الشيخ إمام.. فنان وطنى اختار التغريـد خارج السرب

قصة الشيخ إمام، أولها عذاب وفقر وفقدان بصر، وطرد من «الجمعية الشرعية» وآخرها انزواء فى غرفة متواضعة فى «حوش آدم» أو «خوش قدم»،

 وفى المنتصف كفاح من أجل تحقيق الذات والتعبير عن الموهبة التى تسكن الضلوع والقلب والروح والدم، وتفاصيل فقدان البصر فى الطفولة، ملخصها «فقر» أفضى إلى «العمى»، فالطفل الذى أصيب بالرمد الحُبيبى، كان سيئ الحظ، عندما عولج بروث البهائم، وهو علاج بدائى، بشع جعل الطفل يفقد بصره، ولم يكن أمامه طريق غير طريق «القرآن الكريم» فحفظه، وألحق بالجمعية الشرعية، التى كانت تنفق عليه وعلى عشرات غيره، باعتباره من فقراء «أبوالنمرس» بمحافظة «الجيزة» وشاءت الأقدار، أن تكون لدى الطفل «إمام محمد عيسى» الأذن الموسيقية التى تستعذب التجويد، فجلس يستمع «الراديو» المنبعث منه صوت الشيخ محمد رفعت، وأبلغ أحدهم عنه، شيوخ الجمعية الشرعية «السلفية» التى تعوله، فصدر القرار بطرده من الجمعية وقطع المساعدات عنه، لأنه ارتكب جُرماً عظيماً، جُرم الاستماع إلى الراديو، وهو حرام فى مذهب السلفيين، باعتباره بدعة وضلالة وكل ضلالة فى النار، فوجد «الشيخ إمام» نفسه عارياً، لا غطاء من العائلة، ولا مأوى يقيه شر الذئاب فى المدينة القاسية القلب، وشاءت الظروف أن يلقى «الشيخ إمام» رعايةً من بعض أهالى «أبوالنمرس» الذين يعملون فى حى «الغورية» وكان والده محمد عيسى غاضباً عليه مقاطعا إياه، عقاباً له على مخالفته قانون الجمعية الشرعية، وبقى «إمام» فى القاهرة، مع «بلدياته» ودبر له تجار «الغورية» راتباً يومياً، حتى يستطيع العيش، والراتب المقصود هو «أجر معلوم» مقابل قراءته آيات من القرآن الكريم فى المحال والدكاكين فى بدايات الأيام، استدعاء للرزق وتقرباً للرزاق الكريم، وبالمصادفة التقى «الشيخ إمام» شيخاً من شيوخ «صنعة الموسيقى» هو «الشيخ درويش الحريرى» وكان يسكن فى الحى الذى يسكن فيه، واحتضنه الحريرى وعلمه سر صناعة الألحان، وقدمه للملحنين الكبار، فاقترب «إمام» من الملحن «الشيخ زكريا أحمد» وكان زكريا يعتمد على ذاكرة «إمام» فى حفظ الألحان، فكان يلحن الأغنية، ويسمعه «إمام» فيحفظه، ولكن هذه المهمة، أغرت «إمام» بتسريب ألحان «الشيخ زكريا» للسيدة «أم كلثوم» قبل تقديمها على المسرح، فى حفلاتها الشهرية، وعرفت أم كلثوم، مصدر تسريب ألحان «زكريا» وعاتبت «زكريا» فوبخ «إمام» ووقعت بينهما قطيعة وجفوة وخصومة، وهذه الجفوة جعلت «إمام عيسى» يتجرأ على التلحين والتأليف، فكتب كلمات ولحنها، حتى كان اللقاء بينه وبين الشاعر «أحمد فؤاد نجم» الذى تعرف إليه عن طريق قريب له يقيم فى حارة «حوش آدم» أو «خوش قدم» وتناقشا فى مسألة التلحين والشعر، واتفقا على العمل سوياً، وتزامن هذا اللقاء مع لحظة «هزيمة 5 يونيو 1967» وخرجت أغنياتهما معبرة عن الإحباط والحزن والأسى الذى تمكن من قلوب المصريين، واحتضن المناضلون «الشيخ والصعلوك» وتوالت الأحداث، حتى أصبح الشيخ إمام، الملحن الثائر، والفنان الوطنى المغرد خارج السرب، وفى يوم «7 يونيو 1995» انتقل الشيخ المناضل إلى الرفيق الأعلى، ونشر نعيه فى «الأهرام» ونصه: «القوى الوطنية المصرية تنعى إلى الشعب المصرى والأمة العربية، فنان الشعب الشيخ إمام عيسى، ولد فى أبو النمرس 1917، ومات فى خوش قدم فى عام 1995، وتقام ليلة المأتم فى الثامنة، حتى العاشرة فى مسجد عمر مكرم».. رحم الله الشيخ الفنان المناضل.

"العصفور".. فيلم حاول البحث عن أسبـاب النكسة

فيلم «العصفور» من إنتاج العام 1972، والنكسة وقعت فى «5 يونيو 1967» ومطلق هذا الاسم «الرقيق» على «الهزيمة الموجعة» التى تلقاها الجيش والشعب فى مصر، هو «محمد حسنين هيكل» الكاتب الصحفى الذى كان «قلم عبدالناصر» وشريكه فى السلطة، و«النكسة» مصطلح خدَّاع، فهو يوحى بالأمل، وكأن «المريض انتكس» ولكنه قابل للشفاء، لكن الحقيقة لم تكن كذلك، فالنظام الذى كان قائما، كان مرشحاً للسقوط، والفشل، لأنه اعتمد على «الفهلوة» و«اللعب على الحِبال» والاستفادة من التناقض السياسى والعسكرى الذى كان سائداً بين «الكتلة الشيوعية بزعامة الاتحاد السوفييتى» و«الكتلة الغربية الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وعلى مستوى «الهيكل السياسى والخطاب والطبقة التى يمثلها» كان يتكلم وكأنه نظام اشتراكى، والحقيقة أنه نظام رأسمالى، وكان فى رأسه انقسام بين جناحين، جناح عسكرى، له رؤى تناقض رؤى الجناح المدنى، وهو الأمر الذى جعل «الهزيمة» حتمية، لأن التنسيق بين «الجيش والقيادة السياسية» كان منعدماً، وعبدالناصر كان يدير الصراع ضد إسرائيل ومن وراء إسرائيل، وهو مخدوع، فهو يصعد ويعلى من نبرة الخطاب، معتقدا أن لديه «الجيش القوى» القادر على القتال والنصر، وهذا لم يكن حقيقياً، والإعلام جعل الشعب يتوهم أن «المعركة» المقبلة، سوف تكون «نزهة» وجاءت الساعة التاسعة من صباح يوم الاثنين «5 يونيو 1967» لتضع حداً، لهذا الوهم الكبير الذى عاش فيه الشعب على مدى أسابيع، وكان الحزن كبيراً، والشعور بالخزى كبيراً، والجرح كان أعمق مما تخيله المتشائمون، وهذا كله جعل «يوسف شاهين» يفكر فى صيغة للتعبير عن هذه الأحزان المكبوته، مع التفكير فى المستقبل، فكان فيلم «العصفور» رسالة واضحة المعالم، يقول نصُّها إن «الهزيمة» حدثت، لأن «الديمقراطية» كانت غائبة، والشفافية، كانت منعدمة، والفساد مهيمن على الجهاز الإدارى، والمواطن مهمش، مكبوت، مغيب، والتخلف العلمى بالمقارنة مع العدوـ  يجعلنا غير قادرين على النصر.

محسنة توفيق.. «بهيّة» التى أحَبَّها الشعب المصرى

شخصية «بهية» اخترعتها الظروف السياسية التى كانت تمر بها مصر، بعد هزيمة «5 يونيو 1967» وعرفها الناس من أغنية «الشيخ إمام» التى كتبها «أحمد فؤاد نجم» وكانت ضمن فيلم «العصفور»، وكررها «يوسف شاهين» فى فيلم آخر له هو «الاختيار» وكانت الفنانة «هدى سلطان» هى «بهية» التى يستريح فى بيتها المتعبون، الحائرون، لكن «بهية» التى قدمتها «محسنة توفيق» فى فيلم «العصفور» هى التى أحبها الشعب المصرى، لأنها رفعت الشعار الوطنى «حنحارب.. حنحارب» الذى أبدعته جماهير»9 و10 يونيو 1967» رداً على خطاب التنحِّى الذى طرحه «عبدالناصر» على الجماهير، عقب «الهزيمة» ونسى الناس «بهية» التى قدمتها «هدى سلطان» وعاشت الفنانة المناضلة «محسنة توفيق» وهى «بهية» وكأن الأغنية التى غناها «الشيخ إمام» وكتبها «نجم» كانت مفصلة على مقاس روحها، فهى فى الفيلم، امرأة عاملة «خياطة» تربى ابنتها، وتفتح بيتها وقلبها للمناضلين الذين يسكنون فى الغرف الفقيرة التى تؤجرها لهم، وتحب الموسيقى، وتحب «يوسف» الصحفى المناضل الباحث عن الحقيقة، وملامحها الجميلة الهادئة الرقيقة، النابعة من كونها «نوبية» الأب، تركية الأم، جعلتها قريبة من قلوب الناس، وكان لها موقف سياسى وطنى معروف، هذا كله جعلها «فنانة حقيقية» تنحاز لكل المعانى النبيلة، وهى شقيقة الإذاعية الكبيرة «فضيلة توفيق» والفنانة «يسرا توفيق» وحصلت على وسام العلوم والفنون من الرئيس جمال عبدالناصر فى «فبراير 1967» أى قبل «الهزيمة» بشهور قليلة، وظلت موجودة فى قلب المشهد السينمائى، وقدمت أفلاماً منها «وداعاً بونابرت» و«قلب الليل» و«ديل السمكة» و«حادثة شرف» وشاركت فى مسلسل «ليالى الحلمية» وتمتعت بمحبة جمهورها حتى رحلت عن الدنيا فى «مايو 2019» عن عمر ناهز الثمانين عاماً.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محسنة

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م