آمن بضرورة الفكرة والثقافة
صلاح السعدنى (23 أكتوبر 1943 - 19 أبريل 2024) شاهدته للمرة الأولى شاباً نحيفاً يشاكس عبدالرحمن الخميسى فى فيلم «الأرض»، علوان الشاب البائس الفقير الذى يخترع الحيل وألاعيب الشطار والعيارين، ويقيم الدنيا من أجل الحصول على كوب شاى، وكان قبل هذا الدور قدم دوراً فى مسلسل «الضحية» الجزء الأول من رواية عبدالمنعم الصاوى المعروفة بخماسية الساقية، دون شك كان للأخ الأكبر الكاتب الساخر محمود السعدنى أثر كبير على صلاح الذى نشأ فى بيئة تهتم بالثقافة، فترسخ فى وعيه أن الممثل ليس فقط هو المؤدى الجيد لكن صاحب الوعى والرؤية، وكما كان لمحمود السعدنى آراء سياسية أدت إلى سجنه أيام عبدالناصر والسادات، كان للأخ الأصغر أيضاً رأيه السياسى وإن كان لم يقُده إلى السجن لكن كان له أثر كبير فى تحديد إقامته الفنية فى فى أحيان كثيرة.
السعدنى الذى قدم العديد من الأعمال الفنينة فى الدراما التليفزيونية والعروض المسرحية والأفلام السينمائية وأيضاً شارك فى الدراما الإذاعية، ما يميزه، بالإضافة إلى الأداء التمثيلى الخاص الذى اكتسب جزءًا كبيراً من مهارته من حياته وخبراته التى عاشها فى بيئة شعبية أصيلة فى الجيزة، جاء وعيه الذى اكتسبه من إيمانه بالثقافة، وضرورة انحياز الممثل وإيمانه بأهمية الفكر فتشكلت شخصية الممثل الذى يمتلك رؤية للعالم ووعياً نقدياً يرى من خلاله كل شخصية يؤديها، ودون شك يضيف إليها. وأذكر أننى تعرفت عليه عن قرب حين قدم دور حسن النعمانى أو حسن أرابيسك فى المسلسل الشهير، كان حسن النعمانى صاحب ورشة نجارة الأرابيسك الذى توارثها عن أجداده، وأدى دوره صلاح السعدنى ببراعة، وفى تلك المرحلة كان قد انتهى لتوه من تقديم شخصية العمدة سليمان غانم فى مسلسل ليالى الحلمية فى أربعة أجزاء، وكان السواد الأعظم من الجمهور والنقاد على يقين أنه لا يمكن أن يتجاوز هذه الشخصية التى عاش معها الجمهور سنوات وأصبحت جزءاً من الوجدان المصرى، لكن فاجأ صلاح السعدنى الجميع وتفوق على نفسه من خلال شخصية حسن أرابيسك، الشخصية الثرية التى كتبها عكاشة، وتدور حولها الحبكة الأساسية مع شخصيات أخرى تجسد وتناقش ملامح الهوية المصرية. وحين سألته عام 1994 كيف تخلصت من سليمان غانم؟ قال لى: لم أكن خائفاً لأننى أعرف جيداً أن الممثل عنده مخزون يلجأ إليه دائماً، المهم من يفجر هذه الطاقة، وهذا ما فعله هذا الرجل وأشار إلى أسامة أنور عكاشة «وكان يقصد السيناريو والحوار»، وظنى أن هذه إجابة طبيعية ومتوقعة من ممثل آمن بأهمية أن يكون الممثل مثقفاً ومارس العمل السياسى وتشكّل وعيه مبكراً بضرورة التكوين الثقافى للفنان بشكل عام. وكنا قد التقينا مع أسامة أنور عكاشة فى ورشة الأرابيسك التى تم فيها تصوير جزء من المسلسل فى خان الخليلى ومعنا صاحبها على حمامة، ودار بيننا حوار طويل، حكى خلاله السعدنى تاريخ الأرابيسك فى مصر، منذ أن جاءت هذه الصناعة بالصدفة وذلك حين حدث عجز فى الأخشاب أيام الفاطميين فبدأ الناس باستخدام قطع الخشب الصغيرة ونوى البلح الذى صنعوا منه المشربيات، فى دلالة على أنه لم يكتف بقراءة السيناريو بل بحث فى تاريخ الأرابيسك وكيفية دخوله مصر.
وفى تلك المرحلة عرفت لماذا نجح صلاح السعدنى فى أداء دور المثقف وكيف تميز فى الأدوار الأخرى وكيف كانت لديه القدرة على تجسيد شخصيات صعبة. هذا الفنان الذى تخرج فى كلية الزراعة ومارس فى مسرحها أولى خطوات مشوار التمثيل مع عادل إمام زميله فى سنوات الدراسة ورغم أنه قدم أدواراً مهمة فى المسرح وعلى شاشة السينما إلا أنه اكتسب شعبيته الكبيرة من خلال الدراما التليفزيونية، قدم العديد من المسلسلات قبل أن يكتب اسمه فى سجل الخالدين من خلال شخصيتين كان لهما الأثر الأكبر فى نجوميته مع الراحل أسامه أنور عكاشة من خلال شخصية سليمان باشا عمدة ميت الغانم فى أربعة أجزاء، ثم هذه الشخصية؛ حسن النعمانى فى مسلسل أرابيسك، وبالطبع لا يمكن اختزال تاريخه فى هاتين الشخصيتين لكن لا بد أن يتوقف أمامهما كل من يتعرض لتاريخ هذا الفنان بالإضافة إلى شخصيته الثرية فى مسلسل الناس فى كفر عسكر. وأيضاً الأعمال التليفزيونية الأخرى ومنها «أبنائى الأعزاء شكرا- صيام صيام - الزوجة أول من يعلم- النوة -حلم الجنوبي- رجل فى زمن العولمة- أوراق مصرية- الأصدقاء- القاصرات» إلا أن دور العمدة سليمان غانم فى أربعة أجزاء لمسلسل ليالى الحلمية هذا الدور الذى لعبت الأقدار دوراً كبيراً فى حصوله عليه، حين اعتذر سعيد صالح أصبح مع شخصية حسن أرابيسك أقرب إلى بطاقة هوية لهذا الفنان عند الجمهور.
فى المسرح بدأ صلاح السعدنى العمل مبكراً حيث شارك بدور صغير فى مسرحية «لوكاندة الفردوس» التى لعب بطولتها عبدالمنعم مدبولى وأمين الهنيدى منتصف الستينات، وفى عام 1974 رشحه يوسف السباعى للوقوف أمام سميحة أيوب فى مسرحية «العمر لحظة» وشارك أيضاً فى عروض أخرى مثل «الدخان» لميخائيل رومان، بالإضافة إلى «الناصر صلاح الدين، زهرة الصبار، قصة الحى الغربى» ولكن الحدث المسرحى الأهم فى حياته كان دوره فى مسرحية «الملك هو الملك» تأليف سعدالله ونوس وإخراج مراد منير وشاركه البطولة حسين الشربينى، ومحمد منير وفايزة كمال، وتم عرض المسرحية عدة مرات لعب فيها صلاح السعدنى دور أبوعزة المغفل الرجل البسيط الفقير الذى كان يسكر كل مساء ويتخيل أنه الملك، وذات مساء تنكر الملك مع وزيره، وراح يتفقد أحوال الرعية والتقى بهذا الحالم ولمعت الفكرة فى رأسه فحملوه سكراناً غائباً عن الوعى لينام فى سرير الملك على أنه لعبة ولهو وتسلية! ولكن أبوعزة المغفل حين نام فى سرير الملك محتمياً فى هذه الرموز/ رموز المللك التاج وملابس السلطة ليلة واحدة تلاشى المواطن المقهور قطعة قطعة وصار ملكاً أكثر من الملك ونسى الجميع وجه الملك الحقيقى ولم يلتفتوا سوى للرموز، أدى صلاح السعدنى هذه الشخصية الثرية والمركبة بوعى الممثل الذى يعرف جيداً خطورة هذه الشخصية المحملة بالرموز والدلالات السياسية.
فى أعماله السينمائية التى بدأت بفيلم الأرض شارك فى أفلام أخرى مهمة منها «شحاذون ونبلاء، أغنية على الممر، وصراع الأحفاد». والأخير عرض عام 1990 كان أيضاً أول فيلم يناقش خطورة توظيف الأموال، القضية التى عانى منها المجتمع المصرى فى ثمانينات القرن الماضى بطولة نور الشريف، ، ونورا، وصلاح السعدنى، وأمينة رزق، وفى تقديمه للفيلم قال كرم النجار مؤلف الفيلم إنه أول عمل سينمائى يناقش خطورة شركات توظيف الأموال وشاءت الصدفة أن يتم عرض الفيلم مع تصفية هذه الشركات حين أ دركت الحكومة خطرها على المجتمع، وكانت هذه الفكرة البنية السطحية للحكاية، أما البنية العميقة فتناولت سؤالاً مهماً مغزاه: أيهم يحقق العظمة الإنسانية فى أبهى صورها، هل هو المال أم القوة البدنية، أم العقل؟ وأدى صلاح السعدنى فى هذا الفيلم دور العقل حيث لعب دور المثقف فى الفيلم الذى تدور حبكته الأساسية حول الثروة التى تركها الجد وتقدر بخمسين مليون جنيه على أن تمنح للشخص الذى تزوج ويكون الأفضل لشروط وصية الجد، فيتزوج برهان المؤلف المسرحي/ صلاح السعدنى من خطيبته التى تتنازل عن كل شروطها، وهو يمثل العقل، أما الثانى فهو الملاكم يتزوج من خادمته وهو يمثل القوة، فى حين يتزوج الثالث كلاف البهائم الأهطل والمتخلّف كما يصوره الفيلم من أرملة ثرية ولعوب وهو يجسد المال والثروة، ويبدأ صراع الأحفاد حول الملايين ليكشف هذا الصراع عن مكنون النفس البشرية عند كل واحد منهم، وظنى أن صلاح السعدنى من خلال هذه الشخصية كان يجسد جانباً من شخصيته.
وأخيراً من يتأمل أدوار صلاح السعدنى الذى اعتزل التمثيل قبل عشر سنوات من رحيله، سواء هذه الأدوار فى المسرح أو السينما أو الدراما التليفزيونية والإذاعية سيجد أنه كان يختار بدقة وعناية هذه الأدوار وكأنه يبحث فى السيناريو عن الشخصية التى تناسب أفكاره وقناعاته وتجسد روح الشخصية المصرية، فلم يلجأ السعدنى أو يغامر بتاريخه ويقتحم المسرح التجارى أو سينما المقاولات، وظل محافظاً على مبادئه وقناعاته وانحيازاته الفكرية، ليحفظ المشاهد لهذا الفنان صورة ناصعة لم يلوثها الفن المزيف كما فعل آخرون. وداعاً صلاح السعدنى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...