«العزيمة».. أول فيلم واقعى فى تاريخنا السينمائى يقدم شغيلة الحارة

لو كنت قرأت مذكرات المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف لعرفت المعاناة التي عاناها فنانو الواقعية، رغم أن ستديو مصر لم يكن رافضا هذه المدرسة، كان الرافضون هم الألمان، فراتز كرامب ومساعدوه،

 كانوا يرون أن تصویر فیلم سینمائی عن حياة الشغيلة والكادحين فى الحارة المصرية عيب وخسارة لكن كمال سليم - المخرج الكبير ومساعده الشاب صلاح أبو سيف انتصرا، وخرج فيلم العزيمة ليصبح أول فيلم حقيقي عن الشعب المصرى، كان انتصاراً على سينما القصور التي تصور حيوات الباشوات وتكتفى بهم، وفى هذه الأيام يحتفل العالم كله بيوم العمال وهو عيد عالمي، وفى السينما المصرية تراث كبير اهتم بالعرق والشغل والعمل، وفيلم العزيمة يستحق أن نعيد قراءته ونتأمل قصته، هو فیلم قاهری شعبی بامتياز يرسم حياة القاهرة الكادحة التي تصحو من النجمة، لتسعى في الأرض، وتنام بعد العشاء راضية بما أنجزت صابرة على ما جرى، والمشهد الافتتاحي الفيلم العزيمة جمع بين حسين صدقى الطالب الجامعي وثريا فخرى الأم الطيبة التي تدعو له بالنجاح، فقد كان في طريقه إلى مدرسة التجارة ليعرف نتيجة امتحان الدبلوم. -البكالوريوس - وتظهر فاطمة ابنة صاحب المخبز، وهى تحب محمد - ابن الحلاق – وفى دكان والده الحلاق، يحلق محمد ذقنه، ويسمع دعوات الطيبين من زبائن والده، وكلهم أهل حرف يدوية، وتتوالى أحداث الفيلم حتى يظهر - عدلى - ابن العائلة الغنية وقام بدوره الفنان أنور وجدى، وقام بدور والده الغنى زکی رستم وتتوالى مشاهد الفيلم لنرى الصراع الخفى بين محمد - الشاب المتعلم -والجزار الطامع فى فاطمة ابنة الفران التي تحب محمد والفكرة التي أرادها - كمال سليم مخرج ومؤلف الفيلم - هى الانتصار لقيمة العمل، والاعتزاز بالقدرات الفردية، في زمن كان الناس فيه يتباهون بما ورثوه عن آبائهم من عقارات وأطيان، وكمال سليم بهذا الفيلم عالج قضية عاشها العالم، قضية الأزمة المالية العالمية، التي انعكست أثارها على خريجي المدارس العليا فى مصر، فقد عجزت الحكومة عن توظيفهم فى هيئاتها ووزاراتها المختلفة وكانت البدائل المتاحة أمام هؤلاء الخريجين قليلة، لكنهم قبلوها مضطرين ليعوضوا سهر الليالي والشقاء الذي شقيه آباؤهم، وتحملوا الأزمة حتى مضت وانتصرت قيمة العمل على قيمة الميراث، وانتصر التيار الواقعي على أعدائه وحقق - العزيمة - نجاحا جماهيريا وأصبح المرشد لجيل من المخرجين في مصر على طريق الاحتفاء بالناس وتفاصيل الحياة الشعبية.

الأسطى حسن.. العامل الساخط على حياته تسرقه امرأة لعوب

... كلما شاهدت فيلم الأسطى حسن ترحمت على المخرج الكبير صلاح أبو سيف، لأنه استطاع أن يمتص حي بولاق أبو العلا، ويعيد تصويره بروحه وإحساسه، فهو من أبناء هذا الحي القاهري الثائر حكمت عليه الظروف أن يعيش فيه مع والدته، بعد انفصالها عن والده العمدة الصعيدي، وهي كانت متعلمة، ولم تتواءم مع الحياة في قرية تتبع مركز الواسطى في محافظة بنى سويف، واستطاعت إلحاق ولدها بمدرسة التجارة المتوسطة، وهو كان موهوبا في فن السينما، كتب النقد السينمائي، ثم التحق بشركة مصر للتمثيل والسينما بعد أن عمل في شركة مصر للغزل والنسج بمدينة المحلة، وكون فريقا مسرحيا من العمال واسترعى انتباه المخرج نیازی مصطفی، فعمل على نقله إلى ستديو مصر ثم سافر إلى فرنسا ودرس السينما دراسة أكاديمية وعاد ليقدم سينما تهتم بالحياة، وكان الأسطى حسن بما فيه من انحياز لقضية العمل والعرق، سابقا على برنامج ثورة يوليو 1952، لأن - الأسطى حسن ظهر للناس في يونيو 1952 أي قبل نجاح ثورة يوليو بشهر، فلم يكن فيلما دعائيا، بل يمكن اعتباره فيلما وطنيا، لأن الطبقة العاملة المصرية كانت تقود النضال السياسي والاقتصادي ضد الإنجليز في السنوات التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، وتشكلت - اللجنة الوطنية للطلبة والعمال -لتكون الجناح الثورى فى الحركة الوطنية، بعد أن تحول حزب الوفد إلى حزب يهادن القصر ويفاوض الإنجليز، والأسطى حسن ظهر في هذا المناخ، فكانت قصة الأسطى حسن والسيدة الثرية التي تعيش في حي الزمالك، هى صورة مصر فى ذلك الزمان مصر الشغيلة تعيش في السيدة زينب والخليفة وبولاق أبو العلا، ومصر الثرية الإقطاعية تعيش في الزمالك والمنيل ومصر الجديدة ووسط القاهرة، وكان الأسطى حسن العامل في ورشة حدادة، يريد الهروب من حي بولاق، وجاءته الفرصة، ذهب لتركيب باب حديدى فى فيللا تملكها امرأة غنية لعوب - زوزو ماضي التي هي مدام كوثر - وهناك أكل ديوك الرومي وشرب الخمر وعرف مذاق الحياة الناعمة، فهجر بولاق أبو العلا، وترك ولده وزوجته عرضة للجوع والمرض والضياع، لكن أهل الحي تكاتفوا وتكفلوا بنفقات ولده وزوجته، وفى ليلة كان بجوار - مدام كوثر - في سيارتها، صدم ولده الطفل الذي كان في طريقه للورشة، وتكسرت عظامه على الأسفلت، كان الظرف الصعب قد فرض على أسرة الأسطى حسن إرسال الطفل إلى سوق العمل، ليساعد الأم الوحيدة قليلة الحيلة، وانتهت الحكاية حكاية التمرد على الحياة الفقيرة فى بولاق، وسرقت مدام كوثر حياة وقوة العامل الساخط، ثم ألقت به على قارعة الطريق بعد أن التهمته وأكلته لحما ورمته عظما، واستبدلته بثور آخر قادر على إدارة الساقية بقوة واقتدار.

الأيدى الناعمة.. توفيق الحكيم يغازل ثورة الشعب الكادح

في العام 1961 وقع الانفصال بين الإقليم الشمالي والإقليم الجنوبي وانتهت دولة الوحدة التي جمعت القطر السوري والقطر المصرى فقرر الرئيس جمال عبد الناصر تغيير قواعد اللعبة السياسية واقترح تحالفا بين العمال والفلاحين والرأسمالية الوطنية والجنود والمثقفين، وظهر الميثاق الوطني في العام 1962، وتحوّل الخطاب السياسي، واحتل العمال والفلاحون قلب المشهد، وكانت الترجمة الفكرية والإبداعية لهذا التحوّل، في صورة أفلام سينمائية تحتفى بالعمل والكفاح والإنتاج والكاتب المسرحي والروائي الرائد توفيق الحكيم كان ماهرا في التقاط النغمة المطلوبة، ليعزفها ويظل في قلب الحياة الثقافية والسياسية، وكتب قصة الأيدى الناعمة، لتواكب العصر الجديد عصر تحالف قوى الشعب العامل وهذه القصة كانت ضربة مزدوجة فضحت الطبقة الأرستقراطية التركية الشركسية التي حكمت مصر مدة تزيد على القرن ونصف القرن من الزمان، وامتصت عرق الفلاحين وعاشت غنية سعيدة منعمة، وغازلت قصة الأيدى الناعمة ثورة الشعب الكادحالشعب المصرى المشتاق للعدل الاجتماعي، وقالت إن العمل هو الطريق الوحيد للنهضة، فالبرنس الذي فقد أملاكه، عاش فترة وهو رافض ما حدث، لكنه أجبر على أن يعمل، فخلع تراثه الأرستقراطي ونسى لقبه - البرنس - وبحث عن عمل، وبالعمل استرد إنسانيته المفقودة، والمدهش أن - توفيق الحكيم - استرد وعيه القديم، بعد موت عبد الناصر وأصدر كتابه الذي حمل عنوان عودة الوعى وفيه أهال التراب على ما فعلته ثورة يوليو 1952 وقال لقرائه إنه عاش في زمن الثورة مغيبا واقعا تحت سطوة عبد الناصر والخطاب الوطني والقومي، ولم ينج الحكيم من النقد انتقده نزار قبانی ولويس عوض وغيرهما من كبار المثقفين العرب، وبقى فيلم الأيدى الناعمة الذي قام ببطولته الفنانون أحمد مظهر وصلاح ذو الفقار وصباح ومريم فخر الدين شاهدا على زمن تحالف قوى الشعب العامل، وشاهدا على ألاعيب توفيق الحكيم الذي نال التكريم في زمن ثورة يوليو ولقى الحفاوة من الدولة في صورة حصوله على جائزة الدولة التقديرية وتحويل أعماله الروائية إلى مسلسلات وأفلام وتمثيل مسرحياته على مسارح وزارة الثقافة.

 

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

«العزيمة».. أول فيلم واقعى فى تاريخنا السينمائى يقدم شغيلة الحارة

لو كنت قرأت مذكرات المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف لعرفت المعاناة التي عاناها فنانو الواقعية، رغم أن ستديو مصر...

أفلام الأضحى.. موسم سينمائى ملىء بالنجوم

كريم عبد العزيز وأحمد عز الأبرز

هانى شاكر..حكاية كل عاشق (ملف خاص)

رحل الفنان الكبير هانى شاكر، بعد رحلة كبيرة مع الفن والطرب والموسيقى...

فارس السينما الأكبر (5) مظهر يغامر ويفتح بيته لاجتماعات الضباط الأحرار

عندما قال عبد الناصر: اجمع رجالتك يا أحمد.. خلاص هنعملها! سافر مظهر للمشاركة فى دورة الألعاب الأولمبية فقامت ثورة يوليو...