمة غير مفهومة» إذ يبدأ الحدث الدرامي حين يتثاءب المعلم حندس الفتوة وهو يستيقظ، ثم يحكى لزوجته عن حلم رأى فيه حسونة الطرابيشي الذي قتله يهدده: سأقتلك يا حندس وأنا في القبر». تحاول الزوجة أن تخفف من وقع الحلم، وكذلك رجال حندس مبررين ذلك بقوته وسيادته على الحارة، وأنه لا يجرؤ ابن حسونة أو غيره على النيل منه اختار محفوظ أسماء وأماكن غرائبية حندس الفتوة يعيش في درب الأعور، ويجلس في مقهى حلمبوحة، ورجاله هم عنارة وسمكة وطمبورة ولا يخلو اختيار هذه الأسماء من دلالة ساخرة، ويداهم حندس المقابر وفقاً لبلاغ الشيخ درديرى الأعمى حيث إنه سمع بوجود ابن الطرابيشي هناك وفي المداهمة والعتمة الحالكة يسقط حندس قتيلا ويقول الرجاله قتلت وأنا بينكم، فالحدث الدرامي يبدأ بحلم وتهديد

من ميت والمعرفة تأتى من أعمى فيلقى حندس مصرعه الغامض أمام دهشة رجاله ودهشة القارئ أيضا إنها رؤية عبثية أصيلة لهذا العالم وشخصيات تلعب بها الأقدار وتمارس أفعالاً غير مبررة، أقرب إلى الجنون.

وفي قصة «السكران يغني يسخر نجيب محفوظ من العالم على لسان عربجي اسمه أحمد عنبة، والمكان حانة مانولي، وذلك حين يختبئ العريجي في البار وبعد أن يذهب الجميع وتغلق الحانة أبوابها يسكر ويلهو، فيستمع إليه عسكري الدورية ويدور بينه وبين العسكري، ثم مع الضابط ومانولي، حوارات عبثية

عنبة: عندى كل ما أريد.

مانولي: ألا تريد أن تخرج؟

عنبة: ولا أن يدخل أحد!

واستيقظ أصحاب المحلات المجاورة والجميع يستعطف عنبة العربجي حتى لا يحرق البار وبالتالي ما حوله، ثم يسخر من الجميع بعد أن يبلغهم أنه رش الجاز في كل أنحاء البار وفي يده عود كبريت، وفي لحظات سوف يشعل البار وبعد أن احتشد الناس يكون عنبة قد وصل إلى الزجاجة السادسة، فيشترط أن يقول الضابط «أنا مرة»، ثم صاح بلهجة آمرة اهتفوا بحياتي فهتف الجميع في الخارج ليحيا أحمد عنبة. وحين اقتحمت الشرطة البار في غفلة منه، يصفه نجيب محفوظ: «ألقى على الجميع نظرة سلطنة متعاظمة كأنما هي هابطة من السماء، وقال بنبرة ثقيلة نائمة كأنها مصورة بالتسجيل البطيء ليس معى عود كبريت واحدا».

و تقريباً يسخر نجيب محفوظ من العالم من خلال هذه الشخصيات الغريبة التي تفقد كل يقين ولا تعترف بشيء والأهم أننا أمام قصة أقرب إلى الحوارية في بنائها، وهذا ما سوف نجده في القصص التي ضمتها المجموعات الثلاثة بعد ذلك، حيث يطغى الحوار على السرد بصورة واضحة، ولا يستخدم الحوار كإحدى وسائل الإيصال بل كعامل مساعد من عوامل رسم الشخصيات وسرد القصة وتدعيم الجو العام للحكاية حيث يتم استخدامه بصفة رئيسية لتحقيق كل هذه الأهداف، وهذا ما نجده واضحا في قصة «كلمة غير مفهومة وأغلب قصص المجموعات الثلاثة التي ضمت الحواريات وعلى سبيل المثال قصة «أهلا» من مجموعة «الجريمة»، حوارية ينقصها الشكل المسرحي رغم أن الطابع المشهدي في بنائها العميق. ليجد القارئ كما ذكرت مفردات المسرح تطغى على المجموعات الثلاثة بأساليب متعددة، وسوف يلاحظ أيضا أن قصص هذه المجموعات تجمع بين شكل القصة وجوهر المسرح، والحواريات المسرحية غالباً ما تجمع بين شكل القصة وجوهر المسرح.

مسرح الهزيمة تحت المظلة

خمس حواريات في مجموعة تحت المظلة» («يميت ويحيى التركة النجاة مشروع للمناقشة المهمة) تخلو تماماً من الأسماء، فقط هناك مجموعة من الصفات أطلقها محفوظ على الشخصيات، فمسرحية «يميت ويحيى شخصياتها الفتى الفتاة الصوت الصدى الطبيب العملاق.. وهي نموذج للحوارية الفلسفية نموذج للصراع الفكرى من خلال شاب يتعرض لاعتداء ما ويحاول الدفاع عن نفسه وعن أرضه مستعيناً بالأجداد، وثمة من يحاول أن يثنيه عن هذه الفكرة، من خلال صراع فکرى قوامه الحديث حول الموت والحياة. فإذا كان الفتى يلعب دور البطولة فهناك الفتاة والشحاذ والعملاق والطبيب، وكل هؤلاء يطرحون أفكارهم التي تتصارع، وثمة لعنة تطارد الأحياء والأموات والشحاذ يملك عالم الظلام الذى لا نهاية له ويعلن أنه ملك الظلام وضد النظام، والعملاق يتحكم في ميزان العدالة، ويشير الفتى إلى مصطبة ويقول إنها مقام أجدادي، والعملاق يحذره: «لا تعط الأموات أهمية أكثر مما يستحقون».

الفتى: هذا رأيك في الأجداد؟

العملاق إن باطن الأرض ملئ بالعظام، وهيهات أن تعرف عظام أجدادك بينها.

الفتى: هذا رأى من لا أصل له.

وربما تدل هذه السطور القارئ على شيء في هذه الحوارية المجردة، والتي تبدأ بنقاش بين فتى وفتاة حول الموت ولعنة متوارثة حيث يرى الفتى أنه إذا مات الأموات أدرك الفناء كل شيء وأنه لا يمكن أن يدله على حقيقة الحياة سوى من أدركه الموت ومن ناحية أخرى يحذر الطبيب الفتى من وباء هو بمثابة ملكية عامة يصيب المجتمع، والفتى لا يعرف عنه شيئاً، بل يرى أن الطبيب لا يشخص مرضا بقدر ما يحاول إثبات وجود الوباء. وكما بدأ الحوار ينتهى وتظل الشخصيات تثرثر حول الموت والوباء والظلام والعدل والفتى يتشبث بالأجداد ويعلن أنه سوف يصون كرامته حتى الموت وبالطبع يغيب عنها المنطق، سواء الدرامي أو الإنساني، في بنية مسرحية لا ترجع إلى شيء في الحياة ويفقد فعل الشخصيات فيها كل معنى من خلال حوار لا يمثل وسيلة تواصل بين طرفين أو بين مجموعة من الشخصيات بل يمثل صعوبة تواصل، وهذا ما سوف يتكرر في أغلب الحواريات، إذ يفقد الحوار وظيفته كتواصل وإبلاغ لأنه غالباً لا يعقد صلة بين المتحاورين ولا يبلغ القارئ بأية معلومات. وكان نجيب محفوظ كتب مجموعة تحت المظلة» في ثلاثة أشهر أكتوبر نوفمبر، ديسمبر 1967 بعد النكسة مباشرة. وقد رفض البعض اعتبار هذه الحواريات مسرحاً، وعللوا ذلك بأن المسرح كأدب بناء درامی خاص، حيث تتصاعد الأحداث حتى الذروة من خلال حوار درامي يتصاعد بالفعل المسرحي لا بالفكر والمناقشة المجردة كما في هذه الحواريات.

ولا يختلف الأمر في مسرحية «التركة» حيث تستمر الصفات دون أسماء، فهناك الفتى الفتاة الغلام المهندس الضابط، وتدور أحداثها في أجواء عبئية غامضة، في بيت ولى من أولياء الله حيث يبدأ الحدث الدرامي بذهاب ابن هذا الولى وهو الفتى الفارق صاحب الخمارة وقد جاء ليتسلم تركة الأب الولى الذي طرده عنذ سنوات وتدور الأحداث في غرفة صامتة كثير كما يصفها الابن وفى هذه الأجواء المبهمة يدور حوار بين الابن وفتاة جاءت معه لتؤدي دور الزوجة وما هي إلا ساقطة يؤكد هذا الحوار الذي لا يخلو من السفالة الطبيعة الشريرة للرجل والمرأة، وبينما ينظر الاين صاحب الخمارة الأب الولى ليمنحه التركة، يدخل غلام و يخبره بأن الولى ذهب للقاء ربه وترك له مفتاح الخزانة. وقال على لسان الفلام بنا الأجل أن لي أن أدعو ابني الضال لعله يصلح لأن يرت الشركة، ثم غادر البيت بعد صلاة الفجر وذهب للقاء ربه والتركة مجموعة من الكتب والنقود، واشترط الولى أن يستوعب الابن ما في الكتب قبل أن ينفق عليماً واحداً من النقود ولكن الابن الفارق ضرب عرض الحائط بالوصية، وألقى بالكتب و فرح بالنقود

وفجأة يدخل رجل يدعى أنه مخين وينهم الابن يقتل أبيه حيث أخبر الولى هذا الرجل: إنى من مطعونا بيد ابني الوحيده، وتوجه إليه تهمة قتل الأب وسرقة أموال الدولة، ثم يقيده المخير مع الفتاة في هذه الغرفة الصامتة كثير ويتركه ويذهب وتتوالى الأحداث الغرائبية ويهدي الابن في علمته عن أبيه الذي كان دجالا وبالطبع ليس الغلام غلاماً ولا المخير مخبرا وسوف تقع كوارث ليست في الحسبان ودون مبرر أيضا يعود المخير في دور المهندس مع ضابط الشراء البيت، وعينا يحاول الابن اتهام المخير المهندس بسرقة أمواله، بل يخبره بعلاقته الوطيدة مع الولى.

المهندس كان الولى يقول لي الطمانينة هي هدف النفس البشرية، فأقول له بل التقدم يا مولانا ولو بالجهد والقلق

وبعد هذه الأحداث الغامضة والأفعال غير المبررة درامية تنتهى الحوارية والمهندس الوهمي يخاطب الفتى ضاحكا است مقطوع الصلة بأبيك، فالناس يقصدون الخمارة طلبة للطمأنينة أيضاء ليسخر نجيب محفوظ من العالم في هذه الحوارية، وما الشركة إلا عقاب الأب للاين من خلال أحداث أقرب إلى الكابوس ففي هذه الغرفة المختمة كثير تدخل مجموعة من الشخصيات تؤدي أدواراً غامضة، وصاحب الخمارة المارق لا يفهم شيئا وتقريبا هذا الفارق هو الوحيد الذي لا يرتدي قناعاً ويؤدي دوره الحقيقي

وفي مسرحية النجاة يتأكد اتجاه الغبت في مسرحنجيب محفوظ حين تقتحم امرأة شقة رجل يعيش بمفرده وتطلب الحماية، في الوقت الذي تحاصر فيه الشرطة المكان للبحث عنها وتدور الأحداث العينية بين القلق والتوتر والغموض حيث يمارس الرجل المغامر والمرأة الضائعة الحب في هذه الأجواء الغامضة المخيفة. وبعد كل هذه الأحداث ينجو الرجل الذي تعرف منه أثناء سكره أنه كان يتمنى أن يكون بالغ کسکسی وتفارق المرأة الحياة بلا مبررات درامية من خلال حدث درامي يبدأ وينتهي في حمود دون تطور سوى الهلع والخوف حين ألقت المرأة بياسها فوق رأس هذا الرجل فالمرأة تعتبر نفسها منتهية وهي راضية. وتتخيل أن الرجل يماثلها، ليدخل البوليس في النهاية الشقة ويتبادل إطلاق الرصاص مع آخرين في الشرفة المقابلة، ويتجاهل وجود المرأة فهل كان كل هذا الهلع سببه لا شيء، مجرد وهم ؟

وللحديث بقية

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

روايات نجيب محفوظ فى الإذاعة والتليفزيون.. فرحة لكل الناس
نجيب
محفوظ
نجيب
نجيب محفوظ.. مواطن شارك فى تحقيق أهداف الدولة الوطنية المصرية
فى ذكرى ميلاده (3) أفكار فلسفية وشخصيات عبثية فى مسرح نجيب محفوظ
نجيب محفوظ.. رواياته منحت الدراما المصورة حب الجماهيرالعريضة
فى ذكرى ميلاده  نجيب محفوظ.. روائى فى عصـــر المسرح

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...