قبل أن يرحل ديسمبر موسيقى «الوجع» تطارد المصريين

لم يقل صلاح جاهين إنه يكره الشتاء.. لكنه قال إنه "قفل البيبان على البيوت".. ولم أقل يوما إننى لا أحب الشتاء، لكننى أعلنها صراحة.. أخاف من أوجاع الشتاء.. وفراق أحبتى.

 

لست من المغرمين بمتابعة الأبراج وتوقعات الطقس وأهل الفلك، وأعتبرهم جميعا من النوافل التى تجوز مبارحتها وتخطيها وتجاهلها ونسيانها.. لكن المفارقات والمصادفات كثيرا ما تداهمنى فى الخريف.. على أبواب الشتاء.. حتى ظننت أو كدت أشك أنها تعرف أننى لا أرحب بها كثيرا.

ولا أعرف لماذا أكره أيضا فكرة "الحصاد"، مع أن مواسم الحصاد هى مواسم للفرح فى نهاية "وقت شتا" تحتاج الأنفس إليه لالتقاط أرواحها المجهدة وراحتها قليلا كمقدمة لسعى جديد.

طقس الحصاد فى نهاية الخريف.. ومع مقدمة شتاء جديد نهاية كل موسم "ميلادى".. أصبح طقسا سيئا بالنسبة لى.. وإن كنت فى كل عام أرجو غير ذلك.

على كل حال.. لم يكد صاحبنا الشتاء ينذرنا بقدومه حتى كان وطننا العربى على موعد مع جرح إنسانى جديد.. وكأن العالم لم يكفه ما جرى فى غزة والخرطوم وعدن طيلة عام كامل.. فقرر أن يذهب من بيروت إلى حلب لتطالعنا أخبار الحرب مجددا فى "الشام".

"رائحة الاحتراق" لا تكشف عن الذى أشعل النار.. فقط نحن نحاول أن نحمى "عيوننا" من دخانها.. لكنها حتما تطال الجميع.. فأين هى الموسيقى التى سنتحدث عنها فى حصاد العام؟.. كيف يجتمع العزف والنزف معا لعام عاشر جديد فى ساحة هذا الوطن الذى كان عربيا"؟!

"الدنيا مش واقفة".. هكذا يقول موجز أخبار الموسيقى فى عام مضى.. أغنيات تصدر تباعا عبر الآلية الجديدة "اليوتيوب" ومواقع التواصل.. وحفلات فى كل المواقع سواء التى اعتادت ذلك.. أو تلك التى استحدثناها فى أماكن لم تعرف رائحة "الإيقاع" منذ سنوات طويلة.

البرامج على الشاشات لم تتوقف أبدا.. الكل يغنى.. و"ليلى فى العراق مريضة".. الكل يغنى على ليلاه.. هذا هو حالنا القديم الجديد.. لكن ما يعنينى فيه أن نهاية العام لم تكن على ما يرام أبدا.

 

 من رحيل رحيم.. إلى اعتزال يحيى

أزعم أننى كنت قريبا إلى حد كبير من ثلاثة أسماء أظنها فارقة فى رحلة الموسيقى المصرية والعربية أيضا.. محمد رحيم .. يحيى خليل.. ومحمد منير.

خلال هذا العام.. فاز محمد رحيم بثلاث جوائز عالمية مهمة.. أولاها منحة "العضوية المحترفة" من قبل جمعية المؤلفين والملحنين فى باريس.. الـ"sasem".. وهى شهادة حصل عليها عدد محدود من المؤلفين والموسيقيين المصريين الذى حققت أعمالهم انتشارا كبيرا وممتدا عبر كل دول العالم.

الشهادة التالية.. هى وجوده ضمن أهم المبدعين فى "مسابقة" منصة "بيلبورد" الأمريكية.. وهى مسابقة جديدة.. حيث تقوم المنصة بعمل استقصاء عن أهم خمسين أغنية عربية صدرت خلال 25 سنة مضت.. وكان من نصيب محمد رحيم وجود أربع أغنيات فى تلك القائمة.

ثم أخيرا.. أعلنت موسوعة جينيس دخول المطربة شيرين عبدالوهاب إليها.. من خلال أغنيتين من ألحان رحيم باعتبارهما الأكثر تأثيرا فى مسيرة أول مطربة مصرية تدخل هذه الموسوعة.

كل تلك النجاحات كانت كفيلة بأن تقيم الدنيا ولا تقعدها فى أى مكان فى العالم يحتفى بمبدعيه.. لكن هذا لم يحدث.. تم تجاهل نجاحات الرجل بشكل لم يكن مقصودا.. فالعرب مشغولون بأشياء أهم.. والبطون الجوعى هناك ما يؤرقها.. ورقعة الشطرنج يتحرك اللاعبون فوقها بشكل لم نعد نستطيع ملاحقته.. كل ذلك الضجيج جعلنا لا ننتبه مع أصوات موسيقى المهرجانات الصاخبة.

هل يصدق أحدكم أن الأكثر حضورا من بين صناع الموسيقى هذا العام هو "عصام صاصا"؟!

هل يصدق أحدكم أن قائمة العشرة الأوائل فى عالم الموسيقى المصرية هذا العام لا تضم سوى عمرو دياب وشيرين عبدالوهاب.. فيما حصد نجوم "الراب والتراب والمهرجانات.. المقاعد الثمانية المتبقية؟!

ماذا يفعل رحيم إذن بعد أن قدم للموسيقى المصرية عبر 25 سنة كاملة ما يزيد على ثلاثة آلاف لحن؟!.. نعم.. هذا الرقم صحيح.. وليس من قبيل المبالغة.. عبر عدد غير قليل من الأصوات المصرية والعربية ومن خلال الدراما.. والكاسيت وشاشات السينما أيضا.

ماذا يفعل الرجل لننتبه إليه؟!.. شعر بالتجاهل.. أحس بعدم الرضا.. فأعلن اعتزاله.. ثم عاد عندما طالبه جمهور الموسيقى عبر منصات السوشيال ميديا بالتراجع.. ثم لم يستطع قلبه الاحتمال وهو يشاهد صورا متكررة للعبث طيلة الصيف الماضى.. فدخل إلى المستشفى مضطرا، وهو الرجل الذى يكره دخول هذا المكان، لإجراء قسطرة علاجية وتركيب دعامة تساعده على مرور الدم فى الشرايين بصورة أفضل.. وخرج من المستشفى على أمل أن يعود إليه حقه المهدور.

لم يكن يريد نيشانا، وإن استحق عشرات النياشين.. فقط كان يريد أن يسمع أننا نحبه.. فلم يسمع ولم يحتمل.. فانفجرت شرايينه وحيدا فى بيته صباح يوم الثالث والعشرين من نوفمبر.. لنكتشف بعدها فقط أننا فقدنا أحد أهم الموسيقيين المصريين.. انتفض الكل رغبة فى تكريم الرجل بعد أن رحل.. وأراه الآن يبتسم كعادته.. ويشير لى وهو يضحك يضحك كثيرا.. "مش قلتلك؟.. بعد ما أموت هيعرفوا؟!".

لم تمض ساعات على رحيل رحيم.. حتى فاجأنى الصديق يحيى خليل بمكالمة مؤلمة.. مسؤول مهم التقاه فى إحدى السهرات وسلم عليه.. فشعر المضيف بأن الرجل لا يعرف "يحيى خليل".. فذكر له اسمه.. فكان رد المسئول: "معلش آسف.. مش واخد بالى".

هذا هو الملخص.. والتفاصيل لن أعلنها الآن.. فقد كان أن تسببت ممارسات بعض الصغار من موظفى وزارة الثقافة فى "إعلان" أحد أهم الذين طوروا الموسيقى فى بلادنا اعتزاله.

يحيى خليل.. الذى لم يتوقف عن العزف طيلة 74 عاما منذ كان عمره ست سنوات.. والذى طاف مائتى مدينة فى 21 دولة كرمته.. وأحسنت ضيافته.

يعزف خليل الجاز الطربى بروح مصرية.. الرجل الذى أحيا أكثر من خمسة آلاف ليلة صاخبة فى كل مسارح العالم.. الرجل الذى تعشق موسيقاه الملايين.. لم يجد مكانا فى مصر ليعزف فيه موسيقاه، بعد أن أوصدت الأوبرا أبوابها فى وجهه.. لتتركه وحيدا فى شقته فى مصر الجديدة يتحسر على ما قدم.. هو لم يقدم حكاوى القهاوى.. يا سادة.. ارجعوا إلى الأرشيف واسمعوا موسيقى الرجل الذى أحدث ثورة فى مطلع تسعينات القرن الماضى.. صاحب التأثير الأهم فى مشوار محمد منير.. والذى قدم صورة مغايرة للموسيقى النوبية إلى العالم كله مع رفيق غربته حمزة علاء الدين.

يحيى خليل.. اسم يعرفه العالم جيدا.. لكننا نراه مجرد رجل ثمانينى "عليه أن يغادر".. فنحن لا نعرفه.. نحن نحب حمو.. وشاكوش.. وصاصا.. وضاضا.. وأمثالهم!!

فى اللحظة نفسها التى يعلن فيها يحيى خليل دخوله مضطرا إلى نفق العزلة.. يعانى محمد منير من أوجاع شتى.. صحيح أنه يقاوم.. ويدخل إلى الاستوديوهات لتسجيل أغنيات جديدة.. من عصام كاريكا.. إلى عزيز الشافعى.. إلى محمد رحيم.. صحيح أنه أوشك على الانتهاء من أغنيات  ألبومه الجديد.. لكنه يشعر بالوحدة أيضا.. وينظر إلى ما مضى بفزع.. لا يزال منير يقاوم.. لكن رحيل رحيم أوجعه.

منير يحاول الاحتماء من برودة هذا الشتاء المريب بالاختباء فى أحضان الأصدقاء الذين يتوافدون إلى بيته فى أكتوبر.. ومع أصدقاء جدد انتقاهم من متاجر بيع الكلاب.. نعم منير مؤخرا اقتنى 4 كلاب صغيرة.. تفهم موسيقاه وتسعد بها وتبتسم له.. عندما يرحل الكثيرون ويتركونه وحيدا فى صحراء أكتوبر.

هذا هو الموجز.. محمد الحلو يهرب إلى العين السخنة يمارس عادته فى الصيد ومواجهة البحر.. محمد ثروت فى أوروبا لمرافقة قريب يجرى جراحة.. ويشعر بأنه "على غير ما يرام".. مدحت صالح "بيقاوح".. ويحيى عددا كبيرا من الحفلات ويسجل أغانى جديدة فى استوديو خاص به بحدائق الأهرام.. على الحجار يتنقل بين مدن وضواح مختلفة فى القاهرة والإسكندرية.. عمرو دياب وشيرين وأنغام وآمال ماهر فى حفلات جديدة فى الكريسماس. أحمد سعد وعشرات النجوم فى استديوهات التصوير لموسيقى إعلانات رمضان المقبل.

الدنيا مش واقفة يعنى.. والموسيقى صاخبة فى أماكن عدة.. فماذا يعنى رحيل رحيم.. واعتزال يحيى خليل.. و"خوف" منير؟!.. لا شىء.. لا شىء.. فقط هى "هواجس الشتاء المقبل".

Katen Doe

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سيد
الشاعر الكبير «الأبنودى» مازال حيّاً يا كارهى ثقـــافة الفلاحين!
شكوكو

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص