منذ أيام رحل عن الدنيا الفانية، فنان موهوب مصرى الهوى اسمه «بشير الديك» عاش سنوات ازدهار صناعة السينما وهى سنوات الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى،
التى كان فيها زخم إنتاجى، واهتمام بقضايا المجتمع، ولم تكن سينما «الكباريه والراقصة» ازدهرت واكتسحت المشهد، ولم تكن سينما «الكومباوند» اقتحمت حياتنا، كنا ننتمى إلى «الطبقة المتوسطة» وكانت همومنا «القومية» تشغلنا، كنا نتابع أخبار «الشعب الفلسطينى» والشعب اللبنانى والشعب الجزائرى، من منطلق الأخوة العربية، وكنا نعادى «إسرائيل» من منطلق أنها «مشروع استعمارى» يعادى المجتمع والثقافة العربية، وكل هذه القضايا شغلت «بشير الديك» ليس من باب «السوق عاوز كده» بل من باب الإيمان والتوحد بقضايا «مصر العربية» التى هى قائدة الأمة العربية، حدث أن عاش ـ بشير الديك ـ فى سياق إبداعى واجتماعى كان من مكوناته عدد من الموهوبين المخلصين لفن السينما وجمهورهذا الفن، من هؤلاء:عاطف الطيب ومحمد خان، وغيرهما من الفنانين العاملين فى صناعة السينما، واستطاع «بشير الديك» أن يحقق المعادلة المتوازنة التى حققها «صلاح أبوسيف ونجيب محفوظ» فى ظرف مختلف، وهى معادلة تقوم على احترام هموم وعقول «جمهور» السينما، الذى يخصص من «قوت يومه» ثمن تذكرة، ليدفعها «يوم الاثنين» من كل أسبوع، لموظفة «شباك التذاكر» ليرفه عن نفسه ويمتع عقله وقلبه ويحصل على معرفة تعيد إليه نشاطه الذهنى والنفسى، ومن يراجع قائمة الأفلام التى جمعت بين «بشير الديك وعاطف الطيب ومحمد خان» ويقارنها بقائمة الأفلام التى جمعت بين «صلاح أبو سيف ونجيب محفوظ» سوف يكتشف التوافق بين القائمتين، لأن القائمتين احتوتا «المنهج» الذى يحترم المشاهد ويشاركه همومه، ولا يسعى إلى إثارة غرائزه وإبعاده عن التفكير فى قضايا مجتمعه، وفى حالة الراحل «بشير الديك» كان الصراع العربى ـ الإسرائيلى والصراع «الوطنى ـ الاستعمارى» على صعيدى السياسة والاقتصاد، مسيطراً على تفكيره، فقدم لنا أفلام «ناجى العلى» و»سواق الأتوبيس» و»نص أرنب» و»الحريف» وهذه الأفلام كانت مشغولة بهموم «المواطن المصرى» وعلاقته بالمحيط الإقليمى والدولى، رغم التفاصيل المحلية التى احتوتها، وعاش «بشير الديك» وفياً لمنظومة فكرية وعقائدية وطنية قومية إنسانية ولم يركب الموجة ولم يردد عبارة « السوق والجمهور عاوز كده» كان رحمه الله حريصاً على احترام الجمهور فى كل مشهد كتبه وكل رأى أدلى به وكل موقف تبناه.
الطوفان.. حكاية عن سعار «المال» فى زمــن اللصوص
السيناريست «بشير الديك» كان أديباً، يكتب القصة القصيرة، قبل أن يتحول للكتابة السينمائية، وأخرج للسينما فيلمين، أولهما «فيلم الطوفان» ونحن هنا نؤكد على أن مسلسل «الطوفان» الذى أخرجه «خيرى بشارة» مقتبس من الفيلم، والفكرة الجوهرية هى «سعار المال» وهيمنة ثقافة «اللصوص» على المجتمع، بعد أن أصبح «المال» هو المعيار الوحيد الذى يقاس به النجاح، ومنه يستمد الناس الوجاهة والقوة والحضور، وهذه الفكرة لم تكن تشغل عقول الطبقات الشعبية أو الطبقة المتوسطة أو «طبقة الأعيان» فى سنوات مضت، لكن دخول «مصر» على خط «الرأسمالية العالمية» والذوبان فيها، أذاب منظومة القيم التقليدية المتوارثة منذ عصر الفراعنة، وعصر الأنبياء والقديسين، وهذا الذوبان هو ما أزعج «بشير الديك» وكل المثقفين الوطنيين الذين تربوا على قيم العطاء والتكافل و«الفلوس مش كل حاجة» و«الرزق مكتوب والعمر مكتوب» و«اجرى يا ابن آدم جرى الوحوش غير رزقك لن تحوش»، وكان فيلم «الطوفان» ـ بطولة محمود عبد العزيز وحسين الشربينى وآخرين ـ يتناول العلاقات بين الناس فى الريف، والتحول الذى طرأ على أخلاق أهل الريف، بسبب «جحيم الانفتاح» وهو الجحيم الذى جعل المصريين يتحولون من منتجين إلى «فهلوية» يستطيعون استخراج «القرش» من «حنك السبع»، وهذا أدى إلى ظهور مصطلح سياسى اقتصادى هو «طبقة محدودى الدخل» وهم الموظفون والذين لا يستطيعون ممارسة «النصب والشطارة»، وللعلم مصطلح «الشطارة» فى التراث العربى يعنى «اللصوصية» والدكتور «رجب النجار» له دراسة مهمة فى التراث الشعبى عن الشطّار والعيّارين، فى عصر العباسيين وما بعده، فالشاطر فى الوعى العربى هو «اللص» ولكن جرى قبول المصطلح وأصبح يعنى «الذكى البارع» ولكن فى «الطوفان» اتسع الموضوع، ليكشف تفاصيل الأزمة الأخلاقية الناتجة عن «سعار المال» وهو السعار الذى جعل العلاقات بين الإخوة تتحول إلى معارك وصراعات، لأن «الملايين» جعلت العقول تتوهم الثراء، وجعلت الأفكار والرغبات الكامنة تظهر، حتى «الدين» الذى كان مصدر الأمن فى المجتمع تحول إلى أداة لجلب المال «نموذج زوج منيرة ـ ماجد المصرى»، وقصة الفيلم التى كتبها «بشير الديك» أخبرتنا بأن الانحطاط الإنسانى جعل الإخوة يقتلون الأم، بجرعة دواء، حتى يتاح لهم الحصول على «المال الحرام» الذى كانت الأم تقاومه وترفض دخوله حيوات أبنائها وبناتها، وفى المسلسل، زادت مساحة تحليل «الطبقة المتوسطة» واستعراض انحدارها وسقوطها الأخلاقى بسبب هيمنة «المال» على العقول واعتماده طريقاً وحيداً للسعادة والاستقرار.
الحرِّيف.. فيلم رائع لا يحبه الفنان عادل إمام!
الفارق بين «محمد خان» و»يوسف شاهين» هو تطبيق المثل الشعبى «اعط العيش لخبازه ولو أكل نصفه» أو حسب المنطوق «ادِّى العيش لخبّازينه ولو كَلوه كله»، فالقصة التى قام عليها سيناريو فيلم «الحرّيف» هى من إبداع «محمد خان» لكن كل السرد الرائع والمشاهد الجميلة فى فيلم «الحريف» هى حاصل جمع «موهبة وإحساس محمد خان وبشير الديك»، وفى حديث تليفزيونى للراحل «بشير الديك» قال إن «محمد خان» كان يحكى لى المشهد الذى يشغله ويسيطر على تفكيره، وهذا طبيعى، فالصورة هى أداة تفكير وتعبير «المخرج» والسيناريست هو مترجم الروايات والقصص إلى صور حلوة، فيها روح البشر وجمالهم، وفيلم الحريف، يبدأ من «فوق السطوح» حيث كاميرا ـ خان ـ ترافق «فارس» فى رحلته اليومية، من السطوح التى يسكن فيها مع آخرين من فقراء الناس، إلى «ورشة الأحذية» التى يعمل بها، وفى منتصف الطريق، تكشف الكاميرا تفاصيل العمارة العريقة التى يعيش فوق سطوحها، أحفاد «العمال والصنايعية» الذين أنشأوها، فى زمن الباشوات، وهذه هى «حكاية الكاميرا» أو «حكاية بالكاميرا» وهذا هو الجمال الذى فى فيلم الحريف، الصورة تقول وتروى، تعمق المشهد المعروض على الشاشة وتقول ما لم يقله «الحوار»، وقصة «الحرّيف» هى قصة «الحيلة» التى يستخدمها سكان «هوامش المدن» ليستطيعوا الحياة، والحيلة التى لجأ إليها «فارس» هى حيلة «الموهوب» الذى أحبطته الظروف، فاكتفى باللعب والمراهنة، فى الساحات الشعبية ومراكز الشباب فى القرى، من أجل الحصول على المال، والشبع المعنوى، وهو الأمر الذى جعله يفقد حياته العائلية، ويفقد وظيفته «عامل فى ورشة أحذية» ولكنه وجد طوق النجاة فى الانخراط فى عمل آخر، واستعاد نفسه، وهذا حل «مريح» لا يتحقق فى الواقع، وهذا لا يقلل من جمال الفيلم ورغم هذا الجمال، لا يحب «عادل إمام» هذا الفيلم الذى قام فيه بدور «فارس» البطل، لاعب الكرة الشراب، الشعبى رغم أن عادل إمام نجح فى رسم شخصية «فارس» ورغم أن هذا الفيلم موجود ضمن قائمة أهم مائة فيلم فى تاريخ السينما المصرية، وسبب عدم محبة «عادل إمام» لهذا الفيلم هو وجود آخرين فى الكادر، وهذا ما لا يحبه الزعيم!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...
مشاهد مسرحية وأغان مصرية
الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...
أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...