ابن النيل.. من أفلام الصراع الحضارى بين القرية والمدينة فى مصر

من المهم أن نعرف أن الفن ليس انعكاساً مباشراً للحياة، لكنه تعبير عن أزمات الناس، بصورة جمالية، بمعنى أن الفنان عليه أن يشرّح الأزمة التى يعانى منها المجتمع، أو شريحة من شرائحه دون أن يتحول إلى ـ خطيب أو واعظ ـ لأنه فى هذه الحالة سوف يفقد صفة «فنان» وفى الوقت ذاته على كل فنان أن يمتلك أدواته حتى يمنح الجماهير الشعور بالمتعة التى هى الجسر الذى يعبر عليه المعنى أو الرسالة المقصود إرسالها عبر موضوع العمل الفنى،

 وهنا نقترب من فيلم جميل شاهدناه عشرات المرات من دون أن نمل أو نشعر بالثقل الذى يقع فيه بعض المخرجين، وهو ثقل ناتج عن غياب الشعور بمفهوم أو معنى ـ الإيقاع ـ الذى هو ضرورة لكل فن، وفيلم ـ ابن النيل ـ من إنتاج العام 1951 وهو من التجارب المبكرة للمخرج ـ يوسف شاهين ـ الذى تعلم السينما فى أمريكا، وجاء إلى مصر فى زمن الرومانسية، فكان عليه أن يكون رومانسياً فى السيناريو، ويكون أمريكياً فى التقنيات، بمعنى التطور والتقدم فى الأسلوب الفنى، خاصة فى التصوير ورسم الكادرات، وحركة الممثلين، أما الخطاب الذى يريد توصيله فهو خطاب الشارع المصرى الواقع تحت الاحتلال وفيه غضب فلاحى تفجرت مظاهره فى قرى الدلتا، خاصة فى قرية ـ بهوت ـ التى جاءت منها بشائر ثورة يوليو 1952، حيث قام الفلاحون بتنظيم احتجاج ضد الإقطاعى الذى كان يملك القرية ومن عليها من الفلاحين، هذه هى الحالة الاجتماعية التى كانت تعيشها مصر فى زمن إنتاج فيلم ـ ابن النيل ـ أما القصة فهى عن فلاح متمرد، يريد الحياة فى المدينة الناعمة، بعد أن رأى الحياة الخشنة فى القرية وعرف أنها لن تحقق له ما يتمناه، وكانت النتيجة، السقوط فى قبضة عصابة تتاجر فى المخدرات، وكان مصيره السجن لعدة سنوات، بعدها عاد إلى القرية ومجتمع الفلاحين، وعاش بالقرب من النهر العظيم، نهر النيل، والقصة ممتعة، بسيطة، وقد أجاد الفنانون: يحيى شاهين وشكرى سرحان وفاتن حمامة وفردوس محمد تصوير حياة العائلة الفلاحية باقتدار وكان الفيلم بداية موفقة للمخرج يوسف شاهين، وهو من الأفلام التى عبرت عن الفجوة الحضارية والصراع بين القرية والمدينة فى خمسينيات القرن العشرين.

الوحش.. صورة لجماعة صعيدية فى عصر الـملك فاروق 

قرية الصعيد تختلف عن قرية الدلتا من حيث الجوهر والمظهر والتكوين الثقافى، رغم أنهما ـ قرية الدلتا وقرية الصعيد ـ تعيشان على نهر النيل ومنه تستمدان الحياة، لكن ـ يا عزيزى القارئ ـ قرية الصعيد تنقسم إلى قديمة وحديثة، القديمة هى التى لم تعرف الانقطاع الحضارى منذ العصور القديمة، وتجد أسماءها غير عربية مثل: بنجا، الأغانة، طِما، بنَهو، وغيرها الكثير، والحديثة هى التى تكونت من عربان استقروا بعد أن رضوا بحياة الراحة بدلاً عن حياة التجوال فى الصحارى، وهم فى دفاتر حكومة ـ محمد على ـ يسمون: عُربان الحيط، وهم يختلفون عن: عربان الخيش، عربان الحيط هم من استقروا وبنوا الجدران ـ الحيطان ـ وعربان الخيوش هم من تمسكوا بالبداوة والحرية والتحرر من القيود وعاشوا فى الخيوش، أو بيوت الشَّعر أو الخيام فى الصحارى، والفارق بين القرى التى كوّنها ـ عربان الحيط ـ والقرى المصرية القديمة، فارق فى أسلوب الحياة، قرى العربان فيها ـ القتل والسرقة ـ أكثر من القرى القديمة، وفى إحدى هذه القرى الحديثة فوق جبل ـ دُرُنْكة ـ فى أسيوط، ظهر: محمد منصور الخَط، الذى ارتكب جرائم القتل والخطف وـ دوَّخ ـ ثلاث حكومات هى: حكومة النقراشى وأحمد ماهر وإسماعيل صدقى، فى النصف الثانى من أربعينيات القرن العشرين، فى العصر الملكى، وهذا المجرم الخطير شغل المجتمع، وكتبت عنه الصحف وانشغل به الملك فاروق وعاتب من أجله مدير أسيوط الشاعر ـ عزيز أباظة ـ وقال له هازئاً:

ـ قل لى يا باشا.. هوه اسمه الخَط ولّا الحظ؟

والسخرية واضحة فى عبارة الملك، يريد أن يقول لمدير المديرية إن عجزك أنت ورجالك عن القبض على هذا المجرم يجعله محظوظاً، فيصح أن نسميه: الحَظ.

وعموماً هذا المجرم كتب قصته صلاح عيسى فى كتابه: أفيون وبنادق واستلهم منه المخرج ـ صلاح أبو سيف ـ شخصية ـ عبد الصبور فى فيلم: الوحش الذى أخرجه فى العام 1954، وشارك فيه الفنانون: أنور وجدى ومحمود المليجى وعباس فارس وسامية جمال وسميحة أيوب والطفل سليمان الجندى، وهو من أفلام قليلة حاولت الاقتراب من عالم القرية الصعيدية، فى سياق سياسى واجتماعى لم يكن يسمح بغير ما وصل إليه ـ أبو سيف ـ من تصوير للرعب الذى عاشه الأهالى تحت سطوة مجرم استغل غياب الدولة وضعف أجهزة الأمن فى أواخر العصر الملكى.

الأرض.. تجربة سينمائية ناضجة توافرت لها أسباب النجاح

هذا الفيلم من أجمل وأروع وأرقى ما قدمه جيل الأربعينيات فى الثقافة المصرية لخدمة قضية الفلاح وعلاقته مع الواقع السياسى والاقتصادى الرهيب الذى عاشه تحت سطوة العائلة المالكة والأحزاب فى الحقبة التى يسمونها ـ الحقبة الليبرالية ـ وهى حقبة ليبرالية خلقها ملّاك الأراضى الزراعية بالتعاون مع الاحتلال البريطانى والقصر الملكى، وكان الفلاحون فيها مجرد أدوات يجرى توظيفها لخدمة هذا الحزب أو ذاك، وفيلم الأرض مأخوذ من رواية واقعية للروائى والصحافى الرائد ـ عبد الرحمن الشرقاوى ـ الذى بدأ حياته الصحفية والسياسية فى أربعينيات القرن العشرين، وهو من رواد المسرح الشعرى والقصيدة الجديدة ـ قصيدة التفعيلة ـ التى كانت التمرد الكبير على القصيدة العمودية المعتمدة على أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدى، وسيناريو الفيلم كتبه ـ حسن فؤاد ـ وهو فنان تشكيلى ومخرج صحفى كان له دوره فى اكتشاف مسارات جديدة للرسم الصحفى وشكل الصحيفة الورقية فى خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ومخرج الفيلم هو يوسف شاهين، وأبطال الفيلم محمود المليجى وعزت العلايلى وعلى الشريف وتوفيق الدقن وعبد الرحمن الخميسى ويحيى شاهين وحمدى أحمد، وكلهم ينتمون إلى حقبة الأربعينيات، بالوعى والمعايشة والأحلام، كلهم عاشوا تحت الاحتلال وكلهم عاشوا فساد الأحزاب والحياة السياسية وقرأوا قصة الصراع بين الملك فاروق ووالدته وشقيقته التى تزوجت من ـ رياض غالى ـ القبطى الصعيدى وعاشت معه فى أمريكا بدعم من والدتها الملكة نازلى، والنجاح الذى حققه الفيلم كان من أسبابه تطبيق المثل الشعبى: ادّى العيش لخبازه، بمعنى أن يوسف شاهين لم يمارس ثقافته واستعراضه الذى مارسه فى أفلام تالية فجاءت مرتبكة المضامين مشوشة مثل طريقته فى الكلام، وكان فريق العمل من الفرز الأول، الروائى والسيناريست والمصور وفريق التمثيل، والقضية نفسها ـ قضية الأرض والفلاح والسلطة الغاشمة ـ كلها تحولت إلى أسباب للنجاح، وزمن إنتاج الفيلم ـ 1970 ـ العام الذى رحل فيه جمال عبد الناصر، راعى الفلاح المصرى، كان أيضاً من أسباب نجاح الفيلم وبقائه فى ذاكرة الجماهير المصرية والعربية.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م