مواهب مسرحية من الإسكندريــة فــى المهرجــان العربـى

فى الدورة الخامسة لمهرجان المسرح العربى، لطلبة معهد الفنون المسرحية فرع الإسكندرية، الذى افتتحته د.غادة جبارة رئيس أكاديمية الفنون فى الفترة من 20 وحتى 28 أكتوبر،

هذا المهرجان الذى يقام منذ سنوات طويلة فى القاهرة ليقدم من خلاله الدارسون مواهبهم فى شتى مفردات العرض المسرحى، انتقل أيضاً هذا التقليد إلى الفرع الجديد فى الإسكندرية والذى أنشىء حديثاً، وفى عروض المهرجان يلمس المشاهد مستوى النضج العقلى والوعى لدى هذه المجموعة فى التعامل مع مفردات العرض المسرحى بحرفية رغم أنهم ما زالوا فى بداية الطريق، وهذا الإتقان مرجعه الدراسة، ويؤكد أن كل موهبة مهما كانت كبيرة تحتاج إلى الدراسة والتعلم، ودون شك حين نقارن بين وعى هؤلاء بمفردات العرض المسرحى ومجايليهم الذين اعتمدوا فقط على الموهبة أو الهواية واكتفى بعضهم بالورش المسرحية، سيبدو الفرق واضحاً.

شارك فى المهرجان خمسة عروض.. أربعة فى المسابقة وعرض على الهامش، اعتمدت على نصوص حديثة كتبها الشباب فيما عدا نص «مأساة الحلاج» لصلاح عبدالصبور، فإذا كان من الضرورى أن يكتب هذا الجيل قضاياه ويمسرح همومه وحياته، فإن من الضرورى أيضاً أن يحدث تواصل واشتباك بشكل كبير مع تراث المسرح المصرى، الذى عبر بقوة عن قضايا اللحظة الراهنة فى عصره، وعبّر عن ضمير المجتمع وهمومه، وهذا ما تفتقده أغلب النصوص المكتوبة الآن والتى تدور فى فلك الخواطر والمشاكل الشخصية. وهذا التواصل ما هو إلا محاولة لكى يستفيد هذا الجيل مما حققه الآباء والأجداد على الأقل فى البداية بالطبع دون أن يتوقفوا عن مسرحة قضاياهم بلغة هذا العصر.

من العروض المشاركة «مسرحية الشاهد»والتى تبدأ من الصالة بشخصية تبدو غريبة فى ظاهرها، شخص يسأل عن بيت مواطن... يسأل الجمهور، وحين تبدأ الأحداث نعرف أنه موظف من البنك جاء يتأكد من بيانات المواطن طالب القرض.. ليضاء المسرح على فضاء بيت يوحى بالفقر والعوز، بيت فقير ومتهالك من خلال ديكور واقعى، يكشف كل شىء، ليس هناك إيحاء أو إيهام، أدوات مطبخ ملقاة فى ركن، وإلى جوارها أريكة قديمة وتليفزيون، كل شىء متهالك، وفى الناحية الأخرى بقايا حمام، وعلى بعد خطوات منها طاولة متهالكة وكرسيان تفصل بين هذه الفضاءات ستائر، وفى المنتصف باب كبير فقير وفضاء الحكاية أقرب إلى أطلال بيت يتناسب والشخصيات التى هى أيضاً أقرب إلى بقايا البشر، ما يشبه البشر، وما يشبه الأثاث... حيث تقوم الحبكة الأساسية حول أخوين يعيشان فى هذه الشقة ميراث الأب، أحدهما موظف مبيعات ملتزم إلى حد كبير والثانى مدمن، شخصية عدمية يوحى بأنه بقايا إنسان، أما الموظف الغريب الذى تشى شخصيته بالغرائبية، من خلال الحوار والأداء بأن يجمع بين الواقعى والمتخيل، ظاهره موظف فى البنك وباطنه يحتاج إلى تأمل سوف نعرف قبل نهاية الأحداث أنه رمز، ليس شخصية حقيقية، المؤلف جسد شخصية قابيل أو قايين، أول قاتل فى تاريخ الإنسانية وجعله بطلاً لهذه الحكاية التى تبدو تقليدية، عادية أو قُل إنها حكاية كل يوم، الأخ الذى يقتل أخاه، ولكن تجسيد الشر من خلال حلول شخصية قابيل الذى يصرّح بمهمته وأنه جاء فى شخصية الموظف ليشهد جريمة القتل التى سوف تحدث بعد دقائق، ثمة مبررات، يقوم هو بدور القوة الفاعلة التى تحرك الأحداث، يناقش الأخوين، يفرغ ما بداخل كل منهما من حقد وأسباب للقتل، مبررات الموظف لقتل أخيه المدمن... نجاح الكاتب فى تجسيد ما هو محسسوس، أى الشر، فى شخصية تجمع بين الكوميدى والمأساوى، نعم تبدو الحكاية عادية ولكن فكرة أن يكون الشر شخصاً ملموساً، من خلال معالجة شعرية للشر من تأليف إيهاب جابر والذى استحق جائزة أفضل نص مسرحى وإخراج عمر الشرنوبى وأداء محمد الهلال «عادل» الأخ الملتزم أحمد السعودى «سيد» الأخ المدمن، وإسلام شوقى فى دور قابيل / الشر ونال عنه جائزة أفضل ممثل.

أما عرض «مأساة الحلاج»، تأليف صلاح عبدالصبور، إعداد وإخراج عمرو خميس الذى يحسب له هذا الاختيار الصعب وأقصد المسرح الشعرى ونص يطرح أسئلة عديدة من خلال شخصية الحسين بن منصور الحلاج كشخصية تاريخية من ناحية، وأيضاً كما قدمه صلاح عبدالصبور كشخصية لعبت دوراً اجتماعياً فى محاولة لإصلاح الواقع فى عصره، فهو المتصوف الذى خلع خرقة الصوفية ونزل إلى الناس.. وهذا الملمح أساسى فى شخصيته سواء من خلال اشتباكه مع القضاة وأيضاً مع العامة فى الشوارع والأسواق... والإعداد لم يهتم بهذا الملمح وركز على المحاكمة مع مقدمة صغيرة للحلاج فى اشتباكه مع العامة لا تقدم أو تبرز شخصيته، حيث يبدأ العرض وينتهى بنفس المشهد مشهد الصلب ونحن نشاهد الحلاج مصلوباً وظهره للجمهور والعامة يتحدثون «ماذا وضعوا فى سكتنا” وفى المشهد الأخير الحلاج نفسه ينظر للمصلوب مع العامة، فى دلالة على تكرار هذا الفعل. وأضاف المخرج مجموعة من الأغانى منها ما استعاره من شعر الحلاج «دينى لنفسى ودين الناس للناس” مع الموسيقى التى لم يتم توظيفها جيداً لتداخلها مع الحوار فى أحيان كثيرة، وذلك على الرغم من أنها عبرت بقوة عن حالة التصوف وشخصية الحلاج. وحاول المخرج توظيف العامة وهم جزء أساسى من البنية العميقة لهذه المأساة فى مشهد السجن على سبيل المثال الذى كانت أسواره من العامة فى حبالهم، لكن فى العموم لم يكن لهم دور كبير.. وفى حدود الإمكانات البسيطة جاءت الملابس متميزة أو قُل مناسبة مع فقر الديكور، ومن الممثلين تميز عبدالرحمن عثمان فى دور أبوعمر، وأيضاً يوسف الكسار فى دور الشبلى.

عرض «بعمل الإلياذة” تأليف معتز عجمى وإخراج محمد خالد، عرض يعتمد فى بنيته العميقة على الموسيقى من خلال الشاب «مؤثر نزيه» الذى يجبره الأب العازف على أن يكون أيضاً موسيقياً، الأب الذى عانى من الظلم والقهر وحقد الأصدقاء المنافسين يحاول تفريغ كل هذه الطاقة فى الابن يلقنه دروساً فى الحذر وعدم الأمان، الأب والابن والحبيبة، والطبيبة التى ستعالج “مؤثر” بعد دخوله المصحة شخصيات ثرية، مركبة. والمخرج محمد خالد الذى قام بدور مؤثر نزيه عازف البيانو، الموهوب، والعبقرى وفقاً للمسرحية قدم العرض من خلال مشاهد متداخلة، من أزمنة مختلفة يختلط فيها الماضى بالحاضر، فبعد مشهد تمهيدى تدور الأحداث فى المصحة التى أصبحت الفضاء الرئيسى للحكاية، حيث أصيب “مؤثر” بمرض نفسى أصاب يده بالشلل سيعود بذاكرته إلى الماضى فى مشاهد مؤثرة من حياته مع الأب، المايسترو، والحبيبة مليكة نتعرف من خلالها على ملامح شخصيته والمبررات الدرامية التى أدت إلى هذه النتيجة لتتقاطع مع ما يحدث فى الحاضر داخل المصحة من خلال الدكتورة أمل صابر والممرض بديع الشخصية الكوميدية والأسماء لا تخلو من دلالة، مؤثر، نزيه، أمل، بديع وكل منهم له نصيب من اسمه فى أفعاله وملامح شخصيته، وصممت لورا عباس فضاء الحكاية الذى صممته من خلال مستويين بيانو فى الأعلى سيكون فضاء الاحتفال وعلى خشبة المسرح، المصحة والبيت وفضاء المايسترو بما يسمح بتداخل الأزمنة. التى نجح المخرج فى تجسيدها على خشبة المسرح من خلال مجموعة من المشاهد التى جمعت بين الماضى والحاضر تنقل بينهما الممثلون بخفة وبراعة. ربما تكون الحكاية النى اعتمد عليها العرض تقليدية ولكن بناء الشخصيات وعمق ملامحها التى اعتمدت على تجسيد ما يدور فى أعماق النفس الإنسانية، بالإضافة إلى الموسيقى التى كانت عماد هذه الحكاية. كل هذا منح العرض تميزاً.

العرض الذى تم تقديمه على الهامش بطولة وإخراج تامر القاضى وخرج من التسابق لكون المخرج أستاذاً فى المعهد، اعتمد على نص كتبه محمد عادل، تدور أحداثه فى رحم الأم بين جنين على وشك الولادة، وثلاثة موظفين فى محاولة لإقناعة بقبول الولادة والنزول إلى هذا العالم من خلال معالجة يغلب عليها طابع الفانتازيا فى قالب كوميدى يطرح النص على لسان الشخصيات وخاصة المولود أسئلة حول الوجود، أو قُل مبرراته حين يعرض هؤلاء على المولود جانباً من حياته سوف يتم تجسيده من خلال المشاهد التى تمثل المستقبل، وأيضاً تتداخل الأزمنة بين الحاضر فى رحم الأم، أى لحظة الولادة، ومشاهد من حياته خارج الرحم. بطولة الأدهم محمد فى دور المولود، يوسف الكسار، جيلان، تامر القاضى فى أدوار الموظفين، قدم تامر القاضى هذه الفكرة فى قالب كوميدى اعتمد أيضاً على الموسيقى، من خلال أداء اعتمد على المحاكاة التهكمية / البارودى لطرح هذه الفكرة، ليتحول فضاء الحكاية إلى رحم الأم وعلى مدى خمس وأربعين دقيقة زمن العرض قدم المخرج تامر القاضى مشاهد سريعة متلاحقة لا تخلو من التعثر، أقرب إلى حالة الولادة المتعثرة التى تتم فى النهاية رغم الصعوبات.

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص