نصر أكتوبر.. الملحمة المظلومة فى الدراما التليفزيونية

قد يبدو للوهلة الأولى أن العنوان صادما أو مبالغ فيه بعض الشىء، لكن هذه هى الحقيقة التى يجب أن نعترف بها، فحرب السادس من أكتوبر المجيدة لم تأخذ حقها بالشكل الكافى من خلال عمل تليفزيونى درامى طويل يكشف جميع تفاصيلها مع حبكة درامية منضبطة تجعلها وجبة فنية وعسكرية شيقة مع الوضع فى الاعتبار أن الجمهور المصرى والعربى يميل لمثل هذه الأعمال ويتابعها بشغف كبير.

رغم وجود عشرات المسلسلات التليفزيونية التى تناولت هذه الحرب والتى اكتسح فيها الجيش المصرى القوات الإسرائيلية، لكن ليس ذلك هو المقصود، فصناع الدراما المصرية للأسف وعلى مدار سنوات طوال ولأسباب لا نعرفها تعاملوا مع حرب أكتوبر المجيدة كأنها حدث هامشى يمر مرور الكرام ولا تستحق الاحتفاء بها فى عمل درامى تليفزيونى منفرد، لذلك جاء ذكرها فى أغلب الأعمال الدرامية هامشياً من خلال ملفات المخابرات المصرية رغم أن هذه المعركة لها فضل كبير على المصريين وعلى العرب جميعاً.

لست بصدد الحديث عن عمل وثائقى أو تسجيلى، لكن ما أقصده هنا هو مسلسل تليفزيونى مكون من 30 حلقة أو يزيد عن نصر أكتوبر بمعنى أن يكون الخط الأساسى والمحرك الأول للأحداث حرب أكتوبر واستعداد الجيش المصرى لها بالإضافة إلى تفاصيل المواجهات وكيف تم وضع خطة الحرب، ثم العبور العظيم، مع تطعيم الأحداث بخيوط درامية مساعدة تتناول الحياة الشخصية لأبطال هذه المعارك وانعكاس ذلك على المواطنين وربط جميع أحداث المسلسل بهذه المعركة الخالدة.

لو نظرنا لحرب السادس من أكتوبر سنجد أن هناك تفاصيل كثيرة لا حصر لها يمكن الاستناد عليها، بدءاً من نكسة 1967، ومروراً بحرب الاستنزاف، ثم موت جمال عبدالناصر وصولاً إلى التجهيز والتخطيط لحرب أكتوبر، والخداع الاستراتيجى الذى حدث أثناء التجهيز لها، فكل هذه التفاصيل يمكن تحويلها درامياً إلى عمل تليفزيونى شيق يجذب الجمهور.

فى شهر أكتوبر من كل عام وعلى مدار 51 عاماً تزخر الصحف والمجلات والقنوات الفضائية بمئات القصص سواء الحربية أو الإنسانية المتعلقة بهذا النصر بخلاف مئات الكتب والمذكرات التى كتبها القادة والأبطال وشهود العيان مضافاً إليها شهادات الخبراء العسكريين فى مصر والعالم والتى جاء بها معلومات عسكرية ثمينة مما يعنى أن هناك زخماً كبيراً فى الأحداث سيكون متاحاً أمام من يريد التصدى لمهمة تقديم عمل درامى مخصص لنصر أكتوبر.

الأعمال الدرامية التى تناولت معركة النصر وعددها كبير كانت الحرب فيها مجرد خط فرعى يتناقله الأبطال عبر ألسنتهم من خلال أخبار المعركة وكيف كان الشعب المصرى يريد الحرب أو من خلال استشهاد بعض الشخصيات أو عبر إذاعة البيان الرسمى الخاص بعبور قواتنا لقناة السويس وفرحة المواطنين بالبيان.

من أشهر الأعمال التليفزيونية التى تناولت نصر أكتوبر كان مسلسل "دموع فى عيون وقحة" من ملفات المخابرات المصرية إنتاج عام 1980، ومن تأليف صالح مرسى وإخراج يحيى العلمى وبطولة عادل إمام، صلاح قابيل، مشيرة إسماعيل، وأسامة عباس وتناول هذا العمل الحرب من خلال محاولة المخابرات الإسرائيلية تجنيد أحد المصريين ليكون جاسوساً لصالحهم إلا أنه يبلغ أجهزة الأمن المصرية التى تطلب منه الاستمرار ليكون عميلاً مزدوجاً ويستطيع تمرير بعض المعلومات المغلوطة ومن ثم مباغتة العدو يوم السادس من أكتوبر وتحقيق النصر.

مسلسل رأفت الهجان إنتاج عام 1988 واحد من أهم الأعمال فى هذا الصدد وهو من تأليف صالح مرسى وإخراج يحيى العلمى وبطولة محمود عبدالعزيز، يسرا، يوسف شعبان ومحمد وفيق وكان الخط الأساسى به هو نجاح مصر فى زرع أحد مواطنيها رأفت الهجان داخل إسرائيل ومن ثم تسريب أخبار الكيان إلى الأجهزة الأمنية المصرية واستعان المخرج فى هذا العمل ببعض اللقطات الأرشيفية الخاصة بالحرب دون الدخول فى أى تفاصيل أخرى.

مسلسل "السقوط فى بئر سبع" من ملفات المخابرات المصرية إنتاج عام 1994 ومن تأليف عبدالرحمن فهمى وإخراج نور الدمرداش وبطولة سعيد صالح، إسعاد يونس، حنان ترك، طارق لطفى وأبوبكر عزت.

الخط الأساسى لـ"السقوط فى بئر سبع" كان عن نجاح الكيان الصهيونى فى زرع عملاء مصريين لصالحه ومن ثم نقل أخبار الجيش المصرى لهم، لكن الأجهزة الأمنية المصرية كشفتهم واستخدمتهم دون علمهم فى نقل أخبار خاطئة للعدو عن عدم جاهزية الجيش المصرى ثم عبور قناة السويس والقبض على العميل وابنه وهروب الزوجة.

مسلسل "الحفار" 1995 و"وادى فيران" 1998 وعشرات الأعمال الاجتماعية الأخرى بها بعض الوقائع الحقيقية التى حدثت قبل حرب أكتوبر 1973 وتم توثيقها لتسير هذه المسلسلات على نفس درب الأعمال السابقة ليكون السادس من أكتوبر بالنسبة لهم مجرد خط درامى غير رئيسى دون الخوض فى التفاصيل الحقيقية للمعارك الضارية.

رغم المجهود الشاق الذى سيبذل لظهور مسلسل خاص بحرب السادس من أكتوبر لكن هذه المعركة الخالدة تستحق الكثير والكثير، خاصة أنه تتوفر لدينا فى مصر جميع الإمكانيات الفنية والبشرية التى تجعلنا نشاهد ونستمتع بعمل يليق بهذه المعركة الحربية، فمصر هى أصل الفن فى العالم العربى وكم من أعمال تليفزيونية ملحمية خالدة تم تقديمها وإنتاجها على أعلى مستوى منذ وضُعت أساسات التليفزيون المصرى وحتى الآن.

توفير كل الإمكانيات لإنتاج هذا المسلسل الضخم سيجعله وبلا شك ينافس الأعمال الدرامية العربية والأجنبية الملحمية الكبرى، خاصة مع وجود منافسة شرسة مع الدراما التاريخية السورية التى تقدمت بشكل مذهل خلال السنوات الأخيرة بالإضافة أيضاً إلى الدراما الإيرانية أيضاً وفكرة كهذه ستكون فارقة خاصة فى هذا التوقيت الحرج.

الجميع يعلم مدى أهمية الدور الإيجابى الذى يلعبه الفن فى الترويج للدول والشعوب من ناحية وفرض السيطرة والهيمنة من ناحية أخرى وهذا ما فعلته دول كثيرة على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التى طالما استخدمت الفن كسلاح فاعل فى الترويج لنفسها ولسطوتها بالإضافة إلى رسم صورة مثالية غير حقيقية عن نفسها وعن مجتمعها وهذا ما أكدته "تريشيا جنكيز"، مؤلفة كتاب "دور الـCIA فى هوليوود"، مشيرة إلى أن الهدف هو صياغة السياسة الخارجية الأمريكية بشكل يستطيع كسب القلوب والعقول فى الخارج.

العمل الدرامى التليفزيونى الذى نتمنى ظهوره سيتكلف بالطبع مبالغ ضخمة ويحتاج إمكانيات فنية كبيرة، فهذا النصر العظيم وُصف بأنه إعجاز عسكرى لا سيما أن القوات المسلحة المصرية تغلبت على أكبر مانع دفاعى مركب من قناة مائية بالإضافة إلى ساتر ترابى بارتفاع يصل إلى 20م بزاوية حادة على سطح الماء، بالإضافة إلى الألغام والموانع الصناعية والدشم ونقاط الخط الدفاعى الحصين المدعومة بالصواريخ بأنواعها والمدفعية وبالتالى فنحن أيضاً فى حاجة ماسة لعمل درامى يكون على مستوى هذا الحدث الضخم.

فمثلما حقق المقاتل المصرى المهمة المستحيلة فى معركته ضد العدو نحن أيضاً فى حاجة ماسة لمشاهدة عمل درامى رائع يجسد بطولات قواتنا المسلحة فى الحرب التى أثرت فى الفكر العسكرى العالمى وأصبحت تدرس فى كبرى الأكاديميات العسكرية.

قد تكون هناك أعذار مقبولة أو مبررات قد تبدو مقنعة بعض الشىء والتى حالت دون إعطاء حرب أكتوبر حجمها الطبيعى على مدار السنوات الماضية، لكن حان الوقت بالفعل لتقديم هذا المسلسل الذى يتناول معركة الكرامة باستفاضة شديدة ليكون هو العمل التليفزيونى الأهم فى تاريخ الفن المصرى.

أمين خير الله

أمين خير الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

جرجس

المزيد من فن

عمرو سعد يصوّر «إفراج» فى القلعة

يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.

طارق لطفى و «فرصة أخيرة» فى شوارع شبرا

عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.

وحدة تصوير ثانية ل «صحاب الأرض»

يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.

معتصم النهار يعود لـ«نصيب» بعد رمضان

يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م