«غروب وشروق ».. قصة الساعات الأخيرة من عصر الملك فاروق

عناصر النجاح كلها توافرت، فكان نجاح هذا الفيلم الكبير، وكان من الضرورى أن يكون ضمن قائمة أهم مائة فيلم فى تاريخ السينما المصرية،

 فقصة الفيلم كتبها المؤرخ العسكرى اللواء جمال حماد، كاتب بيان ثورة يوليو الأول الذى أذيع، صباح «الأربعاء 23 يوليو 1952» وكاتب السيناريو هو المخرج والسيناريست والروائى رأفت الميهى، ومخرج الفيلم هو الفنان القدير كمال الشيخ، والأبطال هم أسطوات الاندماج الكامل فى الشخصيات، على رأسهم «محمود المليجى»  و«سعاد حسنى»  والتفوق فى هذا الفيلم كان موزعا بين «المليجى» و«سعاد» التى كانت فى زمن إنتاج الفيلم «1970» فى ذروة نضوجها الفنى والأنثوى، وقمة حضورها فى وجدان جماهير السينما المصرية، والحقبة التاريخية التى صورها الفيلم، كانت حقبة الخروج من عنق الزجاجة، وهو أمر عسير على الجميع، والجميع هنا مقصود بهم: الملك فاروق، الجيش، التنظيمات الوطنية المناهضة للاستعمار، الشعب المقهور الجائع الذى لم يعد يثق فى أى حزب من الأحزاب التى فى الساحة، ورغم أن «حريق القاهرة»  كان هو الحل الوحيد للخروج من عنق الزجاجة بالنسبة للملك فاروق مازال بعض المؤرخين يتمسك بمقولة تبرئ «جلالته» من الضلوع فى تنفيذ الجريمة، ومعناها أن الملك لا يمكن له التفكير فى إحراق عاصمة المملكة، والحقيقة أن شخصية الملك، كانت نرجسية، سمحت له بالتشهير بوالدته «الملكة نازلى»  وتجريدها هى وشقيقته الصغرى «الأميرة فتحية» من الأموال والألقاب الرسمية، وشن حملة مضادة لهما فى الصحف المصرية، تحت إشراف الصحفى «كريم ثابت»  صديق جلالة الملك، والقائم بأعمال الاتصال مع الصحف وإدارة الملف الدعائى، وكان هذا كله بسبب زواج الأميرة فتحية فؤاد من المواطن رياض غالى الموظف بالخارجية، على غير هوى جلالة الملك، وهذا يجعل اشتراك «الملك فاروق» فى مؤامرة إحراق القاهرة، مقبولاً، ودوره فى يوم «26 يناير 1952» كان داعماً هذا الرأى، فهو أقام فى قصر عابدين وليمة ملكية لكل ضباط الجيش والداخلية من رتبة «صاغ»  فما فوق، والصاغ هو «الرائد» وهو من الرتب التى تتولى قيادة السرايا والكتائب وتصدر الأوامر، حسب الهيكل العسكرى المعمول به فى الجيش والشرطة، وتقاعس جلالته عن إصدار الأوامر بنزول قوات الجيش للسيطرة على المدينة التى وقعت فريسة لعصابات منظمة، منها عصابة «بيت الحرية»  المخابراتية البريطانية، وعصابة «الإخوان المسلمين»  وعصابات أخرى، يعرفها الملك فاروق والسفير البريطانى، وكان الهدف هو إحراق «النحاس باشا» وحكومته التى جاءت فى العام 1950 بانتخابات، فاز فيها «حزب الوفد» بأغلبية ساحقة، وهى الحكومة التى ألغت معاهدة 1936 من طرف واحد، ودعمت «الفدائيين»  فى قاعدة «قناة السويس» بهدف إرغام الإنجليز على الخروج من مصر، بقوة السلاح بعد انسداد طريق المفاوضات.

وفيلم «غروب وشروق» قال هذه الحقيقة، بالفن الجميل، فتحول إلى وثيقة ممتعة، اشترك فى كتابتها الفنانون الكبار، تحت قيادة مخرج موهوب، له سمات تميزه من أهمها، الإيقاع السريع والدقة فى رسم الصورة، وكانت «سعاد حسنى»  تنافس «عزمى باشا» المليجى فى التعبير عن مأساة «مديحة» ابنة هذا الرجل المجرم، خادم السراى، الذى نظم ورتب وأشرف على إحراق «القاهرة»، وكان أداء «محمد الدفراوى» ضابط البوليس السياسى الوطنى النزيه متفوقاً، وله الفضل فى خلق اتزان الفيلم، وكأنه «ضابط إيقاع» يرسم الطريق لفرقة موسيقية، ويحول بينها وبين النشاز، ونجح الفيلم فى تحقيق المتعة للمشاهد وتوصيل رسالة تقول إن الملك الذى يحرق عاصمة بلاده هو ملك يعيش الساعات الأخيرة لحكمه، وهذا ما حدث، بعد ستة شهور مضت على حرق القاهرة، غادر جلالته البلاد مضطراً إلى منفاه الاختيارى فى إيطاليا وطوت مصر صفحة الملكية إلى الأبد.

«صوت العرب».. صوت الثورة العربية من المحيـط إلى الخليج

عندما تسمع صوت المذيع يقول «صوت العرب من القاهرة»، وبعده صوت موسيقى «المارش العسكرى» تدرك على الفور أن هناك «ثورة» وقعت فى مصر، استطاعت أن تضع شعبها العربى فى سياق صحيح، وقصة «مصر العربية»  كانت ضائعة فى دهاليز ودروب الضباب السياسى والفكرى قبل 23 يوليو 1952، فكان الناس يعرفون أنهم «عرب» بالثقافة والدين، ويعرفون «بلاد الحجاز» التى يحجون إليها فى كل عام لأداء الفريضة المفروضة على المسلم القادر المستطيع، ويتكلمون العربية، ويقيمون الصلوات ويقرأون القرآن الكريم، ولكن العروبة السياسية والاقتصادية كانت مغيبة عن الجميع، رغم أن فكرة «الجامعة العربية»  ظهرت فى العام 1945 وكان الملك فاروق من العاملين على تأسيسها، لكن الشعور القومى العروبى لدى الشعب المصرى كان مغيباً، لصالح شعور «الوطنية المصرية» الذى أوجدته ظروف ثورة 1919، ولم يكن مطروحاً على الساحة، التنسيق السياسى والعسكرى بين مصر والأقطار العربية، التى كانت واقعة تحت الاحتلال الأوروبى، وجاءت ثورة 1936 فى فلسطين، فأشعلت نار العروبة فى قلوب المصريين، وهبوا لتقديم الدعم لإخوانهم فى فلسطين، بقدر المستطاع، وجاءت حرب فلسطين فى العام 1948 لتضع المصريين فى قلب المشهد العربى، وسافر الجيش المصرى إلى فلسطين، وهزم على أيدى عصابات الصهاينة المدعومة من الجيش البريطانى، وجاءت ثورة 23 يوليو من قلب الميدان فى فلسطين، بعد أن أدرك «الضباط الأحرار» أن تحرير فلسطين يستلزم تحرير القاهرة من الاستعمار وأعوانه الفاسدين، وفى الرابع من يوليو من العام 1953 أنطلق برنامج «صوت العرب»  وأصبح إذاعة مستقلة، تخاطب العرب الثوار، وتشعل نار الثورة فى قلوب الأحرار فى كل البلدان العربية من المحيط الثائر إلى الخليج الهادر، واشتد عود «القومية العربية»  بفضل «صوت العرب»  التى ساعدت فى تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسى، وساعدت فى تحرير إمارات الخليج العربى، واليمن، وكل الأراضى العربية المحتلة، وخصصت مصر لهذه الإذاعة، مذيعين ومخرجين وهندسين ومؤلفين ومحللين سياسيين على أعلى مستوى، وفتحت بهذه الإذاعة كل الطرق المؤدية إلى التواصل الثقافى والوجدانى بين «القاهرة»  والعواصم العربية، وأصبح المصريون يعتزون بالعروبة، وهذا نجاح حققته «صوت العرب»  وأفادت منه الأمة العربية، فى حرب العبور، فى السادس من أكتوبر 1973 وهى حرب انتصر فيها العرب على «إسرائيل»  العدو المشترك الذى يقوم بدور مندوب الاستعمار الغربى فى الشرق الأوسط، ومازالت «صوت العرب»  تؤدى دورها فى خدمة الثقافة العربية رغم اختلاف الظروف الراهنة عن الظروف التى ولدت فيها، فى خمسينات القرن الماضى.

شادية.. فنانة كبيرة المقام مؤمنة بأهداف ثورة 23 يوليو

هى من مواليد «1931» ولما انتصرت «ثورة 23 يوليو 1952» كان عمرها «21 سنة» أى أنها من جيل الثورة، وكان والدها المهندس المشرف على رى الأراضى المملوكة للخاصة الملكية، وكان مقر سكنها العائلى فى «الحلمية الجديدة» واسمها الحقيقى «فاطمة أحمد كمال شاكر» وتاريخها الفنى خصب، هى مطربة وممثلة، حققت نجاحاً فى التمثيل والغناء، وقدمت فى حياتها الفنية مائة واثنى عشر فيلماً، وعشر مسلسلات إذاعية، ومسرحية واحدة «ريا وسكينة»، ولها لون غنائى محبوب، ولها صوت مميز، ولحن لها كبار الملحنين، وقدمت الأغنيات بأنواعها، العاطفى والدينى والوطنى، وعاشت سنوات ازدهار ثورة يوليو، وعبرت عن إيمانها بأهدافها الاجتماعية، وهذا ما نراه فى فيلمها «مراتى مدير عام 1966» الذى ناقش قضية المرأة والمواقع العليا فى الهيئات والمرافق والإدارات، وانتصر الفيلم لفكرة، الأسرة المصرية المكونة من زوج وزوجة وأطفال، دون التخلى عن «العمل والإنتاج»، وفى فيلم «شباب امرأة» ، قدمت «شادية» نموذج الفتاة المتعلمة، التى تنتمى إلى الطبقة المتوسطة، فى مواجهة «شفعات» المعلمة، المنتمية إلى زمن قديم، يعادى التحضر والعلم والتعليم، ولما وقع العدوان الثلاثى على مدينة بورسعيد فى العام 1956 غنت شادية للمدينة الباسلة أغنية «أمانة عليك يا مسافر بورسعيد» من تأليف إسماعيل الحبروك وتلحين محمد الموجى، وماتت «شادية» بعد اعتزالها الفن، عن عمر ناهز السادسة والثمانين عاماً.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

هوليوود تحتفى بالسينما: ليلـة أوسكارية تعكس نبض العالم

شهدت الدورة الثامنة والتسعون من جوائز الأوسكار ليلة سينمائية حافلة بالإنجازات واللحظات اللافتة فى مسرح دولبي فى هوليوود،

«الخرتيـة» حلـم لـم يكتمـل لـ «زكى فطين عبدالوهاب»

10 سنوات قضاها «زكى» فى كتابة السيناريو.. وكان يفترض تنفيذ الفيلم بـ«منحة فرنسية» «شاهين»: رشحتك مدير مواقع التصوير بـ«المهاجر».. ومستنى...

الشيخ محمد صديق المنشاوى يروى حكايته مع القرآن وحـكاية عائلته معه

لا يحتاج الشيخ محمد صديق المنشاوى تقديماً، هو من أصحاب المدارس فى التلاوة، رغم انتساب مدرسة المنشاوية لوالده الشيخ صديق،...

نجوم الفن يتحدثون عن عودة «الجوكر» للإذاعة

بعد سنوات من الغياب، عاد الفنان الكبير محمد صبحى ليطل على جمهوره في  موسم رمضان 2026 من خلال المسلسل الإذاعى...