دورته الأولى حملت اسم نجيب الريحانى
مهرجان الفرينسيسكان المسرحى للسلام.. ربما يبدو العنوان غريبا، ويتساءل القارئ: لماذا.. وما العلاقة؟.. لكن حين يتعرف على هذه الرهبانية ومؤسسها فرانسيس الأسيزى «1181 – 1226» سيجد الإجابة، فهذه المؤسسة صاحبة تاريخ عريق فى خدمة الفنون منذ ما يزيد على سبعة عقود، ويأتى مهرجان المركز الكاثوليكى للسينما شاهدا ومعبراً على هذا الدور الكبير والمؤثر فى الحياة الثقافية.. وكان من الطبيعى أن تكمل مشوارها بإقامة مهرجان للمسرح اختارت له عنوانا يتسق وفلسفة مؤسسها.. السلام الذى تنادى به وتتبناه منذ نشأتها.. فلن ينسى التاريخ اللقاء الذى يتردد صداه منذ ثمانية قرون حتى الآن بين فرانسيس الأسيزى والملك الكامل فى دمياط حين قرر الراهب الشاب الذى جاء لخدمة الجرحى والمصابين أن يقصد معسكر العدو فى مغامرة كان من الممكن أن تنهى حياته، ليمد يده بالسلام للملك الكامل الذى أعجب بفلسفته، ولاقى منه معاملة تليق بهذه المغامرة التى تدعو للسلام، وتقف بشاجعة فى وجه الحرب. ودون شك لا يخلو العنوان من دلالة فى اللحظة الراهنة التى يمر بها العالم، حيث الكلمة العليا للحروب وأدوات القتل والذبح والإبادة التى تجتاح العالم بجنون، العالم الذى يحكمه ويتحكم فيه منطق القوة.
شارك فى الدورة الأولى ثمانية عشر عرضاً مسرحياً على مدى أسبوع من 11 وحتى 18 أكتوبر، موزعة بين مسابقتين الأولى داخل المسرح، والثانية فى الفضاء الخارجى، والملاحظ فى هذه العروض المشاركة الواسعة للشباب حيث كان السواد الأعظم من المشاركين من جيل الشباب، سواء من الهواة أو الفرق المستقلة والهيئة العامة لقصور الثقافة والمسرح الجامعى، بالإضافة إلى العروض العربية.. ودون شك هذا يمنحنا الأمل فى المستقبل، لجيل من المسرحيين نتمنى ألا يصيبه اليأس كما أصاب من سبقوه وتخلى عن المسرح لصالح فنون أخرى تحقق ربحا مادياً.. ومن ناحية أخرى يمكن إلقاء نظرة على فكر هذا الجيل من خلال اختيارته للنصوص المسرحية وأيضاً من خلال رؤيته التى يقدمها على خشبة المسرح. ورغم الملاحظات والتحفظات على بعض العروض، فإننى أتعاطف مع هذا الجيل الذى يعانى من أزمة وعى حادة، فالأزمة الحقيقية ليست فى أدوات المسرح التقنية على مستوى مفردات العرض المسرحى، الأزمة الحقيقية فى رؤية هذا الجيل للعالم والمسرح، الأزمة فى فقر الفكر، ومن علاماته اختيار نصوص ضعيفة درامياً وفكرياً، والابتعاد عن النصوص التى تطرح قضايا اللحظة الراهنة، والانحياز لمشاكل شخصية أقرب إلى مجموعة خواطر، فمعظم العروض تتجاهل قضايا الواقع المعيش، وتركز على المشاكل الشخصية التى جاءت فى أحسن الأحوال أقرب إلى الانتقاد الاجتماعى من خلال سرد يخلو من فنون الكتابة المسرحية، يخلو من الصراع الدرامى ويبتعد عن التكثيف، حيث ازدحمت النصوص المكتوبة بتفاصيل عديدة وسرد أقرب إلى الثرثرة التى تخلو من رؤية للعالم، ناهيك عن تجاهل هذا الجيل لتراث ورموز المسرح المصرى، حيث خلت العروض من أسماء الكتاب المسرحين فى كل الأعمال، وهذا ما يدعو للدهشة، بالإضافة إلى غياب نصوص المسرح العالمى.. وبالطبع لا أطلب منهم التوقف فقط عند هذا التراث دون أن يكتبوا همومهم وقضاياهم، لكن لابد من التواصل والاستفادة من الأجيال التى صنعت نهضة عظيمة ما زال أثرها باقيا.
ورغم هذه الملاحظات العامة التى لا تخص العروض المشاركة فى هذا المهرجان فقط، والتى تمثل ملامح عامة لهذا الجيل، فقد تميزت بعض العروض منها «جودو» من الأردن عن مسرحية صامويل بيكيت «فى انتظار جودو»، من خلال رؤية معاصرة وضعتها المخرجة رشا المليفى، وطرحت من خلال قضايا الواقع العربى والقضية الفلسطينية.. أقرب إلى محاكاة تهكمية للأحداث الجارية، إذ يبدأ العرض بأجواء المطار وإقلاع الطائرات، وثمة مسافرون يحملون حقائبهم فى فضاء المسرح بين الخشبة وحيز المتفرجين، وينتهى العرض بنفس المسافرين، ربما يجسدان حلم العودة، ومن بينهما شجرة بيكيت الشهيرة التى ينتظر عندها فلاديمير واستراجون المجهول! لكن فى هذا العرض ينتظر رجل وامراة وإلى جوار الشجرة سلم، والشخصيات تعلق أيضا قبعاتها على الشجرة، مع شريط صوتى لرموز وحكام عرب فى خطب شهيرة، تناقش القضية الفلسطينية.. صوت حكام عرب من الماضى والحاضر، من الحروب ،السابقة وصولا إلى الربيع العربى، ونحن من ينتظر فى هذا العرض.. نحن الشعب ينتظر جودو ، نتظر عودة اللاجئين.. وننتظر الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.. ننتظر كل شىء، أى ننتظر جودو/ المجهول الذى لا يأتى.. لتردد المرأة فى النهاية «حيث تضع قبعتك هو الوطن».
وفى عرض «الكلاب تنبح القمر» من مصر عن مسرحية تحمل العنوان ذاته للدكتور عبدالغفار مكاوى، دراماتورج إسراء محبوب، وإخراج عمرو لطفى، اعتمد فريق العمل على نص مسرحى متميز قدمه المخرج فى الفضاء الخارجى من خلال ديكور بسيط فى تكلفته المادية لكنه ثرى فى الحلول التى قدمها المخرج ومهندس الديكور، فقط مجموعة من الصناديق الخشبية شكلت البيت والمدرسة والتابوت وكل فضاءات الحكاية، حيث أصاب الإعداد فى اختيار لهجتين للشخصيات، الفصحى لمأمون مدرس اللغة العربية، والغريب القادم للقرية/ والذى يقوم بدور الراوى، والشخصيات الأخرى التى لا ترى.. «الكلاب تتحدث العامية».. النص الذى كتبه د.مكاوى اعتمد أيضا على قصة قصيرة عنوانها «السُعار» لعبدالرحمن فهمى، حول شخصية المعلم المسكين الذى قضى حياته يدافع عن القيم المختلة فى المجتمع، إذ عمل مكاوى على هذه الفكرة من خلال مدينة أصابها سعار الاستهلاك وجنون الأنانية وتنكرت لكل ما هو إنسانى، حيث تقوم الحبكة الأساسية حول إصابة المعلم المسكين بمرض الكلب فى مدينة تم الإعلان عن خلوها من هذا المرض، فهل أصابته عدوى من الخارج؟.. ولكن كيف وهو لم يغادر المدينة؟.. أم أن ما أعلن عنه من خلو المدينة من السعار محض أوهام؟.. ورغم أن النص لا يجزم بإجابة فإنه ينحاز للافتراض الثانى حيث إن السكان تكلبوا وأصابهم السُعار، وأن المعلم هو الإنسان الوحيد فى هذا المجتمع، والعرض يحافظ على هذا الالتباس، ويبرز قدرة الإنسان على الصمود دفاعاً عن مبادئه وعن إنسانيته.
وعرض آخر من مصر، لم يعتمد على نص راسخ بل نص حديث عنوانه «كيوب إس 2»، وهى لعبة المكعبات الصعبة والدقيقة، ونحن نشاهد على المسرح فى فضاء الحكاية مكعبين/ قفصين أحدهما بداخله فتى والآخر فتاة، وبينهما راوية.. أقرب إلى الجوقة.. وإن كانت الفكرة تعتمد على المشاكل الآنية للشباب، من خلال شاب وفتاة يعانى كل منهما قهرا من نوع مختلف.. الشباب فقير تعوله أمه لكنها تسيطر عليه وتحكم قبضتها على سلوكه بعد أن هرب والده، والفتاة تعيش فى كنف عائلة ثرية، الأب لا يفكر إلا فى جمع المال وإدمان الخمر، وإن كانت الشخصيات تبدو تقليدية فإن المعالجة الدرامية التى جعلت من الفتاة/ الأم ومن الفتى/ الأب، كليهما ينتقل إلى قفص الثانى، الفتاة المهملة من الأب تؤدى دور الأم المتسلطة، والابن المقهور من سجن الأم يؤدى دور الأب المهمل.. الفتى والفتاة يلتقيان، بعد أن قرر كل منهما التمرد على العائلة، الفتاة تحاول إصلاح الشاب والعكس.. هذا الالتباس، التواصل بين الأجيال، كل منهما أدى عدة شخصيات، وإن كان العرض قد انتهى بمقولة مباشرة وفجة «ما دام انتم مش قد التربية ماتخلفوش».. لكن الفرق بين هذا النص والنصوص الأخرى التى كتبها الشباب، المعالجة الشعرية للفكرة ممثلة أولا فى لعبة «الكيوب»، وأيضا هذا الالتباس والتداخل بين الشخصيات، ومحاولة طرح رؤية عامة للمشكلة وليس مجرد خواطر خاصة.
فى العروض الأخرى تبدو أزمة الوعى وفقر الفكر بوضوح، ففى عرض «نص دايرة» فكرة مجردة عن الوجود أقرب إلى هيكل عظمى بدون دم ولحم، بدون روح، شخصيات يائسة ومقهورة لم تحقق أحلامها، تطرح أفكارها غير الناضجة، يزورهم شخص ما يحاول فى الظاهر مساعدتهم، لكنه حريص على أن يظلوا محبوسين فى أفكارهم، يتساءلون: أين المعرفة، وكيف؟.. كلمات تتردد فى العرض، العقل أم المعرفة، كلمات وأفكار غير مكتملة تتناثر فى العرض. وفى عرض أخر عنوانه «هلوفوبيا» قدمته الفرقة فى الفضاء الخارجى لمجموعة من الشخصيات المريضة نفسيا كل منهم لديه عقدة نفسية، سواء من الأرقام ، من النسيان والتردد، أو غير ذلك.. وهكذا يلتقون فى عيادة طبيب نفسى ويجسدون أمراضهم أمام الجمهور من خلال أدء يغلب عليه الطابع الكوميدى، وأيضا لم يقدم العرض معالجة درامية للفكرة بقدر طرحها فى أسلوب سردى يخلو من الدراما مثل عروض عديدة وهذا هو الملمح الرئيسى للسواد الأعظم من النصوص.
ويبقى أن نتفاءل رغم كل الملاحظات السابقة بهذا الجيل الذى تسعى أقدامه بحماس نحو المسرح، ونراهن على أن يتطور وعيه فى المستقبل، وأيضا كل التتقدير لرهبانية الفرنسيسكان التى احتضنت هؤلاء الشباب والجهود غير العادية التى قام بها رئيس المهرجان، الأب فريد كمال، والمخرج ماير مجدى، وكل فريق العمل فى هذا الأسبوع المسرحى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...
مشاهد مسرحية وأغان مصرية
الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...
أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...