الفلاحة المستبدة التى أصبحت سيدة الغناء وأسطورة الشعب

يشعر من يستمع إليها أنها تمتلك سر الغناء تعرف أسراراً لا يعرفها سواها كان أحمد رامى رفيق الرحلة وعاشقها الاستثنائى وكانت هى ملهمته ومعذبته

لا يتعلق الأمر بحلاوة الصوت وجمال الأداء، ليس فقط بالموهبة والعوامل التى توفرت لها حتى تنمو وتزدهر بعناية، وسواء كانت عوامل طبيعية من الواقع، أو عوامل قدرية، فهذه الفتاة الريفية التى انتصرت على الأعراف والتقاليد ليس فقط الاجتماعية، بل والغنائية أيضاً، كانت صاحبة إراداة حديدية... منذ نشأتها الريفية فى قرية بعيدة عن تخوم العاصمة وتصميمها على أن تتعلم وتحافظ على موهبتها، مروراً بما تحملته من قسوة الواقع ومواجهة الحرب الشرسة فى الوسط الغنائى وصولاً إلى دفاعها المستميت عما حققته من مكانة غنائية..

الفتاة الريفية التى درست فى كتّاب القرية إلى جانب أخيها وألّحت فى طلب العلم وحفظ الابتهالات الدينية التى كان الأب يلقنها للأخ، الفتاة الصغيرة التى مسحت بأقدامها الطرقات بين القرى والنجوع مرتدية الملابس البدوية متنكرة فى زى صبى حتى يحافظ الأب على العادات والتقاليد، تبهر المستمعين وتحفر فى الصخر حتى تحقق أحلامها.

فى طفولتها فرضت أم كلثوم إرادتها على الأسرة؛ على الأب الذى أقنعه تصميمها ورضخ ووافق على دخولها عالم الغناء، لتفرض إرادتها بعد ذلك على الغناء المصرى والعربى وتصبح سيدة الغناء العربى. فقد حفظت القرآن والموشحات عنوة رغماً عن أبيها الذى كان يعد ابنه للإنشاد فتتلصص الطفلة الصغيرة على دروس المحفوظات، تحفظ وتغنى، ودون شك كانت تحلم بأنها يوماً ما ستغنى ويملأ صوتها أرجاء الأرض، فهل حكى لها الأب فى وقت مبكر أو استمعت هى إلى هذه الحكاية التى أرسلها القدر، حين نام الأب بعد الصلاة فى المسجد فرأى فى الحلم امرأة ترتدى حجاباً أبيض، تمد يدها نحوه وفى يدها جوهرة فناداها فأجابت بأنها أم كلثوم ابنة الرسول، وكانت المولودة على وشك الحضور إلى العالم فأطلق اسم أم كلثوم على طفلته، فهل كان يعى أن السماء أرسلت له هبة يجب أن يرعاها؟ «كلثوم» الاسم الذى يعنى الراية الحريرية التى كان يحملها المقاتلون فى حروب الجاهيلة، أو أم كلثوم أى المرأة ذات الوجنتين الكلثوميتين «اللحميتين» والوجه الممتلئ، معانٍ عديدة للاسم الذى اختاره القدر وكان للفتاة الريفية نصيب من هذا الاسم.

حياة أم كلثوم منذ الطفولة تشى بأن ثمة قوة طاغية بداخلها تجعلها تبذل ما بوسعها سعياً نحو الكمال منذ أن التحقت بكتّاب القرية، وظلت تنشد القصائد والابتهالات وهى متنكرة فى زى الصبى، ترتدى ملابس بدوية، العقال والبالطو، ملابس أثارت الدهشة والسخرية والاستنكار عند البعض، وفى هذه الملابس التنكرية كان صوتها يستبد بالحضور، يأسرهم وهى تغنى «وحقك أنت المنى والطلب» أو «الصب تفضحه عيونه» وغيرها من القصائد الصعبة وخاصة فى سنها الصغير.

ونجحت مع محبى صوتها فى إقناع الأب بتكوين تخت صغير، تخت موسيقى من أنور منسى وسامى الشوا ومحمد العقاد لتنتقل إلى مرحلة جديدة، جعلتها تتلقى الطعنات والضربات الشرسة من الوسط الغنائى، ويكفى حرب «السلطانة» المطربة القوية فى ذلك الوقت صاحبة السطوة منيرة المهدية، طعنات ومؤامرات جعلت الشيخ إبراهيم البلتاجى يحزم أمتعته ويقرر العودة إلى طماى الزهايرة لولا تدخل بعض الشخصيات المهمة التى أقنعته بالبقاء.. وأفكر كثيراً ماذا لو عاد الرجل ثأراً لشرفه بعد المقال سيئ السمعة الذى كتبه محرر مجلة المسرح بإيعاز من منافسيها وخاصة منيرة المهدية، كان الغناء العربى سيخسر الجزء الأهم من تاريخه...!

لم تتوقف رغبة أم كلثوم فى المعرفة والدراسة على معاصريها من الشخصيات التى كان لها الأثر الأكبر فى حياتها مثل الشيخ مصطفى عبدالرازق، والشيخ أبوالعلا محمد وأحمد رامى ومحمد القصبجى، ثم زكريا أحمد ورياض السنباطى وسواهم، وكأن هناك قوة خفية تدفعها نحو السعى إلى الكمال، أحبت أم كلثوم الشعر العربى، انحازت إلى شعر ابن الرومى حين قرأه رامى للمرة الأولى، عرفت أبى فراس الحمدانى مبكراً ومعه صفى الدين الحلى والشعر الأندلسى بالإضافة إلى أحمد شوقى الذى كتب لها «سلوا كؤوس الطلى هل لامست فاها» وغنت له قصيدة النيل، وأيضاً نهج البردة، حيث تفتّح وعيها على عيون الشعر العربى.

كان أحمد رامى رفيق الرحلة وعاشقها الاستثنائى، وكانت هى ملهمته ومعذبته، هو شاعر يحب الغناء وهى مطربة تحب الشعر، نعم الشعر فى حياة أم كلثوم يتعدى كونه القصيدة المغناة، فكانت تحذف وتضيف وتقدم وتؤخر فى أبيات القصيدة، فعلت هذا مع إبراهيم ناجى فى الأطلال، ومع جورج جرداق فى هذه ليلتى، ومع الهادى آدم فى قصيدة أغداً ألقاك، والأمثلة عديدة، كانت تضع لمساتها، فهى الفتاة الريفية الصغيرة التى نشأت ونما وعيها وتشكّل وجدانها فى الطفولة حين حفظت القرآن، والمدائح النبوية والموشحات والابتهالات، حيث كانت تنشد وليس من داعم سوى الكلمات وصوتها، إنشاد يخلو من الموسيقى.. ظلت سنوات تصول وتجول مع الكلمات الخالية من الموسيقى! وكان من الطبيعى أن تحافظ على فلاحيتها بكل ملامحها، وتحافظ على التقاليد الغنائية التى نشأت وتربت عليها من محصول الموشحات والابتهالات والقصائد الكلاسيكية إلى جانب التطور والتجديد الشعرى والموسيقى، رغم انفتاحها على ثقافة العالم، ظلت أم كلثوم تحافظ على ثروتها التى اكتسبتها فى سنواتها الأولى.

صوت أم كلثوم الذى يستحوذ على المستمع فلا يفيق من النشوة، قوة الصوت وحلاوته مفردات ربما يمتلكها آخرون لكن مع أم كلثوم يشعر من يستمع إليها أنها تمتلك سر الغناء، تعرف أسراراً لا يعرفها سواها فتحوّل الغناء إلى عشق الروح للأنغام والكلمات، لديها القدرة على التنوع فى أساليب الأداء وفى تطويع الكلمات على لسانها حتى تأسر الجمهور، بل وتستبد بالمستمعين بالمعنى الذى جاء فى المعاجم «استبد بفلان، أى انفرد به دون غيره» وكان صوتها يستبد بالمستمع فيصبح فى حالة من استلاب الروح ناحية هذا الصوت، ولمَ لا ومن تغنى تمتلك صوتاً تسانده وترعاه وتسهر عليه أذن موسيقية مرهفة ذواقة، أذن ناقدة وعالمة بأصول الموسيقى وجماليات الشعر، وكما يحدث فى المسرح يتفاعل الجمهور ويتماهى، فترتجل هى وتجوّد ومعها الجمهور، كانت أم كلثوم لا تستمتع بالتسجيل فى الاستوديو ولا تبدع فليس هناك سمّيعة، ليس هناك جمهور، فهل يخرج هذا الصوت للأجهزة والمعدات الصامتة، لم تستمتع بالغناء فى الاستوديو، فكان أحمد رامى يذهب معها، يتفاعل ويهتز طرباً ويتمايل رأسه، كان هو الجمهور الذى يستبد به هذا الصوت القوى! فحين هبطت القاهرة كانت مطربات ذلك الزمان نجمات مسرح بامتياز مثل منيرة المهدية والمطربة ملك وفتحية أحمد، كلهن ذهبن إلى خشبة المسرح، وأم كلثوم لم تفكر إلا فى الغناء، كان الغناء وحده هو مسرحها وكانت كل فنون الأداء تكمن فى صوتها، فلا يشعر الجمهور أنه يستمع فقط بل يشاهد ويحزن ويفرح ويتأثر ويبكى ويتذكر، فلم تكن تغنى اللحن بل كانت تعيش الموسيقى بكل كيانها كما يتقمص الممثل الشخصية.. وحين ذهبت إلى السينما كما فعل منافسها وغريمها محمد عبدالوهاب، ذهبت بشروطها، ذهبت فى ملابسها الرسمية، فى ملابس وداد وسلامة ودنانير، مغنيات خرجن من حكايات التراث العربى، خرجن من عصر ازدهار الغناء فى العصر العباسى، خرجن من صفحات الشعر الذى أحبته، وفقط كان فيلمها الأخير «فاطمة» عن فتاة من العصر الحديث، الفيلم الذى كتبه مصطفى أمين. وفى تلك الأيام كان الفيلم بدون قُبلة ليس فيلماً! ولكن أم كلثوم فرضت شروطها وخلت الأفلام من القبلات السينمائية المتعارف عليها واستعاضت بصوتها عن هذه القبلات.

وأنا أستمع إليها فى سنوات المراهقة، استمعت إلى آخرين ما زلت أحبهم، أسمهان، عبدالوهاب ومحمد قنديل وفيروز، فجأة توقفت عن سماع كل هؤلاء وغيرهم، ورحت أستمع إليها وحدها، كنت لا أشبع من الاستماع إلى قصيدة الأطلال، احتجت سنوات حتى أتعافى وتسمح لى بسماع الآخرين، أذكر أننى بدأت أفيق فى المرحلة الجامعية وأعود لتذوق محمد عبدالوهاب وفيروز وأسمهان، ثمة استبداد فى صوت أم كلثوم لا يسمح بآخر معه، وهكذا كان صوت أم كلثوم، وكل من تعامل معها حتى فى البدايات تفرغ لها وحدها أو قُل منحها الجزء الأكبر من ذائقته، كما فعل الشيخ أبوالعلا محمد الذى آمن بها، ثم أحمد رامى شاعرها الخاص وتوأم روحها، حين هبطت من قريتها من عالم البراءة إلى القاهرة، علمتها المدينة الشراسة بعد أن قست عليها، فامتلكت هى رموز المدينة، جذبت حولها صفوة الشعراء والموسيقيين بل ورجال السياسة فامتلكت هى المدينة وروضت قسوتها. فلم تتأثر بالتحولات السياسية العنيفة التى مرت بها البلاد من عشرينات القرن الماضى وحتى رحيلها عام 1975، افتتحت محطة الإذاعة المصرية بصوتها عام 1934 أيام الملكية وافتتحت إذاعة صوت العرب عام 1954 فى أيام الجمهورية وبعد يوليو 1952... نعم لم تؤثر السياسة وتحولاتها فى مكانة هذا الصوت.

بعد ثورة يوليو حزنت واعتزلت فى مخدعها حين منعت الإذاعة أغانيها على اعتبار أنها من «العهد البائد» ولكن كيف يحدث هذا؟ أخبر مصطفى أمين جمال عبدالناصر الذى هاتفها مندهشاً من القرار، وأفرجت الإذاعة عن أغانيها بل وصارت رمزاً من رموز يوليو واحتلت مكانها اللائق حتى رحيلها. ولم يندم رجال الثورة على وضعها فى هذه المكانة رغم علاقتها الوطيدة بالقصر فى عصر الملكية، فالفلاحة المصرية القوية ردت الجميل للوطن الذى أصبحت صوته، وبعد النكسة خلعت أساورها لتتبرع للمجهود الحربى، ويصبح هذا الفعل حملة تجوب البلاد لتجمع مبالغ كبيرة لدعم المجهود الحربى وتطوف البلاد العربية والأجنبية تغنى وعائد الحفلات من نصيب الوطن.

انفردت أم كلثوم أو استبدت بقلوب المستمعين العرب والمصريين، انفردت بصفوة الشعراء والموسيقيين من رموز عصرها واستبدت بهم ليس بالمعنى السياسى الذى اكتسبته الكلمة فيما بعد الذى يعنى الطغيان، بدءًا من الشيخ أبوالعلا محمد وصولاً إلى بليغ حمدى وسيد مكاوى ومروراً بطابور من الموسيقيين وأيضاً الشعراء ومعهم الجمهور وأهل السياسة، وفى الثقافة الغربية قديماً كانت كلمة مستبد تعنى رب الأسرة، رب المنزل قبل دخولها عالم السياسية وارتباطها بالحكم المطلق، والفلاحة الصغيرة التى هبطت من قريتها إلى العاصمة استبدت ليس فقط بالغناء وأصبحت سيدة الغناء العربى وما زالت، بل واستبدت بقلوب الجميع.. وكتب لها أحمد رامى شاعرها الأثير فيما كتب لها من عشرات الأغانى، قصيدة حملت عنوان «ياللى كان يشجيك أنينى» يقول فيها: «عزة جمالك فين من غير ذليل يهواك/ وتجيب خضوعى منين ولوعتى بهواك».. وكان رامى يعى جيداً من هى أم كلثوم.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الشعب المصرى يودّع كوكب الشرق بالدّموع فى يوم 3 فبراير 1976
رفلة
فيلم
أم كلثوم تعود من جديد على قناة النيل للدراما.. شكراً يا أستاذة أنعام
السيدة أم كلثوم.. سيدة الغناء العربى وحاملة راية الوطنيــة المصرية
مأمون
ثومة
فيلم

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...