نجيب محفوظ.. روائى وسيناريست منح السينمـا الروح المصرية

من علامات الخيبة الراكبة «خيبة الأمل راكبة جمل» التى ظهرت على مجموعة من شعراء «الغبرا» وروائيى «الغبرا أيضاً»

التقليل من قيمة روايات وقصص نجيب محفوظ، ومن علامات هذه الخيبة، ما قاله واحد من هؤلاء العيال التافهين حول شخصيات نجيب محفوظ، قال «العيل التافه» إن شخصيات نجيب محفوظ لا تتمتع بالقيمة الفنية، ومن باب الغشم وقلة الذوق قال «عيل تانى تافه أيضاً» إن الأدب الواقعى انتهى، واعتبر ما قدمه نجيب محفوظ، سرداً منقرضاً، لا يمثل إضافة للقارئ، والحقيقة أن هذين «العيلين التافهين» لا يعرفان مشروع نجيب محفوظ الروائى، ولا السينمائى، فهو على مستوى الرواية، وضع الأسس التى مهدت الطريق لمن جاءوا من بعده، وقبله لم تكن فى الأدب العربى روايات بالمعنى المعروف، كانت «الأيام» للدكتور طه حسين، وهى سيرة ذاتية، وكانت «عودة الروح» للكاتب «توفيق الحكيم» وهى مسرحية مصاغة على هيئة رواية، ورواية «زينب» التى كتبها دكتور»محمد حسين هيكل» كانت تحمل عنوان «مناظر ريفية» ورفض صاحبها أن يضع اسمه على غلاف الكتاب، ولا أدرى لذلك الموقف سبباً، وبهذا يكون «نجيب محفوظ» هو الأب الحقيقى للرواية العربية، وكان يقرأ باللغة الإنجليزية والفرنسية ويمتلك ناصية اللغة العربية كما لم يمتلكها أديب غيره، ومن الرواية المطبوعة فى كتاب، إلى الرواية المصورة، انتقل نجيب محفوظ، واختار المخرجون من أعماله الروايات الواقعية مثل «زقاق المدق ّ» و«خان الخليلى» و«بداية ونهاية» و«الحب تحت المطر» و«القاهرة 30» وقد نشرت بعنوان «القاهرة الجديدة» والثلاثية «بين القصرين، قصر الشوق، السكرية» وكل هذه الروايات المهمة قدمت للثقافة الوطنية المصرية عدة خدمات، أولاها ترسيخ «فن الرواية» وتوطينه فى المجتمع المصرى، وثانيتها الحفاظ على المكونات التى تميز الشخصية المصرية فى جانبها المتحضر، فالرجل لم يكتب عن الريف المصرى، ولكنه كتب عن التجار والموظفين من سكان «المدينة»، وثالثتها تحقيق الدور التربوى المتمثل فى نقل الخبرات من جيل إلى جيل، ورابعتها كتابة التاريخ الاجتماعى بعيداً عن انحيازات المؤرخين، فهو كتب عن الحروب والثورات وصعود الشرائح الطبقية وانهيارها، دون أن يتحول إلى خطيب أو واعظ للناس، بل كتب التاريخ فى سياقات أدبية، باللغة الراقية البسيطة، دون التخلى عن وظيفة الامتاع، والدعوة إلى التفكير، ويستطيع مشاهد روايات نجيب محفوظ التى تحولت إلى أفلام سينمائية أن يقرأ التاريخ، ويعرف الكفاح الثورى الذى بذله ثوار ثورة 1919، وبذات القوة يستطيع أن يرى صورة المجتمع المصرى بعد ثورة 23 يوليو 1952 وهذه ميزة جعلته يستحق أن يكون الكاتب الكبير المعبر عن الروح المصرية، والشخصية المصرية بما تحمله من طبقات حضارية، ولست فى حاجة إلى تذكير القارئ ـ بالفيلم الرائع «زقاق المدق» الذى حكى قصة الاحتلال البريطانى، وعلاقة الطبقات الشعبية بهذا الاحتلال البغيض الذى أفسد أخلاق بنات «المدن» عبر الدعارة المرخصة، التى كانت مهانة للشعب كله، لكن الاحتلال رخصها من أجل جنود جيشه، ومن أجل التدمير المنظم للشخصية الوطنية، وكسر عزيمة رجال مصر، وكل أفلام محفوظ التى كتب لها القصة والسيناريو، فيها نفس الروح الموجودة فى رواياته التى صدرت فى كتب قبل تحويلها إلى أفلام ومسلسلات تليفزيونية وإذاعية، رحم الله الكاتب الرائد الكبير الذى انتقل إلى جوار ربه فى 30 أغسطس من العام 2006 وترك لنا تركة إبداعية شاهدة على عبقريته وموهبته الفارقة.

ثرثرة فوق النيل.. هزيمة الطبقة المتوسطة وانهيــار أخلاقهــا

كتب نقاد السينما ونقاد الأدب عن فيلم ورواية «ثرثرة فوق النيل» مئات الدراسات والمقالات، لكن ما لفت نظرى فى الرواية والفيلم المأخوذ عنها، اختيار «النيل» ليكون الشاهد على حوادث الرواية والفيلم، عبر فكرة، العوامة التى تجمع «رجب القاضى» الممثل «الحوت» وفريق الأصدقاء الذين يشكلون «جماعة رجب» وهى جماعة تضم الناقد الفنى، الذى يكذب على الناس بمقالات، يطالب فيها «مؤسسة السينما» بفتح المجال أمام «الموهوب» رجب القاضى، وهو ممثل «أفلام أى كلام» حسب قوله للصحفية «سمارة» الفنانة ماجدة الخطيب واختيار النيل له علاقة بالنشأة التى نشأها نجيب محفوظ، عاشق النيل، فهو فى بداية حياته الزوجية، عاش فى عوامة على صفحة النيل، ولما تيسرت أحواله المادية، اشترى شقة تطل على النيل، وهذا الرمز الحضارى الخالد»نهرالنيل» منح «سكان العوامة» صورة كوميدية، من نوع الكوميديا السوداء، فهم فوق النيل، واهب الحضارة والحياة، يمارسون كل ألوان الفساد الفكرى والأخلاقى، ومن مثال ذلك، العلاقات السرية بين السيدات المتزوجات والرجال المثقفين، من جماعة «رجب القاضى» واستدراج الفتيات الباحثات عن النجومية، واغتصابهن باسم «الفن»، وتدخين «الحشيش» واعتباره المهرب الذى اختارته الطبقة المتوسطة، فى ستينات القرن الماضى لمواجهة الأزمات الاقتصادية، والأزمات الاجتماعية والانهيار الأخلاقى الناتج عن الاختناق العام، فالرواية «ثرثرة فوق النيل» قدمت صورة للزيف والكذب الذى تقدمه الفنون ووسائل الإعلام للشعب، وقدمت التاريخ المصرى القديم، تاريخ الشعب الذى صنع حضارته على ضفاف النهر العظيم، ومن الغريب والعجيب أن نجيب محفوظ الذى كتب هذه الرواية، رأى «هزيمة 5 يونيو 1967» قبل وقوعها، والأكثر غرابة أن الذى حاول منع الرواية من الوصول لقراء «الأهرام» هو «عبدالحكيم عامر» الرجل الأول مكرر فى ظل حكم «عبدالناصر»، حسب ما رواه محفوظ ولولا تدخل «ثروت عكاشة» وزير الثقافة لدى الرئيس، لكان «محفوظ» ملقى على أسفلت السجن الحربى!

ومازال فيلم «ثرثرة فوق النيل» والرواية المأخوذ عنها الفيلم، فى وجدان الجماهير المصرية والعربية حتى يومنا هذا، يمثلان شهادة الروائى الأكبر، على مصر فى ظل «التجربة الناصرية» التى عرفها المصريون فى ستينات القرن الماضى.

هدى سلطان..

امرأة من زمن الحب الكبير

لو شاهدت فيلم «السكرية» للمخرج حسن الإمام، سوف تشاهد «هدى سلطان» مغنية وراقصة «عالمة» ولو شاهدت مسلسل «بين القصرين» لوجدتها تقدم شخصية «أمينة» مع الزوج المتغطرس «محمود مرسى» وهى مطربة وممثلة، ذات حضور أنثوى طاغ، قدمت فيلم «امرأة على الطريق» وعرضت فيه قدراتها الأنثوية مع الفنان «رشدى أباظة» فتملكت الغيرة من قلب «فريد شوقى» زوجها فقرر أن يطلقها، وهى صاحبة خمس تجارب زوجية، تزوجت فريد شوقى ومن بعده المخرج حسن عبدالسلام، وغيرهما، وهى صاحبة موهبة كبيرة فى الغناء والتمثيل، وتقول المعلومات المتاحة عنها إنها من قرية «كفر أبوجندى» من توابع مركز»قطور، بمحافظة الغربية، والعائلة التى تنتمى إليها هى عائلة «الحو» الغنية المهيمنة على القرية، وكان مولدها فى يوم 15 أغسطس 1925 وكانت وفاتها فى 5 يونيو 2006 وما بين تاريخ الميلاد وتاريخ الوفاة، عاشت «هدى سلطان» التى هى نفسها «بهيجة حبس عبدالعال الحوّ» حياة صاخبة، تزوجت وطلقت، وتعرضت لقسوة العائلة بسبب احترافها الغناء والتمثيل، وقبلها شقيقها «محمد فوزى» الملحن والمطرب المعروف، عانى معاناة رهيبة، ولكنها ظهرت على شاشة السينما فى فيلم «ست الحسن» فى العام 1950، وكانت أولى ثمار الفن المرة فى حياتها، طلاقها من زوجها والد ابنتها «نبيلة» ومن بعده تزوجت المنتج «فوزى الجزايرلى» ولم يدم الزواج، وانتهى بالطلاق، فتزوجت من «فؤاد الأطرش» شقيق الملحن والمطرب فريد الأطرش والمطربة أسمهان، وانفصلت عنه وتزوجت «فريد شوقى» ودام زواجهما خمسة عشر عاماً، ومنه أنجبت ابنتيها «ناهد» و«مها» وتعاونا فى مجال السينما، فكانا الثنائى الناجح، وقدما أفلاما ً ناجحة فى ظل زواجهما، ووقع الطلاق بينهما، وتزوجت المخرج المسرحى «حسن عبدالسلام»، وتنوع إنتاجها الفنى، فقدمت أفلاماً سينمائية حققت نجاحا ً كبيراً وقدمت عدة مسلسلات تليفزيونية منها «زينب والعرش» و«أرابيسك» و«الليل وآخره» و«ليالى الحلمية» وغيرها، ورغم الرحيل عاشت «هدى سلطان» بأغنياتها وأفلامها التى قدمت «الحب» ودافعت عنه وعاشته فى حياتها الخاصة وحياتها الفنية.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نجيب
محفوظ
نجيب
نجيب محفوظ.. مواطن شارك فى تحقيق أهداف الدولة الوطنية المصرية
فى ذكرى ميلاده (3) أفكار فلسفية وشخصيات عبثية فى مسرح نجيب محفوظ
نجيب محفوظ.. رواياته منحت الدراما المصورة حب الجماهيرالعريضة
فى ذكرى ميلاده شكل القصة وجوهر المسرح فى حكايات نجيب محفوظ
السيدة أم كلثوم.. سيدة الغناء العربى وحاملة راية الوطنيــة المصرية

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م