سميحة أيوب الفنانة التى آمنت بالمسرح

سميحة أيوب ليست فقط ممثلة استثنائية فى تاريخ المسرح المصرى، بل وحالة نادرة فى تاريخ المسرح العربى بشكل عام،

 فهى صاحبة أطول مسيرة مسرحية فى المسرح العربى مع الفنانة أمينة رزق، فمن الصعب الحديث عن الحياة المسرحية لسيدة المسرح العربى فى ساعة أو حتى يوم كامل فى صفحة أو حتى فى كتاب وهى التى قضت ما يزيد على سبعة عقود فى رحاب المسرح، سميحة أيوب التى تشعر وأنت تشاهدها على خشبة المسرح أنها أقوى من الشخصية، تؤدى كل الأدوار وتلمح فى الشخصية سميحة أيوب فهى لا تذهب إلى الشخصية تماماً بل تظل هناك مسافة بينها وبين الشخصية. التقيت سميحة أيوب فى 1994 مع تكريم التجريبى فى حوار لمجلة الإذاعة ثم التقينا فى لجنة المسرح سنوات طويلة.

1

عاشت سميحة أيوب للمسرح ممثلة ومخرجة ومديرة، وفى كل هذه المراحل انتصرت للمسرح رغم إغراءات الأنواع الأخرى حيث حققت نجاحاً كبيراً فى السينما والدراما الإذاعية والتليفزيونية، ولكنها انحازت لخشبة المسرح، فعلى مدى ما يزيد على سبعة عقود، منذ أن ذهبت مع زميلة لها فى المدرسة لمشاهدة التصوير السينمائى ثم دخولها معهد التمثيل كمستمعة، وعلاقتها الوثيقة بزكى طليمات الذى تجاهلها فى البداية ثم قال لها «تعرفى أن دى أول مرة يخونى فيها ذكائى»، فقد ذهب إلى وزير المعارف حتى يستثنيها من شروط السن حتى تكون طالبة نظامية وتحصل على ستة جنيهات، لتأخذ دراستها طريقاً أعمق حيث الدراسة على خشبة المسرح وفى المعهد، ليمنحها زكى طليمات دور الملكة فى مسرحية «فى خدمة الملكة» والذى كان فاتحة خير، ليقول عنها دكتور زكى مبارك وهى تؤدى دورها فى مسرحية «البخيل»أنها تمتلك حضوراً كبيراً على المسرح، وكانت أولى مسرحياتها لتقدم بعد ذلك «كسبنا البريمو» التى حققت نجاحاً كبيراً وكانت تؤدى فيها شخصية سيدة فقيرة بل ومعدمة لا تجد قوت يومها فقررت أن تبيع ابنها وكانت الفنانة «سناء جميل» تجسد دور السيدة التى ستقوم بشراء ابنها.. لتنطلق مسيرة سميحة أيوب المسرحية لتستحق عن جدارة اللقب الذى عرفت به فيما بعد وهو سيدة المسرح العربى.

ودون شك هذه المسيرة الطويلة والحافلة لسميحة أيوب تضع من يكتب عنها فى حيرة، من أين يبدأ وعما يتحدث، عن مئات المسرحيات، عن أفلام سينمائية، دراما إذاعية، دراما تليفزيونية، صور غنائية، برامج ثقافية... ومعارك مسرحية، وإدارة مسرحية. كل هذه العناوين أو المحطات يمكن أن أضعها تحت عنوان مغزاه «الفنانة التى آمنت بالمسرح» نعم أخلصت وتفانت لأن الموهبة وحدها لا تكفى، فمن خلال إيمانها بالمسرح منحته حياتها.. وهذا ليس مجرد مجاز، فنحن أمام حالة استثنائية فى تاريخ المسرح المصرى والعربى طبعاً.. منذ الالتحاق بمعهد التمثيل ولقاء زكى طليمات، والأقدار التى قادت أقدام الفتاة الصغيرة إلى هناك..

 2 

كانت بداية سميحة أيوب بمسرحية البخيل.. ثم ترشيحها للإذاعة فى «عذراء الربيع» مع زوزو نبيل ثم المسلسل الإذاعى ذائع الصيت «سمارة» وهى تمتلك صوتاً مميزاً والتى نالت من خلالها شهرة واسعة، وما زال الجمهور وشرائط الإذاعة تحفظ لها هذه المقدمة الشهيرة بصوتها «سمارة زهرة برية نشأت وترعرت فى جو أسود رهيب» وأتيح لها العمل فى أفلام مهمة فى السينما مثل «المتشردة - شاطئ الغرام - إفلاس خاطبة - أغلى من حياتى - أرض النفاق - بنت البادية وبنت الحتة» وحين بدأ التليفزيون فى البث كان لها نصيب كبير وبدأت مع مسلسل «الساقية» لعبدالمنعم الصاوى، إلا أنها واصلت مشوارها فوق خشبة المسرح دون أن تلتفت إلى إغراءات مادية أو معنوية، نعم آمنت بالمسرح... فقد أتيح لها فى بداية حياتها فرص فى السينما والإذاعة والدراما التليفزيونية، لكنها اختارت المسرح وأصبحت جزءاً من تاريخ المسرح المصرى ليس لأنها شاهد وشريك لسنوات طويلة لتنوع المشاركة من المسرح العالمى، وازدهار الستينات وأسئلة الواقع مع أعمال توفيق الحكيم وسعد وهبة، ونجيب سرور ونعمان عاشور وغيرهم من الكتاب وأيضاً رموز الإخراج المسرحى من زكى طليمات، يوسف وهبى، سعد أردش، حمدى غيث، وصولاً إلى محسن حلمى ومحمد عمر وغيرهم من أبناء الأجيال اللاحقة.

 3

بدأت سميحة أيوب مع الجيل الذى قاتل وأكمل معركة الرواد من الأجيال السابقة واختارت أن تقدم مسرحاً عالمياً وشخصيات صعبة ومركبة بعيداً عن المسرح التجارى فعلى سبيل المثال قدمت مسرحيات «أجاممنون - الذباب - المومس الفاضلة - أنتيجون- الإنسان الطيب - أنطونيو وكيلوباترا - الخال فانيا - فيدرا» ومن نصوص المسرح المصرى «أهل الكهف - إيزيس - السلطان الحائر - الصفقة» لتوفيق الحكيم، وقدمت «السبنسة - بير السلم - كوبرى الناموس - سكة السلامة» لسعد الدين وهبة، ومسرحية سينما أونطة لنعمان عاشور، والزير سالم لألفريد فرج، ومسرحيات «الفتى مهران - وطنى عكا» لعبدالرحمن الشرقاوى، وقولوا لعين الشمس لنجيب سرور، ومسرحية رابعة العدوية وأيضاً الساحرة ليسرى الجندى، ومسمار جحا لعلى أحمد باكثير، وعودة الغائب لفوزى فهمى، ودماء على أستار الكعبة، والخديوى لفاروق جويدة، والناس اللى فى التالت لأسامة أنور عكاشة، بالإضافة إلى مشاركتها فى عروض أولاد الشوارع وراسبوتين مع يوسف بك وهبى، ومارست الإخراج من خلال مسرحيتى «مقالب عطيات وليلة الحنة» ورغم ما حققته سميحة أيوب من مجد على خشبة المسرح كممثلة إلا أنها غامرت بخوض تجربة الإخراج المسرحى وأذكر أننى شاهدت مسرحية «ليلة الحنة» آخر مغامراتها كمخرجة من تأليف فتحية العسال ضمن إنتاج مسرح التليفزيون، وكنت أعرف أنها أخرجت من قبل مسرحية مقالب عطيات، وعرفت منها فيما بعد أنها أخرجت خمس مسرحيات، ثلاثة منها غير معروفة بالإضافة إلى ما ذكرت، وكانت التجربة الأولى «مقالب عطيات» وكان العرض من إخراج الفنان عبدالرحمن أبوزهرة، الذى سافر إلى الأردن بعد توزيع الأدوار والبدء فى البروفات وحين تأخر أسند إليها مدير المسرح عملية الإخراج رغم اعتراضها فى البداية، وحكت عن هذه التجربة فيما بعد وقالت إنها استلهمت أسلوب أستاذها زكى طليمات ونجحت المسرحية وطلب منها سمير خفاجى أن تواصل المشوار ولكنها رفضت، أما المسرحية الثانية من تأليف فتحية العسال التى عرضت عليها من قبل مسرحية عنوانها «الخرساء» ولم تعجبها أو تتحمس لها، وبعد فترة قدمت لها مسرحية «ليلة الحنة» التى تتناول القضية الفلسطينية التى حققت نجاحاً وتم تسجيلها وعرضها بمسرح التليفزيون.

 4

إذا كانت سميحة أيوب بدأت حياتها الفنية فى المسرح التى أصبحت سيدته الأولى، إلا أن الإذاعة المصرية كانت البوابة التى أصبحت من خلالها نجمة فى سن مبكرة حين تم ترشيحها للعمل وكان الصوت النسائى الأشهر فى الراديو المصرى وقتذاك الفنانة زوزو نبيل.. ذهبت خائفاً مما سمعته عن زوزو نبيل ولكن وحينما قابلتها وجدتها سيدة لطيفة وجميلة للغاية، فقد ساعدتها كثيراً، خاصة أن الخوف كان يتملكها بمجرد دخول الإذاعة، ومثلت فى الإذاعة باسم سميحة سامى خوفاً من الأسرة، ليتم تمهيد الطريق إلى ميكروفون الإذاعة ليأتى بعد ذلك دورها الأشهر الذى أصبح من كلاسيكيات الإذاعة المصرية وهو دور «سمارة» الذى تم نقله إلى السينما وجسدته الفنانة تحية كاريوكا.. وسوف يظل صوتها فى مقدمة المسلسل وهى تهمس باسمها «سمارة» فى وجدان مستمع الإذاعة بعد أن يتلو الراوى الجملة الشهيرة «سمارة زهرة برية نشأت وترعرعت فى جو أسود رهيب» ورغم نجاحها الكبير فى المسرح إلا أنها ظلت مخلصة لميكروفون الإذاعة، ليس فقط من خلال الدراما الإذاعية والبرامج الثقافية بل وقدمت عدداً كبيراً من روائع المسرح العالمى والمصرى من خلال إذاعة البرنامج الثانى أو الثقافى.

 5

وحين اختارها المعهد الدولى للمسرح التابع لليونيسكو، عام 2023 لتوجيه كلمة للمسرحيين فى اليوم العالمى للمسرح الذى يوافق يوم 27 مارس من كل عام، جمعت فى كلمتها بين رثاء حال المسرح والعالم وأيضاً أهمية هذا الفن للإنسانية، لم تستطع سميحة أيوب فى هذه الكلمة التى امتازت بجمال الأسلوب الذى يجسد علاقتها باللغة العربية لعقود طويلة أن تدراى حزنها على ما آل إليه حال المسرح والإنسانية بشكل عام... وقالت فى نص الرسالة التى ترجمت إلى لغات عديدة وتم تلاوتها فى مسارح العالم مساء السابع والعشرين عام 2023 وتحدثت عن المسرح والحياة وقالت «إن المسرح فى جوهره الأصلى هو فعل إنسانى محض قائم على جوهر الإنسانية الحقيقى ألا وهو الحياة، ربما لا أغالى عندما أقول إن ما نقوم به على خشبة المسرح هو فعل الحياة نفسها وتوليدها من العدم كجمر مشتعل يبرق فى الظلمة فيضىء ظلمة الليل ويدفئ برودته.. نحن من يمنح الحياة رونقها.. نحن من يجسدها.. نحن من يجعلها نابضة ذات معنى» وهذا ما فعلته سميحة أيوب طيلة حياتها على خشبة المسرح.

 

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فى ذكرى ميلاده  نجيب محفوظ.. روائى فى عصـــر المسرح
سميحة أيوب التى آمنت بالمسرح فمنحها لقب السيدة الأولى
سميحة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص