فى الفترة التى كان فيها محمد محمود شعبان يقود العمل الإذاعى، كانت له بصمات فى برامج التراث، هذا بالطبع إلى جانب دوره الإدارى..
ورغم أن شهرته حققها من خلال برنامج الأطفال الذى سلمه بعد ذلك إلى «أبلة فضيلة» فإن البرامج ذات الصبغة التراثية كانت من مقترحاته، ومنها «كتاب الأغانى» وهو برنامج له راوٍ هو الفنان «حسن البارودى»، وفيه يقوم بدور المؤرخ والباحث فى علوم الموسيقى العربية والتاريخ والأنساب «أبوالفرج الأصفهانى».. وأبوالفرج الأصفهانى روى قصص المطربين والملحنين فى كتاب ضخم مكون من أجزاء، وأصبح كتابه المرجع المهم فى تاريخ الموسيقى العربية.
وولد الأصفهانى فى «أصفهان» وعاش حياته فى «بغداد» وفيها مات ودفن، وكتابه «الأغانى» المكون من واحد وعشرين جزءاً طبعته وزارة الثقافة المصرية عدة مرات «الهيئة العامة للكتاب» وجعلته الإذاعة المصرية فى حلقات تجمع بين الغناء والمسامع الدرامية، وشارك فيه المطربون الكبار مثل «كارم محمود» والفنانون المسرحيون القادرون على التعبير بالصوت، ووضع المستمع فى بيئة الحدث المروى فى الكتاب، واختير الفنان ـ حسن البارودى ـ للقيام بمهمة الراوى، وهو فنان متمكن من أدواته، وهو من الرعيل الأول، ولد فى القاهرة فى عام 1890 وكان «المسرح المدرسى» نقطة انطلاقه، ومنه اتجه إلى احتراف التمثيل من خلال فرقة «حافظ نجيب» وفرقة «رمسيس» التى كونها «يوسف وهبى» وفرقة «فاطمة رشدى».. ثم كون فرقة بالتعاون مع الفنانة «نجمة إبراهيم» وكان يطوف القرى والمدن ويقدم عروضه المسرحية للجماهير.. ومع الطفرة المسرحية التى شهدتها مصر فى ستينيات القرن الماضى ظهر «البارودى» فى مسرحيات مهمة حققت نجاحاً، منها «سكة السلامة» و«السبنسة»، وكان له تاريخ طويل مع السينما، بدأه مع فيلم «ابن الشعب» فى عام 1934 وفيلم «عاصفة على الريف».. ومن أدواره المشهورة دور الشيخ فى «الزوجة الثانية»، وهو الذى مارس تزويراً فى تفسيرالآيات القرآنية، ليمكن العمدة «صلاح منصور» من تحقيق هدفه، وهو الزواج من زوجة فلاح مسكين «شكرى سرحان» بعد إرغامه على تطليقها بالقوة والترهيب.. وللفنان حسن البارودى دور مهم فى فيلم «درب المهابيل» من إخراج توفيق صالح، وكان آخر ما قدمه لجمهور السينما دوره فى فيلم «العصفور» للمخرج يوسف شاهين.
وظل برنامج «الأغانى للأصفهانى» علامة فى تاريخ البرامج الدرامية التراثية بفضل أسلوب البارودى وقدرته على جعل جماهير الإذاعة يتلهَّفون لسماع الحلقات، وهو من البرامج الرمضانية المشهورة فى تاريخ الإذاعة المصرية.
إسماعيل ياسين ووداد حمدى فى «بيت جُحَا» طـوال شهر رمضان
مسلسل «نوادر جحا» كان من الأعمال الرمضانية التى قدمها الفنان إسماعيل ياسين فى أوج نجوميته وازدهاره الفنى، وشاركته البطولة فيه الفنانة المغدورة «وداد حمدى».. وحياة هذين الفنانين مليئة بالدراما، والنهاية كانت عنيفة.. كانت نهاية إسماعيل ياسين هى الإفلاس وبيع كل ما اقتناه من عقارات والعودة إلى الكباريهات لتقديم المونولوجات تحت ضغط الحياة الصعبة، وهو الذى قدمت الإذاعة المصرية قصة حياته، وكان هو الراوى.. حكى عن حبه للفن وطموحه الذى جعله يظن فى نفسه الطَّرب وامتلاك القدرة على اقتحام ساحة الغناء لينافس «عبدالوهاب»، وبالفعل ترك مدينة السويس وجاء إلى القاهرة، وعرف الجوع والتشرد والنوم فى المساجد، وصمد فى وجه المدينة التى لا تعرف الرحمة، واستطاع دخول مجال الفن من خلال تقديم «المونولوجات» فى صالة الراقصة «بِبَا عزّ الدين»، وتوالت الأيام ولمع نجمه فى السينما، وأصبح الكوميديان الأول.. وجاءت ثورة 23 يوليو 1952 ووجد فيها ضالته، وانحاز بقوة لأهدافها، وقدم مجموعة أفلام تحرض الشباب على اللحاق بالجيش، وتمنح الناس ثقة ًفى القيادة السياسية الوطنية، وكان لهذه الأفلام أثرها البالغ على عقول الجماهير فى تلك الفترة، وكان من المتبرعين بالمال لتسليح الجيش الوطنى، لكن هناك من حقد عليه وجعله ينهار اقتصاديا، ويخسر كل شىء، ويصبح مُطارداً من جانب مصلحة الضرائب باعتباره متهرباً من أداء ما عليه من ضرائب لخزانة الدولة، وانهارت أسطورة الفنان الذى أضحك الشعب وحقق شهرة لم يحققها واحد من أبناء زمنه، فهو الذى أصبح اسمه علامة تجارية، وفى تاريخه ثمانية أفلام حملت اسمه عنواناً لها مثل «إسماعيل ياسين فى الأسطول» و«إسماعيل ياسين فى متحف الشمع».
والفنانة «وداد حمدى» كانت أيضا تعتزم دخول مجال الغناء، لكن خفة الدم التى تمتعت بها فتحت لها باب السينما، وحققت نجاحا ًفى دور «الخادمة»، وقدمت أعمالا إذاعية منها «ألف ليلة وليلة» و«نوادر جُحَا»، وهو المسلسل المستمد من حكايات متوارثة عن رجل اسمه «جحا» شغل الناس وشغل المؤرخين والباحثين فى التراث الشعبى والمتخصصين فى الدراما الإذاعية والتليفزيونية، وهو شخصية اختلف الناس حولها، ومنه نسخة تركية، لكن النسخة العربية تخبرنا عنها كتب المؤرخين، لنعرف أنه «أبو الغصن دجين الفزارى» من قبيلة «فزارة» وهذه القبيلة لها وجود قوى فى مصر، فى أسيوط وسوهاج والفيوم وغيرها، وعاش ـ أبو الغصين ـ فى زمن الدولة الأموية، وكان فقيراً يعيش الحياة بالسخرية، وكانت مدينة «الكوفة» موطنه الذى فيه عاش، وكانت له مواقف ساخرة تناقلها الناس وكتبها المؤرخون، فهو الذى وصلنا خبره مع «حماره» فى كتب القراءة المقررة على تلاميذ المدارس، وهو من شغل القائمين على الإذاعة المصرية فقدموا نوادره وحكاياته فى مسلسل، وشغل القائمين على الدراما التليفزيونية فجعلوا من الفنان «يحيى الفخرانى» معبراً عنه فى حلقات درامية تذيعها قناة «ماسبيرو زمان»، ومما رواه المؤرخون عن جُحَا أن والدته كانت تخدم فى بيت «أنس بن مالك»، وقال عنه الدكتور محمد رجب النجار، وهو متخصص فى علم «الفولكلور» فى كتاب له عنوانه «جحا العربى».. إنه شخصية معبرة عن الوجدان الجمعى للشعوب العربية وهو لسان حالها المعبر عن رفضها للواقع السياسى والاقتصادى والاجتماعى الذى كان سائداً فى القرون الماضية.
على الزَّيبق وحلَّاق بغداد
بأصوات فؤاد المهندس وعبدالمنعم مدبولى ورفيعة الشَّال
فى حلقات «ألف ليلة وليلة» التى أخرجها محمد محمود شعبان، هناك ملمح مهم، هو أصوات الفنانين الذين قدموا الحكايات الشعبية التى تضمنتها الليالى، وملمح آخر لا يقل أهمية هو الأسلوب الذى كتبت به هذه الحكايات.. وهذه الليالى التى قدمتها الإذاعة فى حلقات بلغت ثمانمائة حلقة ويزيد ظهرت فيها موهبة «طاهر أبوفاشا» الكاتب الشاعر الذى استوعب الفروق بين اللهجة العامية المصرية والعربية الفصحى، واستطاع أن يقدم اللهجة التى كانت سائدة فى زمن الليالى وعصر الحكايات الشعبية.. وحكاية «على الزّيبق» احتلت مساحة كبيرة من الليالى الإذاعية، وهى حكاية عالجتها الإذاعة فى نموذجين منفصلين، نموذج أخرجه حسنى عبدالعزيز وقام ببطولته عادل خيرى وسامية رشدى وعبدالغنى قمر، وهو من إبداع «طاهر أبوفاشا»، ونموذج أخرجه إسماعيل العادلى وكتبه الكاتب المسرحى ميخائيل رومان، وأنتجه اتحاد الإذاعة والتليفزيون فى حلقات تليفزيونية من تأليف يسرى الجندى، وقام بالبطولة فاروق الفيشاوى وأبوبكر عزَّت وهدى سلطان.
وحكاية «على الزيبق» هى حكاية الصراع بين الشعب والسلطان «عنجر البظاظ» سلطان «دار السلام».. وبعيداً عن الأسماء والأماكن، هى حكاية المقاومة الشعبية المصرية ضد الحكم العثمانى المملوكى، وهى مقاومة قامت على الذكاء والحيلة.. أما حكاية «حلاق بغداد» فهى مشهورة أيضاً، وفى حلقات ألف ليلة وليلة الإذاعية شارك الفنانون عبدالمنعم مدبولى وفؤاد المهندس ورفيعة الشّال وسامية رشدى بروح مصرية شعبية، على سبيل المثال، قدم «عبدالمنعم مدبولى» شخصية «على الزّيبق» وقدم «فؤاد المهندس» شخصية «الجزار» فى حكاية «حلّاق بغداد»، وقدمت رفيعة الشال شخصية «دليلة المحتالة» التى تخوض حرباً طويلة ضد «على الزيبق» وينتصر عليها فى النهاية.. وهذه الأصوات الرائعة المميزة المدركة لمعنى التمثيل أمام الميكروفون هى التى بعثت الحياة فى أبطال «على الزّيبق» و«حلّاق بغداد» وجعلتها من عيون الفن الإذاعى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...