فى مثل هذا الشهر «سبتمبر 2012» توفى إلى رحمة الله الفنان الكبير المخرج العبقرى «إسماعيل عبد الحافظ» وبعد فترة مرض قصيرة
، ودفن جثمانه فى مقابر العائلة فى قرية «الخادمية» بمحافظة كفر الشيخ، وكان رحيله بعد رحيل «أسامة أنور عكاشة» بمدة قصيرة، وكأنهما كانا على موعد، بعد أن عاشا سنوات خصبة قدما خلالها تاريخ الشعب المصرى بالصورة، وكتبا صفحات النضال الوطنى التى خاضتها الطبقات الشعبية، منذ زمن الاحتلال البريطانى حتى بدايات القرن الحادى والعشرين، والرابط الأول بين الرجلين ـ رحمهما الله ـ أنهما من مواليد «كفرالشيخ» وهى محافظة تقع غرب الدلتا، تجمع قبائل العربان والفلاحين والصيادين، وهذا معناه تعدد أنماط العمل والإنتاج والحياة، وهى واقعة بين «الغربية» و«البحيرة» وتشكل معهما ظهيراً لمدينة الإسكندرية، فهى عاصمة هذا الإقليم، وهى حاضرته، ويربط بين هذه المحافظات وبقية أقاليم مصر روابط قرابة الدم والثقافة، وهذا منح الرجلين معرفة بالأقاليم والثقافات المصرية فى كل القرى والمدن فى الجنوب والغرب والشمال والشرق، والرابط الثانى بينهما، أنهما تخرجا فى كلية الآداب، وعاشا فى زمن التجربة الناصرية، وهى التجربة التى قامت على أكتافها الحروب المتوالية ضد الأطماع البريطانية، والأمريكية، والصهيونية، والرابط الثالث بينهما أنهما وجدا من «الدولة الوطنية» التى أنشأتها «ثورة 23 يوليو 1952» وصاغت لها برنامجها السياسى والجغرافى، كل رعاية واهتمام، فكان ظهور إبداعاتهما من خلال «التليفزيون المصرى» وهو «مدرسة العرب» الأولى، فى مجالات الدراما التليفزيونية، والبرامج، والفروع الأخرى المتصلة ببناء الرأى العام وتشكيل الوعى، وكان التليفزيون المصرى، مستفيداً بالخبرات التى امتلكها الإذاعيون الروّاد، وفى الدراما كان التفوق للتليفزيون المصرى ناتجاً عن الاهتمام من جانب الحكومة المصرية، بالكوادر وتدريبها، ومن أدلة ذلك، إنشاء فرق مسرح التليفزيون، بهدف إنتاج مسرحيات تعرض على الشاشة، فى ظل غياب الحلقات المسلسلة، ورغم اعتراض المسرحيين على هذه الفرق، إلا أنها كانت تقدم الموهوبين الذين لايجدون فرصاً تسمح لهم باللحاق بمعهد الفنون المسرحية، وفى مرحلة لاحقة تحولت الدراما المصرية إلى مصدر متعة وتوعية للمشاهد العربى، وخصصت التليفزيونات الحكومية العربية فقرة ثابتة على خرائط برامجها للمسلسل المصرى، وكان إسماعيل عبدالحافظ وأسامة أنورعكاشة، فى القلب من «لحظة ازدهار» الإنتاج الدرامى المصرى «الحكومى» واستطاعا أن يؤرخا لفترة حساسة من تاريخ مصر، امتدت من ثورة 1919 حتى تسعينيات القرن العشرين.
الشهد والدموع.. قصة صعود الحاج رضــوان الحلوانى
من جمل الحوار التى نطق بها «الحاج رضوان» ـ الفنان حمدى غيث ـ فى الحلقات الأولى من الجزء الأول من الشهد والدموع، نستطيع فهم الموضوع الذى قصده الكاتب «أسامة أنور عكاشة» وهو، موضوع الصعود الاجتماعى فى سنوات ما قبل ثورة 23يوليو 1952.
وكانت حكومات «خلفاء محمد على» اعتبرت الملكية الزراعية والوظيفة هديتين، تمنحان لداعمى «الحكم والحاكم» والنموذج الذى يفسر هذا الكلام، هو نموذج «رفاعة الطهطاوى» رائد التنوير، فهو جاء من «طهطا» فقير الحال، والتحق بالجامع الأزهر، وأظهر نبوغاً، رشحه ليكون «إمام البعثة» التعليمية المسافرة إلى «باريس»، وسافر، ودرس اللغة الفرنسية وتخصص فى الترجمة، والصحافة، والتعليم، وكانت المكافأة تأتيه على هيئة أطيان زراعية من «الباشا ـ الحاكم» حتى بلغت جملة أملاكه مئات الأفدنة، وكانت «الأفدنة» هى مقياس الثراء والوجاهة الاجتماعية، فأصبح «رفاعة الطهطاوى» من الأغنياء فى عصره، بفضل «الملكية الزراعية» ومعها «الوظيفة»، وظل الحال هكذا، حتى جاء الخديو سعيد، فمنح الفلاحين حق الامتلاك، وظهر على الخريطة الاجتماعية ملاك جدد، التحقوا بالطبقة «المتوسطة» وفى زمن «الملك فاروق» ظهرت فكرة توزيع الأراضى البور، على الفلاحين تحت مسمى «توسيع قاعدة الملاك الصغار» ولم ينجح المشروع فى كبح جموح الفقر الرهيب، الذى جعل الثروة مركّزة فى فئة قليلة، وجعل الغالبية من سكان الريف لاتجد اللقمة، وانتشر وباء الملاريا فى أربعينيات القرن الماضى، وانتهى عصر»فاروق» وجاء عصر «ثورة يوليو1952» ليمنح الفلاحين فرصة التعليم المجانى لأولادهم، وفرصة امتلاك الأرض، وفرصة العلاج المجانى، وكانت مجانية التعليم هى «التحوّل» الرهيب، فالمجانية منحت المتفوقين حق العمل فى الوظائف العليا، مثل «القضاء، الجيش، الشرطة، الطب» وهذه الوظائف كانت مغلقة ومقصورة على أبناء الطبقة الغنية، لأن التعليم كان مقصوراً على القادرين على دفع تكاليفه، وحلقات «الشهد والدموع» رصدت هذه الحقبة التى صعد خلالها «رضوان الحلوانى» من شريحة «العامل» إلى شريحة «صاحب النشاط التجارى» الذى يملك «المحل» والمعمل، ويورد إنتاجه للقصور، وهنا عبرـ أسامة أنور عكاشة ـ عن هذه الرحلة الصعبة على لسان الحاج رضوان «أنا تعبت وشقيت لحد ماعملت اسم رضوان، ومش هاسمح لك تهدَ اللى أنا بنيته، عشان كده بأدوّر لك على النسب اللى يشرّف، اللى يدّى، أكترما بياخد، أو يدّى، أدّ ما بياخد» وعقب ـ هذا القول الموجه من الحاج رضوان إلى ولده شوقى رضوان ـ توجه «الحاج» إلى المعمل، وطلب من الأسطى جعفر أن يغادر، وأن يخرج من «الشقة» التى كان يعيش فيها، وهى من ضمن أملاك الحاج رضوان، ولم ينس توبيخ جعفر بقوله «عشان تبطّل تبص لفوق» وخلاصة هذا الحديث، أن الحاج رضوان، يرغب فى مواصلة «الصعود الاجتماعى» ويرفض «مشروع الحب» الذى جمع بين ولده «شوقى» و»زينب» ابنة الأسطى جعفر، ومضت الحلقات كاشفةً ما جرى فى المجتمع المصرى من تحولات، فرأينا «جناح حافظ رضوان» وقد ارتقى وأصبح صهراً للباشوات، و»جناح شوقى رضوان» وقد أصابه الفقر والجوع واليتم، لولا «ثورة يوليو» التى أنصفت الطبقة الفقيرة، ومنحتها مفتاح الأمل، وهكذا كانت الدراما التى يبدعها الثنائى «عبدالحافظ وعكاشة» تقدم قراءة ممتعة عميقة لمسيرة المجتمع المصرى ولهذا استحقت أن تكون فوق قمة تراثنا الفنى التليفزيونى.
جمهورية زفتى.. الفلاحون ينتصرون على بريطانيا العظمى
كان الكاتب «يسرى الجندى» موهوباً فى التعامل الإبداعى مع الحوادث التاريخية، وكان قادراً على رسم الشخوص الذين صاغوا هذه الحوادث، وتصويرهم تصويراً يجعل المشاهدين يشعرون بهم، يحبونهم ويكرهونهم، ويتعاطفون معهم، لو كانوا يستحقون التعاطف، ومن أشهر أعماله «النديم» المسلسل الذى قدم سيرة الصحفى والخطيب الثورى «عبدالله النديم» الذى كان من رموز «الثورة العرابية» وهى الثورة المحورية فى تاريخنا الحديث والمعاصر، لأنها كانت أولى المواجهات الحادة بين «الوطنية المصرية» و»الاستعمار الأوروبى» وهى التى خلقت «الجيش الوطنى» الذى تشكّل من «الفلاحين» وأبناء «العمد والشيوخ»، وهذا الجيش قام ببطولات عظيمة فى التصدّى للجيش البريطانى، رغم الفارق بين الجيشين، من حيث القوة والتدريب والتسليح، وجاءت «ثورة 1919» وظهرت بطولات الفلاحين فى «زفتى» تحت قيادة المحاميين «يوسف وعوض الجندى» ولما قرر «قطاع الإنتاج» تخليد «جمهورية زفتى» اختار لها «يسرى الجندى» و»إسماعيل عبدالحافظ» ونجح المبدعان الكبيران، فى تصوير هذا النصر الذى حققه الفلاحون على بريطانيا العظمى، فقد أعلنوا «الجمهورية» وأقاموا «حكومة شعبية» ومنعوا «الجواسيس» من التواصل مع جيش الاحتلال، وتكررت التجربة فى «المنيا» فى شمال الصعيد، وفى «ميت غمر» التى تواجه «زفتى» على الجانب الآخر من فرع النيل، ويربط بينهما «كوبرى» عتيق، واستطاع «إسماعيل عبدالحافظ» أن يختار فريق عمل من الفنانين الكبار، وجعل كل ممثل فى ثوب «الشخصية» المناسب، وقدم لنا صورة معبرة، فيها روح ثورة 1919 وروح المدينة «زفتى» وعاشت تجربة الفلاحين فى زفتى بفضل هذا المسلسل الرائع، الذى تحققت له كل أسباب النجاح، فتحوّل إلى وثيقة درامية، معبرة عن كفاح الشعب المصرى وقدرته على الخلق والإبداع والتصدى للمحتل البريطانى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3
رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...
حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...
11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...