في مثل هذه الأيام، حين يعود العالم ليتذكر رحيل روبن ويليامز، يقف فيلم Awakenings كأجمل شهادة على وجهه الآخر الوجه الذي لم يكتف بإضحاك الملايين،
بل حمل بين ملامحه رحمة وعمقًا نادرين، بعيدًا عن الضحكة التى التصقت به نراه هنا طبيبا اسمه "مالكوم ساير"، رجلا يحارب العجز بالصبر والعلم، يمنح مرضاه يقظة قصيرة، لكنها تساوى عمرًا كاملاً .
كان الفيلم - المقتبس عن قصة حقيقية - لحظة كاشفة، تذكرنا بأن إرث ويليامز لم يكن مجرد نكات، بل كان دروسًا صافية في الإنسانية.
في بداية التسعينيات، قدمت هوليوود أحد أكثر أفلامها هدوءًا وعمقا : Awakenings لم يكن فيلما يبحث عن الإثارة أو يلهث خلف المؤثرات، بل عملا يذهب مباشرة إلى قلب الإنسان مقتبسا من كتاب الطبيب والكاتب البريطاني أوليفر ساكس أمام الكاميرا وقف روبن ويليامز وروبرت دي نيرو ليصنعا مغا لوحة سينمائية عن الأمل والعلم، عن اللحظة التي يصبح فيها الحلم أتمن من المعجزة نفسها.
تبدأ الحكاية داخل مستشفى للأمراض العصبية في ستينيات القرن الماضي، يصل الطبيب «ساير» ليجد مجموعة من المرضى الغارقين في سبات عميق منذ عقود أجساد تتحرك بالكاد ووعي مسجون خلف جدار خفى وبإصرار العالم الفضولي يجرب دواء جديدا، فيحدث ما يشبه المعجزة تستيقظ الأرواحالنائمة، وفي مقدمتها ليونارد - شخصية روبرت دي نيرو - الذي يفتح عينيه على عالم تغير بالكامل منذ آخر مرة رآه.
لكن المعجزة لم تدم طويلا سرعان ما تبدأ الانتكاسات ويجد المرضى أنفسهم أمام سؤال لا يحتمل: ماذا تفعل إذا أدركت أن وقتك في الحياة مؤقت، وأن يقظتك مجرد هية قصيرة؟ هنا تصمت الحوارات وتتكلم السينما.. مشاهد صامتة تصرخ بالحياة، كأن الشخصيات تحاول الإمساك باللحظة، وهي تتسرب من بين أصابعها مثل ماء لا يحتفظ به.
كان أداء روبن ويليامز مفاجئا لمن اعتادوه مهرجا محبوبا جسد شخصية الطبيب بهدوء مفعم بالحنان رجل لا يقاتل من أجل الطب فقط، بل من أجل إنسانية مرضاه، أما دى نيرو، فقدم واحدا من أعظم أدواره على الإطلاق فقد جسد الجمود الجسدي بكل تفاصيله الصارمة، ثم فجر طاقة الحياة حين بدأ العلاج يفعل مفعوله، كأنه شاب يكتشف العالم للمرة الأولى، لم يكن تمثيله مجرد محاكاة مرض عصبى، بل كان غوصا في عمق التجربة الإنسانية نفسها، إذ جعلنا نشارك فرحته الأولى باليقظة وتتذوق معه مرارة فقدانها التدريجي
كان أداؤه دقيقا إلى حد أن كل رعشة في يده وكل تصلب في ملامحه بدا حقيقيا، حتى أن كثيرين ظنوا أنهم يشاهدون مريضا حقيقيًا لا ممثلا، لذلك جاء ترشحه المستحق لجائزة الأوسكار عن أفضل ممثل رئيسي تقديرا لموهبته الفذة وقدرته على محو الخط الفاصل بين الفن والواقع.
ولعل أجمل لحظة لروبن ويليامز في الفيلم جاءت في المشهد الذي يناشد فيه إدارة المستشفى بالاستمرار في إعطاء الدواء للمرضى رغم الانتكاسات في تلك اللحظة تخلى ساير» عن برود الطبيب، ليظهر إنسانا يقاتل من أجل حياة الآخرين كما لو كان يقاتل من أجل نفسه صوته المرتجف عيناه المليئتان بالغضب والرجاء، ويداه المتوترة وهو يلقى خطابا عن قيمة كل يوم، كل ساعة، كل لحظة جعلت النقاد يرونه ممثلا دراميا عظيمًا، قادرًا على ملامسة أعمق المشاعر بعيدًا عن الكوميديا.
فیلم Awakenings (عام (۱۹۹۰) ليس مجرد عمل درامي إنساني، بل هو مستند إلى قصة حقيقية دونها الطبيب والكاتب الشهير أوليفر ساكس في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه الحكاية تعود إلى مرضى عانوا لسنوات طويلة من حالة شبيهة بالجمود أو الشلل المتحجر الناتج عن إصابتهم بالتهاب الدماغ السباتي في عشرينيات القرن الماضي، وظلوا سجناء أجسادهم حتى جاء الطبيب ساكس - الذي جسده روبن ويليامز فى الفيلم - ليجرب عليهم عقارًا جديدًا (L-Dopa) أحدث معجزة مؤقتة، إذ أيقظ هؤلاء المرضى من صمتهم الطويل وأعاد إليهم القدرة على الحركة والتواصل الفيلم يعرض هذه التجربة الطبية النادرة بروح إنسانية عميقة، كاشفا هشاشة الحياة وروعة اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان ذاته ولو لوقت قصير.
منذ عرضه عام ۱۹۹۰ حصد Awakenings تقديرا نقديا كبيرا وترشح لثلاث جوائز أوسكار أفضل فيلم وأفضل ممثل لدى نيرو، وأفضل سيناريو مقتبس، كما نال ثلاثة ترشيحات للجولدن جلوب، من بينها أفضل ممثل لويليامز ودى نيرو، وأفضل فيلم درامي لكنه رغم خسارته التماثيل الذهبية كسب ما هو أهم مكانة خالدة في ذاكرة عشاق السينما كأحد أعمق وأصدق أفلام التسعينيات.
Awakenings لم يكن مجرد فيلم عن مرض وعلاج بل كان مرآة لهشاشتنا جميعًا، وتذكيرا بأن كل صباحنصحو فيه هو هدية قد لا تعود، عمل يتركك بعد نهایته تفكر مرتين قبل أن تمر على تفاصيل يومك دون أن تلاحظها، وكأنه يوقظ إنسانيتك من سباتها.
ومثلما كانت مسيرته الفنية رحلة بحث عن أعماق جديدة كانت حياته الشخصية مرأة لتلك الرحلة ذاتها مليئة بالحب والتقلبات والإنسانية، فقد تزوج ثلاث مرات، بدأها مع فاليري فيلاردى التي أنجبت له ابنه الأكبر زاكارى ثم مع مارشا غارسيس رفيقة الدرب التي أنجبت له زيلدا وكودي، قبل أن يتزوج أخيرا من سوزان شنايدر التي بقيت إلى جانبه حتى أيامه الأخيرة، وبين هذه المحطات، كان روبن أنا حاضرا رغم صحب النجومية، يشارك أبناءه اللعب والضحك وكأنه طفل مثلهم.
أما صداقاته، فكانت امتدادًا لروحه المرحة وعطفه الكبير، ارتبط بعلاقة قوية مع بيلى کریستال و هوبی جولد برج ثلاثى صنع صداقات حقيقية في عالم كثيرا ما يفتقد للصدق، وكان معروفا بكرمه الخفى يمد يد المساعدة دون أن يعلن عنها، وكأن الضحكة التي منحها للجمهور كانت تخفى وراءها قلبا يسهر على الآخرين.
وسواء على الشاشة أو خارجها، ظل روبن ويليامز ذلك الرجل الذي يبحث عن الحب بقدر ما يمنحه، إنسانا هشا وقويا في أن يجمع بين بهجة طفل وحنان أب وكأن حياته نفسها كانت امتدادا لشخصياته مزيج من الضوء والظل، من الضحك العابر والعمق الباقي
في النهاية، يظل Awakenings أكثر من مجرد عمل سینمائی ناجح، إنه مرآة لروح روبن ويليامز نفسها روح عرفت كيف تضحك وتبكى في اللحظة ذاتها وكيف تمنح الآخرين حياة أوسع حتى لو كانت عبر لحظة عابرة، وكما أيقظ الفيلم إنسانيتنا من سباتها. أيقظت مسيرة ويليامز فينا الوعى بأن الفن ليس زينة ولا تسلية فحسب، بل فعل إنقاذ صغير، قد يترك في القلب أثرًا يدوم أكثر من العمر نفسه.. هكذا يبقى الفيلم، كما يبقى صاحبه، هدية نادرة تذكرنا بأن كل صحوة، مهما قصرت هى انتصار على العدم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تحل الفنانة مى عمر ضيفة شرف فى مسلسل «8 طلقات»، والذى يقوم ببطولته زوجها المخرج محمد سامى.
يودع الفنان محمود حميدة لوكيشن تصوير مسلسله «فرصة أخيرة » نهاية الأسبوع الحالى.
يواصل الفنان محمد إمام تصوير مشاهد مسلسله «الكينج»، والذى يشارك فى السباق الحالى.
يكثف فريق مسلسل «فخر الدلتا» ساعات التصوير للانتهاء من العمل الأسبوع المقبل.