لماذا قال عنهــا عبد الوهاب: «ســــر تفردها هو القرآن»؟! / كتبت بنفسها قصيدة فى المديح.. كتبت بنفسها قصيدة فى المديح.. عن «النبى بدر التمام» / قراءة جديدة فى المذاق الصوفى لتجربة أم كلثوم الغنائية
تخرجت أم كلثوم فى مدرستين عظيمتين، إحداهما سماوية والأخرى بشرية، منهما تعلمت وتثقفت، وألقت تأثيراتهما بظلال كثيفة فى صناعة شخصيتها الفنية وفى تكوينها الإنسانى والروحى والدينى ..
وأما المدرسة البشرية فتتمثل وتتجسد فى هذا الشاعر الفذ، رفيق رحلتها وعاشقها المتيم، وصاحب النصيب الأوفر فى كلمات أغانيها، والذى نعرفه باسم أحمد رامى..
و"رامى" فى حياة أم كلثوم أكبر من مجرد شاعر يذوب فيها حبا، وينسج لها من حبر قلبه أرق الكلمات وأصدق الأغنيات، فدوره أخطر وأعمق من ذلك بكثير، فهو الذى أخذ بيدها إلى سماوات الشعر والفكر وبحور الثقافة، وإن شئت فقل إنه معلمها وأستاذها ومرشدها (رغم أنه يكبرها بست سنوات فقط)، ومن خلاله قرأت عيون الشعر العربى وأمهات كتب التراث، وإدراكا منها لأهمية هذا الدور وذلك التأثير خصصت له يوما تتفرغ فيه للجلوس معه، تسمع منه الشعر وتتذوقه وتتفتح مداركها وتتسع بالحوار معه، وهكذا أصبح يوم الاثنين فى حياتها - مهما كانت مشاغلها - هو "يوم سى رامى" ..
عنه قالت وبدوره اعترفت:
"على يدى رامى قرأت "الأغانى" فى أحد عشر جزءا، وقرأت "كليلة ودمنة"، وقرأت كل الشعراء القدامى حتى تمنيت يوما أن أكون شاعرة، وأحس رامى بهذا وكان يقول لى: لا عليك إن لم تكونى شاعرة.. إن تذوق الشعر وحده موهبة، ولعل هذا التذوق وحفظ ألوف الأبيات الشعرية من قديم وحديث هو الذى أعاننى بعد ذلك على أن أختار من قصيدة فيها مائتا بيت ثلاثين بيتا أغنيها، فلا يحس المستمع أننى قفزت من بيت إلى بيت وتركت عشرة أو عشرين بيتا، بل لعل هذه الرحلة مع الشعر هى التى مكنتنى من أن أضع كلمة مكان كلمة فى قصائد كثيرة فلا يحتج أصحابها لأنهم لا يحسون أننى قصمت ظهر البيت أو غيرت المعنى"..
(1)
وأما المدرسة السماوية فكانت الأسبق والأكثر تأثيرا، ونقصد بها علاقتها بالقرآن الكريم.. وميلادها ونشأتها فى أسرة تعيش على خدمته وبنوره وفضله.
لا أريد أن أتوقف كثيرا عند تلك المرويات الأسطورية التى تختلط فيها الخيالات بالحقائق، وخاصة ما يتصل بميلاد أم كلثوم فى ليلة القدر وبالرؤية التى رآها والدها الشيخ إبراهيم البلتاجى، مؤذن مسجد طماى الزهايرة ومنشدها فى المناسبات الدينية، حيث جاءته سيدة نورانية يبدو على هيئتها سيماء الصالحين، وقدمت له لفافة خضراء، بدا أن بداخلها شيئا يخطف الأبصار من شدة بريقه، وقالت له وهى تهم بالانصراف: هذه جوهرة، ستكون وش السعد عليك، فحافظ عليها، وكشفت له صاحبة البشارة أنها أم كلثوم بنت النبى، وأفاق من رؤيته على صوت شقيقه الشيخ عبد النبى: مبروك يا شيخ إبراهيم.. الست أم خالد ولدت وجابت بنت زى القمر!
وأدرك الشيخ إبراهيم تفسير الرؤيا، فكان أول ما فعله أن اختار لمولودته اسم صاحبة البشارة.. أم كلثوم.
وفى مذكراتها حكت أم كلثوم الحكاية بطريقة مختلفة، لكن النهاية كانت واحدة، وهى أنها حملت اسم بنت النبى الذى اختاره لها والدها ..
وبعيدا عن تلك الأساطير تبقى الحقيقة التى لا تقبل الجدل، وهى أن ميلادها لأسرة يعمل ربها كشيخ للمسجد وحافظ للقرآن ومنشد للتواشيح فى المناسبات والموالد، كان له التأثير الأكبر والأهم فى تكوينها، فكان حفظ القرآن وغناء التواشيح – على درب الأب- هو قدرها ومصيرها..
السنوات التى قضتها أم كلثــــوم فى "كُتّـــاب" الشيخ عبد العزيز بقريتها ثم "كُتاب" الشيخ إبراهيم جمعة بقرية "الحوّال" المجاورة، تحفظ ما تيسر من سور القرآن، ثم سنوات تالية رافقت فيها والدها وشقيقها الشيخ خالد فى إحياء المناسبات وموالد الأولياء بإنشاد المدائح النبوية، لاشك أنها تجربة تركت أثرا لا ينمحى فى لسانها ووجدانها، فقد اعتاد لسانها واستقام على النطق السليم، كما تشبع وجدانها بتلك المدائح التى تفيض حبا فى الله ورسوله وآل بيته..
كان الشيخ إبراهيم البلتاجى إلى الإسلام الصوفى أقرب، وهو ما تبدى فى اختياراته للتواشيح ذات المذاق الصوفى، والتى كان يختارها من روائع شعــراء المتصوفة –كبردة البوصيرى مثلا-، أو يكتبها بنفسه على نفس المنوال والحالة..
ولم يتغير الأمر كثيرا عندما اكتشف الرجل "الجوهرة" التى رزقه الله بها، فارتضى أن تتقدم هى المشهد ويقود هو الكورس أو البطانة التى تـــردد وراءها، فقد ظلت أم كلثوم - المطربة الصغيرة التى ذاع صيتها فى القرى المجاورة وعبر الحدود إلى محافظات مصر وطرق أبواب العاصمة – متمسكة بهويتها الدينية (وعقالها) تنشد المدائح والتواشيح، سواء الموروثة من كتب التراث، أو التى كان يكتبها أبوها الشيخ إبراهيم، أو التى كان يكتبها أصدقاؤه ومعارفه كالشيخ إبراهيم جمعة شيخ كُتاب "الحوّال" الذى حفظت أم كلثوم على يديه القرآن الكريم، أو التى كانت تكتبها هى بنفسها..
مكّنها إتقانها للقرآن وإلمامها بالشعر وبما تعلمته من والدها أن تكتب قصائد فى الحب الإلهى والمديح النبوى، وكان عمرها 15 عاما عندما كتبت أولها، تلك التى يقول مطلعها:
تبارك من تعالى فى علاه / يقول للعبد اطلبنى تجدنى
أنا المطلوب فاطلبنى تجدنى/ وإن تطلب سواى لم تجدنى
كما كتبت موشحا فى مدح النبى يقول:
صل يا رب وسلم / على النبى بدر التمام
يا حبيبى يا محمد / أنت مصباح الظلام
لكنها كانت تعطى الأولوية فى غنائها للقصائد التى كتبها أبوها، اعترافا بفضله وتقديرا لدوره، وربما كان أبرزها قصيدته "من الله نرجو الغفران"..
وحتى عندما حدثت النقلة الأولى الأكبر فى حياتها بلقائها بالشيخ أبو العلا محمد، (أحد كبار المجيدين فى مدرسة الغناء والطرب المصرية التى قامت على أكتاف "المشايخ"، بحكم الخلفية الدينية لرموزها ومبدعيها).. فإنها لم تبتعد كثيرا، إذ كانت أغانى الشيخ أبو العلا من نفس المدرسة المحافظة، وهو ما يتجلى مثلا فى كلمات ولحن أشهر أغانيه: وحقك أنت المنى والطلب..
لكن تأثير الشيخ أبو العلا الأخطر فى حياة أم كلثوم يكمن بالأخص فى:
- أنه علمها أن تتذوق الشعر وتفهم معنى الكلمة قبل أن تغنيها..
- أنه كان سببا فى لقائها بأحمد رامى.. وما أدراك ما رامى فى حياة أم كلثوم!
(2)
هذه البداية الدينية ذات المذاق الصـــوفى فى مسيرة أم كلثوم الغنائية ظل تأثيرها ممتدا وفاعلا وحاضرا:
- تراه فى الإتقان الشديد فى لغتها ونطقها، كل حرف فى موضعه، وكل كلمة موزونة بميزان الذهب، لا خطأ فى تشكيل أو تشكيك فى جملة.. ولا شك فى أنه إتقان بتأثير القرآن، وهو المعنى الذى قصده موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عندما قال عنها:
"هذه الموهبة اللى ربنا خلقها لها ولا خلقهاش لحد غيرها، فى التأدية أو أدائها للكلمة.. وهى هنا تملك ناحية تكاد تكون متناقضة وغير موجودة عند غيرها، وهى أنها تجمع بين القوة والإحساس.. يعنى الشائع أن الصوت القوى يبقى قليل الإحساس، والصوت الضعيف يبقى إحساسه قويا.. صوت أم كلثوم لامع وقوى وفيه إحساس يمس القلوب.. ونيجى لطريقة اللفظ بتاعها، كانت فصيحة مُبينة، اللفظ عندها باين وواضح.. فيه مغنين أو مغنيات لما تسمعهم تقول: هم بيقولوا إيه؟.. فى حالة أم كلثوم هى تقول ما نسمعه بالضبط، وممكن تجيب ورقة وقلم وتكتب من بُقها ما كتبه مؤلف الغنوة بالحرف.. ودى ميزة افتكر أنها اكتسبتها من قراءتها للقرآن.. قدرت بالقرآن تصحح مخارج ألفاظها"..
- وتراه ثانيا فى اختياراتها الغنائية.. فمن غير أم كلثوم يمكن أن يختار قصيدة قديمة فى صعوبة "أراك عصى الدمع" لتغنيها.. وتؤديها بتلك العذوبة، بل ربما لا تقل فصاحة عن شاعرها أبو فراس الحمدانى..
- وتراه ثالثا وهذا هو ما نود أن نتوقف عنده فى تجربتها الملهمة فى الغناء الصوفى.. وخلال تلك التجربة لا يمكن أن نتخطى معالم وعلامات فى طريقها:
أولا: القصائد الأربعة الأعظم التى كتبها أمير الشعراء شوقى ولحنها أمير النغم السنباطى.. إجمــــالا غـــــنت أم كلثوم 10 قصائد لشوقى بك، وجميعها غنتها بعد رحيله وليس فى حياته، وجميعها لحنها السنباطى، وهو اختيار أم كلثوم الأول فى تلحين القصيدة، والدينية بالذات، وكان السنباطى "منفوحا" بالتعبير الصوفى، وتحس أن ألحان قصائده الصوفية تتنزل عليه، فلا يمكن أن تكون من صنع بشر..
ومن بين القصائد العشر التى جمعت بين كلمات شوقى ونغم السنباطى وصوت ثومة تتألق قصائد أربع، يعدها المنصفون من النقاد والسميعة أعظم ما قُدم فى الغناء الصوفى.. كان أولها قصيدة "سلوا قلبى" وغنتها عام 1946، واختارت منها أم كلثوم 21 بيتا من بين 71 عدد أبياتها..
وفى العام نفسه غنت "نهج البردة" وهى أطول قصائد شوقى الصوفية وتصل أبياتها الأصلية إلى 190، اختارت منها أم كلثوم 30 بيتا بمشاركة السنباطى..
وغنت "ولد الهدى"، واختارت 34 بيتا من إجمالى أبياتها الـ 129..
وكان مسك الختام مع "إلى عرفات الله"، التى كتبها شوقى فى العام 1910 وانتظرت القصيدة نصف قرن إلى أن شدت بها أم كلثوم لأول مرة فى 6 ديسمبر 1951
ثانيا: الدرر الفريدة، ونقصد بها هنا ثلاث قصائد بالذات، لكل منها شاعر مختلف ويجمعها ألحان السنباطي.. أولاها "رباعيات الخيام" للشاعر الفارسى الفذ عمر الخيام بترجمة أحمد رامى، وغنتها عام 1949.. وثانيتها "حديث الروح"، قصيدة الشاعر الباكستانى الكبير محمد إقبال التى ترجمها من الأوردية الشاعر الصاوى شعلان.. وغنتها أم كلثوم فى العام 1967.. وثالثتها كانت الوحيدة بالعامية المصرية، كتبها بيرم التونسى عن تجربته فى أداء شعائر الحج حيث فاضت روحه بالتجليات، وهى آخر ما غنت أم كلثوم من كلمات بيرم وألحان السنباطى فى العام 1972.
ثالثا: تجربتها مع أغنيات أوبريت "رابعة العدوية"، وهى عبارة عن 6 أغنيات كتبها الشاعر الصوفى طاهر أبو فاشا ضمن الأوبريت الذى يروى سيرة أشهر سيدات التصوف الإسلامى.. ونجح أبو فاشا فى إقناع أم كلثوم بأن تشارك كمؤدية ومغنية فى الأوبريت الذى أصبح حدثا فنيا اهتزت له مصر حينها فى سنوات الخمسينات، وشارك فيه نخبة من ألمع ممثليها: حسين رياض، علوية جميل، عباس فارس، فاخر فاخر، صلاح منصور، فؤاد شفيق، عايدة كامل، عبد الرحيم الزرقانى وحسن البارودى وأخرجه عثمان أباظة..
وعندما قرأت أم كلثوم الأغنيات الست فإنها بخبرتها وبفطرتها وزعتهم على ثلاثة ملحنين اختارتهم بنفسها وحددت لكل منهم أغنيتين، فكان السنباطى من نصيبه: يا صحبة الراح، وعرفت الهوى، وأسندت إلى الموجى: حانة الأقدار وأوقدوا الشموع، فى حين ذهبت أغنيتا: غريب على باب الرجاء و لغيرك ما مددت يدا إلى كمال الطويل..
وحدث أثناء تسجيل الأوبريت أن همس مخرجه عثمان أباظة بملاحظة ذكية لأم كلثوم: فالمقطع الأخير من قصيدة (غريب على باب الرجاء) لا يتناسب لحنه بما فيه من دفوف ومزاهر مع الحالة الدرامية التى تدخل فيها الأغنية، وهى حالة التعذيب الوحشى التى تتعرض لها رابعة من سيدها ليجبرها على مواصلة حياة اللهو التى قررت أن تودعها بلا رجعة ولا تتراجع عن الطريق الذى سارت فيه إلى الله!
وبلا تردد قررت أم كلثوم أن تحذف الأغنية وطلبت من (أبو فاشا) كتابة أغنية جديدة مناسبة للحالة الدرامية، لكنه لم يقتنع بمنطقها وكان من رأيه إجراء تعديلات فى لحن الأغنية الجاهزة، وأصر على رأيه وتوقف العمل لمدة ثلاثة شهور، راحت فيها أم كلثوم تطارده وتلح عليه لكى يكتب الأغنية الجديدة، إلى أن استجاب ورضخ وكتب (على عينى بكت عينى) التى أسندت أم كلثوم تلحينها إلى السنباطي.. أروع من لحن الأغنية الصوفية.
(3)
كانت أم كلثوم تعتز وتفتخر برصيدها من الأغانى الصوفية، ومن أجمل لحظات حياتها هذا الموقف الذى عاشته فى الإسكندرية ذات ليلة:
"عندما غنيت قصيدة "ولد الهدى فالكائنات ضياء" كنت مترددة لأنها قصيدة صعبة، ولكنى غنيتها لأنها أخذتنى بمعانيها الصوفية العميقة، وذات ليلة كنت فى الإسكندرية وذهبت إلى كازينو الشاطبى، وهناك تتناثر الملاهى التى تقدم أنواع الفنون المختلفة، وبلغ مسمعى من ميكروفون مرتفع الصوت ذلك المقطع من القصيدة: "أبا الزهراء قد جاوزت قدرى بمدحك"، ولحظتها شعرت بسعادة لا تُوصف، لأن معنى ما سمعت أن القصيدة وصلت إلى الناس"..
وعلى كثرة ما نالته أم كلثوم من أوسمة ونياشين وألقاب وما كتب عنها وفيها من مقالات وقصائد، فإنها كانت تعتز بتلك التى تنصف دورها فى رفع راية اللغة العربية والإسلام.. وبينها ذلك الوصف الذى خلعته عليها مجلة "لايف" الأمريكية الشهيرة: إن ما قدمته أم كلثوم على امتداد خمسة وثلاثين سنة يجعل منها الوتر الحساس للإسلام.. واعتراف مفتى سوريا: إن أم كلثوم تقوم بدعاية للإسلام فى قصائدها الدينية أكثر مما تقوم به المؤسسات الدينية الرسمية..
وبينها ما كتبه عنها عميد الأدب العربى د. طه حسين:
"إن أم كلثوم بصوتها النادر فى امتيازه، سواء فى الجمال أو فى سلامة نطق اللغة العربية ساهمت عندما غنت القصيدة فى إثبات جمال اللغة وطواعية موسيقاها، حتى فى أصعب الكلمات، لموسيقى الغناء.. وكان لصوتها فضل فى انتشار الشعر العربى على ألسنة العامة والخاصة..
(4)
أما حكايات أم كلثوم مع أهل القرآن من كبار المقرئين.. ومع سيد المداحين الشيخ النقشبندى.. فهى كثيرة ومثيرة وتستحق أن تُروى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...
مشاهد مسرحية وأغان مصرية
الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...
أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...